تعرضنا على يد النظام المغربي المخزني لظلم واعتداء شنيع، أفضى إلى إفناء زهرة شبابنا في أقبية السجون ظلما وعدوانا، قابلناه بتفويض أمرنا إلى الله تعالى، والرضا بقضائه وقدره، محتسبين، صامدين، ثابتين، غير مبدلين ولا مغيرين. وهو أمر يحمل معاني كثيرة، وينطوي على دلالات عديدة، منها ما يتعلق بالمعتقل وجماعة العدل والإحسان ولطف الله وفضله عليهما، ومنها ما يتعلق أيضا ببشاعة الظلم والظالمين؛ ذلك أن المكوث ثمان عشرة سنة داخل الزنزانة هو حرمان من الحياة، وجريمة مخزنية نكراء، ووصمة عار في جبين المخزن والمتآمرين معه، فضلا على أنه يؤكد أن سياسة القمع لن تجدي في تغيير الناس لمبادئهم، خاصة إذا كانت هذه المبادئ تنبع من روح الإسلام ووسطيتة ورحمته، بعيدة عن مهاوي العنف ومآسيه.

إن هذا المكتوب الذي عنونته ب “خواطر على درب الصمود” هو مجرد أفكار ومشاعر لاحت لي، فجرى اليراع مقيدا لها، لكنه عجز عن حصرها، لأن قضاء ما يقارب عقدين من الزمن داخل الزنزانة يحوي الكثير من الوقائع، والدروس، والعبر، التي يتعذر اختزالها في سطور وصفحات معدودة.

وفيما يأتي بعض هذه المشاعر والمعاني والدلالات:

حادي عشر: اعتقالنا وصمة عار في جبين النظام المخزني

تسعى الدولة المخزنية جادة لتزيين واجهتها مستعملة لنيل مرادها سبلا شتى، كالكذب والنفاق والتزييف، فلا تتورع ولا تتردد في مختلف المناسبات والمحافل عن الإعلان عن احترامها لحقوق الإنسان، وتبنيها لشعار دولة الحق والقانون، والقطيعة مع مآسي الماضي، مستندة إلى مؤسسات شكلية، وشراء الذمم والضمائر، وتجنيد كل من كانت له قابلية للانخراط في مسلسل استعباد الناس والتمكين للاستبداد. أما الواقع فهو بعيد كل البعد عن الشعارات المبتذلة، هو يئن تحت وطأة القمع والظلم والمآسي، حتى أضحى بعض الشباب للأسف يفضلون الموت في قاع البحر على المكوث في بلد عزيز عليهم، سامهم المفسدون فيه سوء العذاب، وهو ما يعكس بجلاء الصورة الحقيقية لدولة الحق والقانون، وغيرها من الشعارات الفارغة. فالنظام المغربي ظل لسنوات ينفي وجود معتقلين سياسيين داخل زنازنه، فصفق له المجندون والمهرجون، ورددوا كلامه مدافعين، ثم ما لبث أن اعترف بالحقيقة تحت ضغط خارجي أساسا، ثم عاد معه المطبلون بدون خجل ولا حياء ليرددوا ويوضحوا. أما نحن فقد اكتفى المخزن عبر مجلسه الاستشاري سنة 1998 بالإعلان بأن ملفنا شائك، ويتطلب المزيد من الدراسة للحسم فيه وطيه خلال أشهر معدودة، وكأن السنوات السبع التي قضيناها حينئذ في السجن لم تكن كافية للدراسة والتدقيق، فإذا بالأشهر تتحول إلى إحدى عشرة سنة دون البث فيه، لأن ملفنا ببساطة سياسي محض أكبر من المجلس الاستشاري المغلوب على أمره بكثير، تتحكم فيه الدوائر العليا التي تعتبرنا رهائن ينبغي مقايضتها بتنازل الجماعة عن مبادئها ومواقفها. ولهذا سيظل ملفنا الذي اعتبره النظام شائكا، وما تتعرض له الجماعة من تنكيل واضطهاد وسط تصفيق البعض، وتفرج الآخرين، وصمة عار في جبين المخزن والمتآمرين معه، وستدينه أجيال بعد أجيال. كما قال المعتقل محمد سليم، أحد تلامذة العلامة الشيخ الزيتوني رحمهما الله، وهو على فراش الموت في سنة 1996 بسجن القنيطرة في بيان نشرته بعض الصحف -انظر الأسبوع الصحفي مثلا تاريخ 7 يونيو 96- مخاطبا ظالميه، مطالبا بإطلاق سراحه، قال رحمه الله: (بحلول 1996 أكون قد قضيت من المدة المحكوم بها علي -20 سنة- ستة عشر عاما عانيت فيها الآلام ولا أزال، فأنا أبلغ من العمر 65 سنة، وقد فقدت صحتي كلية… وأنا أعيش في غيبوبة معظم اليوم، وأنا على فراش الموت أذكر جميع المسؤولين أن حرماني من حقي في الحرية وحبس العلماء -الشيخ الزيتوني مثلا- وغيرهم من الصالحين داخل السجون وحتى الموت، لجرائم تاريخية ستظل الأجيال القادمة تقرأ فيها صورا من الظلام الحالك والمأساة التي رسمتموها لوطننا الحبيب في هذه الفترات الزمنية… وحسبنا الله ونعم الوكيل).

مات بعد أقل من شهر من هذا النداء، فرحمة الله عليه، ورحم الله شيخه العلامة الفقيه الزيتوني الذي ظل محبوسا بسجن القنيطرة إلى أن توفي فيه بدوره سنة 1990، في سن يناهز المائة، دون أن يشفع له سنه ولا علمه ولا جهاده، ولا مساهمته في مقاومة الاستعمار وطرده. هذه هي المشاهد الحية لمغرب الحرية، والديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ثاني عشر: اعتقالنا كشف تناقض بعض الهيئات الحقوقية مع شعاراتها

الدفاع عن حقوق الإنسان، بغض النظر عن هذا الإنسان، وعقيدته، ولونه، ولغته، وما إلى ذلك، شعار نبيل تتبناه المؤسسات الحقوقية، ولا يسعني شخصيا إلا أن أحيي المنظمات الحرة المدافعة عن حقوق الإنسان بصدق وموضوعية، وأحيي كل الحقوقيين الجادين الذين يطبقون هذا الشعار، ويبذلون الجهد ليعيش الإنسان حرا كريما لا يعذب و لا يهان ولا يجوع. لأن الوقوف مع المظلوم مهما كانت هويته من صميم ديننا، بل إن ما يطلق عليه اليوم “حقوق الإنسان”، كحقه في الحرية والتعليم والإبداع وما إلى ذلك، لم يعتبرها القرآن حقوقا فقط، بل اعتبرها تكاليف واجبة، وفروضا ملزمة، والفرق بين الحقوق والتكاليف أن الحق بإمكان الإنسان أن يتنازل عنه، ويقصر في المطالبة به، أما أن تكون تكاليف فرضها الله تعالى على الإنسان فلا يجوز له أن يتنازل عنها، أو يتخلى عنها، فليس للإنسان في ديننا أن يتخلى عن حريته، ولا أن يعبد غير الله، ولا أن يقبل الإكراه في الدين، ولا يجوز له أن يتنازل عن التفكير واستخدام العقل، ولا أن يتنازل عن مسؤوليته في التبليغ والإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحت أي مبرر، سواء كان ذاتيا، أو موضوعيا يتعلق بالظلم والاستبداد.

وتعتبر العدل والإحسان هذه الحقائق من قبيل المسلمات، يقول المرشد العام للجماعة حفظه الله في كتاب العدل: إن تكرمة الإنسان، وإنصافه، وكشف الظلم عنه، وتحريره من العبودية للعباد ديننا وعقيدتنا).

غير أن الذي يؤسف له في ملفنا هو أن بعض المنظمات الحقوقية تسرعت في أحكامها، فكانت مجانبة للصواب، فاتهمتنا بما لم يتهمنا به النظام نفسه. كان الأولى لها ألا تتسرع، ولا تتحكم في قراراتها الخلفيات السياسوية الضيقة. ما ذا خسرت هذه المنظمات لو درست ملفاتنا الجنائية دراسة موضوعية قانونية محضة، وتأكدت من مدى سلامة المساطر المتبعة، ومدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة، بعيدا عن كل الحسابات السياسوية. فالمؤكد أنها، إذا كانت صادقة مع نفسها، ستتبنى ملفاتنا، وستنافح عن قضيتنا، لأنها ستجد الملفات فارغة من أي سند قانوني، ستجد نفسها أمام رهائن أو محتجزين، لا أمام معتقلين. لكن للأسف فإن الازدواجية في التعامل مع ملفات مماثلة لملفاتنا، وترديد تهم المخزن، الخصم والحكم، الملفقة دون أي تردد أو تمحيص أو دراسة، هو ظلم لا يقل حدة عن ظلم المخزن، الذي أعلن، هو نفسه، للرأي العام عبر مجلسه الاستشاري الذي وقف على خروقات كثيرة في الملف بأن الملف شائك.

الكل أجمع، وفي مقدمته الحقوقيون، بأن السنوات الفارطة التي يطلق عليها العهد القديم، وإن كنا لا نرى فرقا بين القديم والجديد، سنوات رصاص، وسنوات اعتداء، وتصفية للحسابات، وعدم استقلالية القضاء، وما إلى ذلك من مظاهر القمع. لكن حين يتعلق الأمر بملفات جماعة العدل والإحسان، كملفنا الذي يعود إلى تلك السنوات المظلمة، فإن المعايير تتبدل، ويصبح النظام عادلا، والقضاء مستقلا نزيها، الخ، وهو تناقض مكشوف، ويضر بمصداقية هذه المنظمات، ويشكك في شعاراتها. مع تجديدي التحية لكل الفضلاء والحقوقيين والجمعيات، محلية كانت أو دولية، التي تتولى هذه الخدمة النبيلة المتمثلة في نصرة المظلوم، واحترام حقوق الإنسان، وحريته وكرامته. متمنيا من كل من يتصدى لها أن يتحلى بالصدق والموضوعية، كي يظل الدفاع عن حقوق الإنسان في منأى عن الصراعات السياسوية، والحسابات الضيقة.