اكتمل عِقد الحرية لـ”معتقلي وجدة” بعد تَحرُّر الدكتور بلقاسم التنوري من إسار الاعتقال السياسي الظالم الذي اقتطع من زهرة شبابه وشباب إخوته ثمانية عشر عاما كاملة. عِقد تجملت به جماعة العدل والإحسان ومعها دعوة الله ومعهما قيم الحق الذي لا تقوم له قائمة إلا بما يبذله أهله من رجال الصبر.

صباح اليوم، السبت 21 غشت 2010، تحرَّر المعتقل الثاني عشر من “طلبة وجدة”، وتَنَسَّمَ أول نسمات الحرية لدى باب سجن أبي الركائز بفاس حيث كان ينتظره بشوق ولهفة أفرادُ عائلته وأحبابُه وإخوانه الأحد عشر الذين قاسموه زنازن الظلم وإخوانُه وأخواتُه من أعضاء الجماعة ومسؤوليها.

يتجدد اللقاء المباشر بالدكتور بلقاسم لأول مرة منذ اعتقاله في 19/08/1992 بعد محاكمة صورية أدانته وإخوته بـ 20 سنة سجنا نافذة. فكان السجن لهذا الطالب الفكيكي ولباقي إخوته مغنما للخير، وفرصة للعكوف على كتاب الله حفظا وتعلُّما ولطلب العلم.

أمام مدرسة يوسف.. كلمات نَدِيَّة

وأمام باب السجن ألقى الأستاذ منير الركراكي، عضو مجلس إرشاد الجماعة، كلمة بهذه المناسبة هنأ فيها الدكتور بلقاسم على تخرُّجه من مدرسة يوسف وصبره وتحمله لظلم الظالمين، وبارك لعائلته هذه المنحة وصبرهم وتحملهم معاناة فقد ابنهم على مدى ثمانية عشر عاما، وأكد على مسار الجماعة في خطها اللاحب وثباتها على الحق رغم كيد الكائدين.

أما الدكتور بلقاسم فقد شكر العائلة والإخوة المرحبين، وأكد على ثباته على السير في نهج الجماعة لأنه هو النهج السليم، وقال بأن كل أساليب الترغيب والترهيب لم تنل من عزيمته وعزيمة إخوانه، وأنه خرج من الاعتقال لمتابعة هذا الطريق مع الجماعة المباركة. كما شكر الجماعة التي لم تتخل عن أبنائها المعتقلين على مدى هذه السنوات الطويلة.

وقال إنني أتوجه بالشكر إلى الأستاذ المرشد وإلى أعضاء مجلس الإرشاد وإلى كل أعضاء الجماعة التي أثبتت أنها جسد واحد إذا اشتكى منها عضو تداعت كل الأعضاء بالسهر والحمى).

وأضاف إننا أمضينا زهرة شبابنا في هذا السجن الظالم ومنا من فقد بعضا من أفراد عائلته ولم يتمكن من حضور جنازتها، وقاسينا ألوان العذاب ولكن هذه الجماعة ومرشدها ربونا على ألا نحقد على من ظلمنا)، وتأسف لأن هذا النظام لم يستفد من دروس الماضي وها هو يكرر نفس الأخطاء مع الإخوة السبعة الذين اختطفهم وعذبهم دون أدنى جريرة وفتح بهم ملفا جديدا بعد أن ظننا أنه على وشك وضع حد للاعتقال السياسي).

وتمنى في الأخير أن ينعم الله على كل المعتقلين الذين يقبعون في سجون الظلم بالحرية.

من جهته شدد الدكتور محمد سلمي، منسق الهيئة الحقوقية للجماعة، على أن ملف طلبة وجدة، كما هو الحل في ملف معتقلي فاس السبعة، ملف سياسي بامتياز، أراد من خلاله الحاكمون الضغط على الجماعة وابتزازها في مواقفها، ولكن خاب مسعاهم ورجاؤهم. وهنأ التنوري وإخوانه على ما بذلوا وقدموا وصبروا حتى أتاهم الفرَج والحرية.

فهل من مُعتبر؟!

ها هي قد مضت السنون بما للإخوة الصابرين المحتسبين من أجرها، وبما على الظالمين المتجبرين من أوزارها.

كان اليوم الذي امتدت فيه أيدي الظالمين إلى الطلبة الاِثني عشر صفحة سوداء كالحة من صفحات “العهد القديم” المتجدد مِحَنًا وظلما وعَسْفًا.

عِقدان من الزمن اندثرت خلالهما إمبراطورياتٌ وتَفَتَّتَتْ دولٌ وانهارت جُدُرٌ وانقلبت موازينُ ونشِبت حروبٌ وَأَفْضَتْ إلى ما قَدَّمَتْ عند ربها جبابرةٌ وما اعتبر من حكامنا معتبر كأنه طُبع على قلوبهم وخُتِم.

ما اعتبر حكامنا البتَّة، وما حرك فيهم القول البليغ شعرة، بل تمادوا وتفننوا في تجديد ما وُرِّثُوا من أدوات الاستعباد والقمع والتنكيل بمن ولدتهم أمهاتهم أحرارا، وحَمَّلَهُم الدين العظيم أمانة الجهر بكلمة الحق مهما كان ثمنها. فهل يعتبر من أُقيمت عليهم الحجة بعد الحجة فلم تزدهم إلا طغيانا؟

بل قد تمادى من بيدهم الأمر، ولله الأمر من قبل ومن بعد، كَأَنَّهُ لا تقوم لدولة قائمة إلا إن تأسست على عظام المستضعفين وجماجمهم، ولا تسكن إلى راحة إلا إن دغدغتها آهات المحرومين، ولا تَسْعَدُ بعيش إلا بِبُشْرَيَات نكبات الكادحين، ولا تسري في عروقها حياة إلا إن حُقِنَتْ بدموع المساكين. فلم يكد يخرج آخر المعتقلين الاثني عشر من غياهب السجن حتى تجدد العهد القديم ببطشه المعهود منه وتجلى بلبوس سنوات الجمر والرصاص فاستحلَّ حرية سبعة من قيادات الجماعة، في تكرار جديد مكشوف لفعل قديم ثبت فشله.

ندع سلوك المستبدين وبله تصرفاتهم التي لن تثني مؤمنا عاقلا عن طريقه، ونُطل إلى روضة الحرية لنقول لأخينا الحبيب: ظمأُ الأسر ذهب، وابتلت العروق بندى العناية الربانية، وثبت الأجر إن شاء الله.