السياق

مما لاشك فيه وحسب المراقبين للشأن السياسي في المغرب، يندرج اختطاف الأعضاء السبعة المنتمين لجماعة العدل والإحسان بفاس منذ 28 يونيو 2010، في مسلسل التضييق على أكبر وأقوى تنظيم في المغرب. بعد تجريب حرب الشواطئ وإغلاق الأبواب المفتوحة وصناعة محاضر لبنات وأبناء الجماعة بعد اعتقالهم بطريقة فولكلورية من مجالس النصيحة واقتيادهم لمخافر الشرطة بأساليب الترهيب والتخويف ونشر الشائعات الزائفة بين الناس…

كل ذلك من أجل رسم صورة سوداء لأعضاء الجماعة، تؤدي إلى النفور والابتعاد عن جماعة تحمل مشروع بناء مجتمع الإخاء، في وقت يعرف المشهد السياسي المغربي خللا في معادلاته رغم تأسيس المؤسسات- الأخطبوط، كما يعرف جسم الحركة الإسلامية عموما ترهلا بعد سلسلة الضربات المؤلمة التي تلقتها من أجل إضعافها وتقويض حركيتها.

لكن السحر انقلب على الساحر، فالجماعة – بفضل الله وقوته – التي لا تُعرف إلا “بالاعتدال ونبذ العنف والوضوح” لم تزدد إلا قوة وتماسكا، واهتمام الخاص والعام بها وبفكرها ومشروعها المجتمعي.

من أجل الإمعان في الحصار وتضييق الخناق عليها وعلى أعضاءها، أقدمت الأجهزة الأمنية على خطوة حمقاء، وخيمة العواقب، سيئة السمعة، ترجع المغرب- من جديد- في مقدمة منتهكي حقوق الإنسان، بعد أن بدل خلال العشرية الأخيرة، مجهودات كبيرة ووضع مساحيق كثيرة لتجميل صورته في المنتظم الدولي في ملف حقوق الإنسان: إنه أسلوب الاختطاف!

الاختطاف

أسلوب قديم، في عرف جميع أنواع المخابرات الدولية والمحلية، يهدف إلى معرفة حجم التنظيمات السرية وفكر روادها غير المعلن ومشاريع مؤسساتها غير البارزة… واقترفت إثر ذلك جرائم خطيرة من تعذيب جسدي ونفسي إلى الاغتيال السياسي لاستخراج المعلومة المرغوب فيها، وشل التنظيم المستهدف ووأد فكره.

لا ينكر أحد اليوم، أن ذاك هو ما تعرض له مناضلو اليسار، بشهادة قيدومهم عبد القادر الشاوي في كتابه “كان وأخواتها”، كتاب يصف معاناة مناضلي الأمس في معتقلات “مولاي الشريف” بالدار البيضاء، وبشهادات عائلات المختطفين لضحايا ما اصطلح عليه بـ”سنوات الرصاص” في دهاليز “تازمامارت” و”دار المقري” وسراديب مخافر الشرطة…

معاناة الأمس يحكيها اليوم أيضا بعض المناضلين القدامى على أرصفة المقاهي، وصالونات الفنادق خمس نجوم، بعد أن منح أغلبهم منحة لا يستهان بها ومنصبا إداريا مقابل عدم كشف عورة الجلاد. وأصبح النضال “حكاية” والمناضل “أسطورة”.

لكن اليوم، الضحية والجلاد على نفس الطاولة -إلا من رحم ربك- يتبادلون الكلم المعسول ويخططون لمرحلة مقبلة شعارها: “النضال إرهاب والمناضل مخرّف”.

مرحلة بناء جديد يستلزم استئصال كل حامل راية الحرية والكرامة: إنه العالم الجديد، وشروط اللعبة: لتكن أو لا تكون.

العدل والإحسان باعتبارها قوة سياسية مشاكسة في المشهد السياسي المغربي، ورقم غير مرغوب فيه في معادلات العهد الجديد، لذا وجب إزاحتها من خارطة الطريق. استئصال ممنهج ومدروس، أصحابه لا يستعجلون النتائج، بل يتحينون الفرص المناسبة لإضعاف الجماعة.

مخطط بدأت معالمه بارزة منذ 2006 ب:

• استدعاءات الأفراد لمخافر الشرطة.

• إلصاق تهمة الانتماء لجماعة محظورة.

• مداهمة بيوت تعقد فيها مجالس النصيحة.

• مساومات هنا وهناك.

• ترهيب الناس وتخويفهم

• تبني أساليب الجماعة ومشاريعها الاجتماعية والثقافية بتأسيس جمعيات ضرار وسحب التراخيص من كل من تشم فيه رائحة العدل والإحسان.

أربع سنوات من الحصار والتضييق… لم تزد الجماعة إلا تماسكا وتلاحما، فجاء المنعطف الجديد بالأسلوب القديم: الاختطاف.

الحدث

لست مضطرا للتذكير بالحدث وظروفه – حدث الاختطاف – فجل المنابر الإعلامية والمواقع الإلكترونية أخبرت بالحدث. كما بادرت أغلب الجمعيات الحقوقية الوطنية والدولية بإصدار استفسارات للحكومة المغربية، بل نددت بأسلوب الاختطاف وما صاحبه من تعذيب وحرمان من أبسط الحقوق… وآخر صرخة كانت لمنظمة أمنستي الدولية تطلق حملة التضامن مع معتقلي العدل والإحسان، بينما الفريق الاشتراكي ساءل وزير الداخلية تحت قبة البرلمان ليطلع الشعب المغربي عن ملابسات الحدث… ولا مجيب!!!

هذه الضغوطات المتزايدة على المستوى الدولي والوطني جعلت الناطق الرسمي للحكومة المغربية يخرج بتصريح مفاده: أن الدولة لا تخوض حملة استئصالية ضد جماعة العدل والإحسان)، وأكد أن الاعتقالات التي طالت بعض أعضاء الجماعة في مدينة فاس مؤخرا لها علاقة بتطبيق القانون والحفاظ عليه لا أكثر ولا أقل).

أسائل السيد الوزير،

1. هل الاختطاف أسلوب من أساليب تطبيق القانون والحفاظ عليه؟

2. هل التعذيب والتنكيل وانتهاك حقوق الإنسان وسائل لإرساء دولة الحق والقانون؟

3. أم أن أعضاء جماعة العدل والإحسان ليس لهم حق من حقوق الإنسان: أعراضم مستباحة، كرامتهم مهدورة، حرماتهم منتهكة؟؟؟

إن الاختطاف، أسلوب قديم-جديد يجرب اليوم مع أعضاء جماعة العدل والإحسان، بعد دس مخبرين يمدون الاستعلامات والمخابرات بمعلومات.

سؤال: أية معلومات؟

لا أظن أن المخابرات تفتقر إلى معلومات عن جماعة العدل والإحسان -كما جاء على لسان الأمين العام للدائرة السياسية الأستاذ عبد الواحد المتوكل- فالتكنولوجيا الحديثة توفر المعلومة بالصوت والصورة ضد إرادة صاحبها.

بل إن مؤسسات الجماعة تكتب بياناتها وبلاغاتها بالحروف البارزة على مواقعها وأن ناطقها الرسمي الأستاذ فتح الله أرسلان والأمين العام لدائرتها السياسية الأكثر استجوابا مع المؤسسات الإعلامية الدولية والوطنية، في كل القضايا بكل جرأة ووضوح، فلا خطوط حمراء لمعرفة موقف أو بحث عن رأي…

في الحقيقة، الاستعلامات المغربية تعرف تخمة في المعلومات، إنما الغرض من هذا الاختطاف التأثير على توجه الجماعة أو صرفها عن خطها الأصيل، أو الزج بها في مواقف تناقض مبادئها، ومن تم توفير الذرائع للإجهاز عليها).

جماعة العدل والإحسان، بيتها من زجاج، شفافيته تسمح برؤية عمقه عن بعد، وأصحاب البيت يعلنون أنهم أصحاب صاحب البيت عن قرب، ولا يترددون في ذلك بل يعتبرونه شرفا لهم ومفخرة للمغرب والمغاربة أنهم من أهل العدل والإحسان.

كتابات مرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين واضحة وضوح الشمس، وحتى رسائله إلى ملك المغرب لم تكن مشفرة بل كانت مفتوحة يقرأها المحكوم قبل الحاكم، ابتداء ب “رسالة الإسلام أو الطوفان سنة 1974 إلى الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، إلى رسالة “إلى من يهمه الأمر” عام 2000 رسالة أيضا مفتوحة إلى ملك الفقراء.

الجواب

إن ما يؤرق مخزننا، الذي نخرت دواليب مؤسساته يد المفسدين والعابثين، أن جماعة العدل والإحسان مرشدا ومجلس إرشاد ودائرة سياسية، نساء ورجالا، شيوخا وأطفالا، تقول سرا وعلنا، وتتحرك نية وقصدا، حاملة لواء يراه الداني والقاصي، سطرت فيه بأحرف بارزة:

1. لا للاستبداد، لا للفساد.

2. نعم للعدل، نعم للإحسان.