واو قاتلة

مر رجل بأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ومعه ثوب فقال له أبو بكر رضي الله عنه أتبيعه فقال: لا رحمك الله فقال أبو بكر: لو تستقيمون لقومت ألسنتكم، هلا قلت لا ورحمك الله.

وحكي أن المأمون سأل يحيى بن اكثم عن شيء، فقال: لا وأيد الله الأمير فقال المأمون ما أظرف هذه الواو وأحسن موقعها وكان الصاحب يقول: هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ.

فصاحة عقيل

يروى أن معاوية قال لعقيل بن أبي طالب: إن عليا قد قطعك وأنا وصلتك ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر قال: أفعل فصعد المنبر ثم قال: بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه أيها الناس إن معاوية بن أبي سفيان قد أمرني أن ألعن عليا بن أبي طالب فالعنوه فعليه لعنة الله، ثم نزل فقال له معاوية إنك لم تبين من لعنت منهما بينه فقال: والله لا زدت حرفا ولا نقصت حرفا والكلام إلى نية المتكلم.

فصاحة امرأة

دخلت امرأة على هارون الرشيد وعنده جماعة من وجوه أصحابه فقالت يا أمير أقر الله عينك وفرحك بما آتاك وأتم سعدك لقد حكمت فقسطت فقال لها: من تكونين أيتها المرأة؟ فقالت: من آل برمك ممن قتلت رجالهم وأخذت أموالهم وسلبت نوالهم فقال: أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله ونفذ فيهم قدره، وأما المال فمردود إليك ثم التفت إلى الحاضرين من أصحابه فقال أتدرون ما قالت هذه المرأة فقالوا: ما نراها قالت إلا خيرا، قال: ما أظنكم فهمتم ذلك أما قولها أقر الله عينك أي أسكنها عن الحركة وإذا سكنت العين عن الحركة عميت وأما قولها وفرحك بما آتاك فأخذته من قوله تعالى (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة) وأما قولها وأتم الله سعدك فأخذته من قول الشاعر:إذا تم أمر بدا نقصه *** ترقب زوالا إذا قيل تم وأما قولها لقد حكمت فقسطت فأخذته من قوله تعالى (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) فتعجبوا من ذلك.

الأدب في النسب

وأما ما جاء في الأدب فقد قال بعض الحكماء: العقل يحتاج إلى مادة من الأدب كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الطعام وقال علي كرم الله وجهه: الأدب كنز عند الحاجة عون على المروءة صاحب في المجلس أنيس في الوحدة تعمر به القلوب الواهية وتحيا به الألباب الميتة وينال به الطالبون ما حاولوا وقيل عقل بلا أدب كشجاع بلا سلاح.

وحكي أن رجلا تكلم بين يدي المأمون فأحسن فقال ابن من أنت قال ابن الأدب يا أمير قال نعم النسب انتسبت إليه ولهذا قيل المرء من حيث يثبت لا من حيث ينبت ومن حيث يوجد لا من حيث يولد قال الشاعر:كن ابن من شئت واكتسب أدبا *** يغنيك محمـوده عن النسب
إن الفتى من يقول ها أنا ذا *** ليس الفتى من يقول كان أبي
وقال بعض الحكماء من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان وضيعا وبعد صيته وإن كان خاملا وساد وإن كان غريبا وكثرت حوائج الناس إليه وإن كان فقيرا قال بعض الشعراء:لكل شيء زينة في الورى *** وزينة المرء تمــام الأدب
قد يشرف المرء بآدابه *** فينا وإن كان وضيع النسب
وقيل: الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والحسب وقيل المرء بفضيلته لا بفصيلته وبكماله لا بجماله وبآدابه لا بثيابه وقيل لرجل من أدبك قال:رأيت جهل الجهال قبيحا فاجتنبته فتأدبت ومن أدب ولده صغيرا سر به كبيرا من عرف الأدب اكتسب به المال والجاه خير الخلال الأدب وشر المقال الكذب، ودخل أبو العالية على ابن عباس رضي الله عنهما فأقعده معه على السرير وأقعد رجالا من قريش تحته فرأى سوء نظرهم إليه وحموضة وجوههم فقال: ما لكم تنظرون إلي نظر الشحيح إلى الغريم المفلس؟ هكذا الأدب يشرف الصغير على الكبير ويرفع المملوك على المولى ويقعد العبيد على الأسرة.

البيان والبلاغة

قال الله تعالى (الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان) وقال: أن من البيان لسحرا قال: ابن المعتز البيان ترجمان القلوب وصيقل العقول وأما حده فقد قال الجاحظ البيان اسم جامع لكل ما كشف لك عن المعنى.

وأما البلاغة فانها من حيث اللغة هي أن يقال بلغت المكان إذا أشرفت عليه وإن لم تدخله قال الله تعالى ( فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف ) وقال بعض المفسرين في قوله تعالى ( أم لكم أيمان علينا بالغة ) أي وثيقة كأنها قد بلغت النهاية وقال اليوناني البلاغة وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الاشارة وقال الهندي :البلاغة تصحيح الأقسام واختيار الكلام وقال الكندي :يجب للبليغ أن يكون قليل اللفظ كثير المعاني وقيل إن معاوية سأل عمرو بن العاص: من أبلغ الناس فقال أقلهم لفظا وأسهلهم معنى وأحسنهم بديهة ولو لم يكن في ذلك الفخر الكامل لما خص به سيد العرب والعجم.

وافتخر به حيث يقول: “نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم” وذلك أنه كان عليه الصلاة والسلام يتلفظ باللفظ اليسير الدال على المعاني الكثيرة وقيل ثلاثة تدل على عقول أصحابها الرسول على عقل المرسل، والهدية على عقل المهدي، والكتاب على عقل الكاتب. وقال أبو عبد الله وزير المهدي: البلاغة ما فهمته العامة ورضيت به الخاصة وقال البحتري: خير الكلام ما قل وجل ودل ولم يمل وقالوا: البلاغة ميدان لا يقطع إلا بسوابق الأذهان ولا يسلك إلا ببصائر البيان.

وقال الشاعر:لك البلاغة ميدان نشأت به *** وكلنا بقصور عنك نعترف
مهد لي العذر نظم بعثت به *** من عنده الدر لا يهدي له الصدف
وروي أن ليلى الأخيلية مدحت الحجاج فقال: يا غلام اذهب إلى فلان فقل له يقطع لسانها قال فطلب حجاما فقالت: ثكلتك أمك إنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة فلولا تبصرها بأنحاء الكلام ومذاهب العرب والتوسعة في اللفظ ومعاني الخطاب لتم عليها جهل هذا الرجل

وقال الثعالبيك البليغ من يحول الكلام على حسب الامالي ويخيط الألفاظ على قدر المعاني والكلام البليغ ما كان لفظه فحلا ومعناه بكرا وقال الإمام فخر الدين الرازي رحمة الله تعالى عليه في حد البلاغة: إنها بلوغ الرجل بعبارته كنه ما في قلبه مع الاحتراز عن الإيجاز المخل والتطويل الممل.

إذن نعفيك

وحكي أن معاوية رضي الله تعالى عنه بينما هو جالس في بعض مجالسه، وعنده وجوه الناس فيهم الأحنف بن قيس إذ دخل رجل من أهل الشام فقام خطيبا وكان آخر كلامه أن لعن عليا رضي الله تعالى عنه ولعن لاعنه، فقال الأحنف يا أمير المؤمنين إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتق الله يا أمير ودع عنك عليا رضي الله تعالى عنه، فلقد لقي ربه وأفرد في قبره وخلا بعمله، وكان والله المبرور سيفه، الطاهر ثوبه، العظيمة مصيبته. فقال معاوية: يا أحنف لقد تكلمت بما تكلمت وأيم الله لتصعدن على المنبر فتلعنه طوعا أو كرها فقال له الأحنف: إن تعفني فهو خير لك وإن تجبرني على ذلك فوالله لا تجري شفتاي به أبدا، فقال: قم فاصعد. قال أما والله لأنصفنك في القول والفعل قال: وما أنت قائل إن أنصفتني قال: أصعد المنبر فأحمد الله وأثني عليه وأصلي على نبيه محمد ثم أقول أيها الناس إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليا ألا وإن معاوية وعليا اقتتلا فاختلفا فادعى كل واحد منهما أنه مبغي عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله ثم أقول اللهم ألعن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية اللهم العنهم لعنا كثيرا، أمنوا رحمكم الله يا معاوية لا أزيد على هذا ولا أنقص حرفا ولو كان فيه ذهاب روحي فقال: معاوية إذا نعفيك يا أبا بحر.

قلة الكلام

قال عبد الملك لرجل: حدثني فقال: يا أمير افتتح فإن الحديث يفتح بعضه بعضا وقال: الهيثم ابن صالح لابنه يا بني إذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب قال: يا أبت فإن أنا أكثرت. وأكثرت يعني كلاما وصوابا قال يا بني ما رأيت موعوظا أحق بأن يكون واعظا منك. وقال: الشعبي كنت أحدث عبد الملك بن مروان وهو يأكل فيحبس اللقمة فأقول أجزها أصلحك الله فإن الحديث من وراء ذلك فيقول: والله لحديثك أحب إلي منها وقال ابن عيينة الصمت منام العلم والنطق يقظته ولا منام إلا بتيقظ ولا يقظة إلا بمنام قال ابن المبارك:وهذا اللسان بريد الفؤاد *** يدل الرجال على عقله

الفصاحة

قال الإمام فخر الدين الرازي: “اعلم أن الفصاحة خلوص الكلام من التعقيد وأصلها من قولهم أفصح اللبن إذا أخذت عنه الرغوة وأكثر البلغاء لا يكادون يفرقون بين البلاغة والفصاحة بل يستعملونهما استعمال الشيئين المترادفين على معنى واحدة في تسوية الحكم بينهما ويزعم بعضهم أن البلاغة في المعاني والفصاحة في الألفاظ ويستدل بقولهم معنى بليغ ولفظ فصيح”.

وقال يحيى بن خالد: ما رأيت رجلا قط إلا هبته حتى يتكلم فان كان فصيحا عظم في صدري وإن قصر سقط من عيني.

وقد اختلف الناس في الفصاحة فمنهم من قال إنها راجعة إلى الألفاظ دون المعاني ومنهم من قال إنها لا تخص الألفاظ وحدها واحتج من خص الفصاحة بالألفاظ بأن قال :نرى الناس يقولون هذا لفظ فصيح وهذه الألفاظ فصيحة، ولا نرى قائلا يقول هذا معنى فصيح فدل على أن الفصاحة من صفات الألفاظ دون المعاني، وإن قلنا إنها تشمل اللفظ والمعنى لزم من ذلك تسمية المعنى بالفصيح وذلك غير مألوف في كلام الناس والذي أراه في ذلك أن الفصيح هو اللفظ الحسن المألوف في الاستعمال بشرط أن يكون معناه المفهوم منه صحيحا حسنا، ومن المستحسن في الألفاظ تباعد مخارج الحروف فإذا كانت بعيدة المخارج جاءت الحروف متمكنة في مواضعها غير قلقة ولا مكدودة والمعيب من ذلك كقول القائل:لو كنت كنت كتمت الحب كنت كما *** كنا وكنت ولكن ذاك لم يكنوكقول بعضهم أيضا:ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه *** ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف وكقول الآخر:وقبر حرب بمكان قفر *** وليس قرب قبر حرب قبرقيل إن هذا البيت لا يمكن إنشاده في الغالب عشر مرات متوالية إلا ويغلظ المنشد فيه لأن القرب في المخارج يحدث ثقلا في النطق به، وقيل من عرف بفصاحة اللسان لحظته العيون بالوقار وبالفصاحة والبيان.

قال الشاعر:لسان الفتى نصف ونصف فؤاده *** ولم يبق إلا صورة اللحم والدموسمع النبي من عمه العباس كلاما فصيحا فقال: بارك الله لك يا عم في جمالك أي فصاحتك.

وقال فيلسوف: كما أن الآنية تمتحن بأطيانها فيعرف صحيحها من مكسورها فكذلك الإنسان يعرف حاله من منطقه.

وقال المبرد قلت للمجنون أجزني هذا البيت:أرى اليوم يوما قد تكاثف غيمه *** وإبراقه فاليوم لا شك ماطر فقال:وقد حجبت فيه السحائب شمسه *** كما حجبت ورد الخدود المحاجروحكي أن بعضهم دخل على عدوه من النصارى فقال له أطال الله بقاءك وأقر عينك وجعل يومي قبل يومك والله إنه ليسرني ما يسرك فأحسن إليه وأجازه على دعائه وأمر له بصلة وكان ذلك دعاء عليه لأن معنى قوله أطال الله بقاءك حصول منفعة المسلمين به في أداء الجزية وأما قوله وأقر عينك فمعناه سكن الله حركتها أي أعماها وأما قوله وجعل يومي قبل يومك أي جعل الله يومي الذي أدخل فيه الجنة قبل يومك الذي تدخل فيه النار وأما قوله إنه ليسرني ما يسرك فإن العافية تسره كما تسر الآخر فانظر إلى الاشتراك وفائدته ولولا الاشتراك ما تهيأ لمتستر مراد ولا سلم له في التخلص قياد وكان حماد الراوية لا يقرأ القرآن فكلفه بعض الخلفاء القراءة في المصحف فصحف في نيف وعشرين موضعا من جملتها قوله تعالى ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ) بالغين المعجمة والسين المهملة وقوله ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) بالباء الموحدة ليكون لهم عدوا وحزنا بالباء الموحدة ( وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار ) بالجيم والباء الموحدة ( هم أحسن أثاثا ورئيا ) بالزاي وترك الهمزة ( عذابي أصيب به من أشاء ) بالسين المهملة ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ) بالنون والعين المهملة ( سلام عليكم لا نبتغي ) باسقاط التاء ( بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) بالغين المعجمة والراء المهملة قرن الشقاق بالغرة وهذا لا يقع إلا من الأذكياء.

اعطنا من مال الله

وحكي أن البادية قحطت في أيام هشام فقدمت عليه العرب فهابوا أن يكلموه وكان فيهم درواس ابن حبيب وهو ابن ست عشرة سنة له ذؤابة وعليه شملتان، فوقعت عليه عين هشام فقال لحاجبه: “ما شاء أحد أن يدخل علي إلا دخل حتى الصبيان” فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقا فقال: يا أمير إن للكلام نشرا وطيا وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره فإن أذن لي الأمير أن أنشره نشرته فأعجبه كلامه وقال له :أنشره لله درك فقال :”يا أمير المؤمنين إنه أصابتنا سنون ثلاث سنة أذابت الشحم وسنة أكلت اللحم وسنة دقت العظم وفي أيديكم فضول مال فإن كانت لله ففرقوها على عباده وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين” فقال هشام :ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذرا فأمر للبوادي بمائة ألف دينار وله بمائة ألف درهم ثم قال له: ألك حاجة؟ قال: مالي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين فخرج من عنده وهو من أجل القوم

المرء بأصغريه

وقيل إن سعد بن ضمرة الأسدي لم يزل يغير على النعمان بن المنذر يستلب أمواله حتى عيل صبره فبعث إليه يقول إن لك عندي الف ناقة على أنك تدخل في طاعتي فوفد عليه وكان صغير الجثة اقتحمته عينه ويتنقصه فقال: مهلا أيها الملك إن الرجال ليسوا بعظم أجسامهم وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن نطق نطق ببيان وإن صال صال بجنان ثم أنشأ يقوليا أيها الملك المرجو نائله *** إني لمن معشر شم الذرى زهر
فلا تغرنك الأجسام إن لنا *** أحلام عاد وإن كنا إلى قصر
فكم طويل إذا أبصرت جثته *** تقول هذا غداة الروع ذو ظفر
فإن ألم به أمر فأفظعه *** رأيته خاذلا بالأهل والزمر
فقال صدقت فهل لك علم بالأمور قال: “إني لأنقض منها المفتول وأبرم منها المحلول وأجيلها حتى تجول ثم أنظر فيها إلى ما تؤول وليس للدهر بصاحب من لا ينظر في العواقب” قال فتعجب النعمان من فصاحته وعقله ثم أمر له بألف ناقة وقال له يا سعد إن أقمت واسيناك وإن رحلت وصلناك فقال قرب الملك أحب إلي من الدنيا وما فيها فأنعم عليه وأدناه وجعله من أخص ندمائه.

أجوبة مفحمة

دخل الحسن بن الفضل على بعض الولاة وعنده كثير من أهل العلم فأحب الحسن أن يتكلم فزجره وقال: يا صبي أتتكلم في هذا المقام ؟فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت صبيا فلست بأصغر من هدهد سليمان ولا أنت بأكبر من سليمان عليه السلام حين قال :أحطت بما لم تحط به ثم قال: ألم تر أن الله فهم الحكم سليمان ولو كان الأمر بالكبر لكان داود أولى.

ولما أفضى الأمر إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أتته الوفود فإذا فيهم وفد الحجاز فنظر إلى صبي صغير السن وقد أراد أن يتكلم فقال: ليتكلم من هو أسن منك فإنه أحق بالكلام منك فقال الصبي: يا أمير المؤمنين لو كان القول كما تقول لكان في مجلسك هذا من هو أحق به منك قال: صدقت فتكلم فقال: يا أمير المؤمنين إنا قدمنا عليك من بلد تحمد الله الذي من علينا بك ما قدمنا عليك رغبة منا ولا رهبة منك أما عدم الرغبة فقد آمنا بك في منازلنا وأما عدم الرهبة فقد أمنا جورك بعدلك فنحن وفد الشكر والسلام فقال له عمر رضي الله عنه: عظني يا غلام فقال: يا أمير المؤمنين إن أناسا غرهم حلم الله وثناء الناس عليهم فلا تكن ممن يغره حلم الله وثناء الناس عليه فتزل قدمك وتكون من الذين قال الله فيهم (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون فنظر عمر في سن الغلام فإذا له اثنتا عشرة سنة فأنشدهم عمر رضي الله تعالى عنهتعلم فليس المرء يولد عالما *** وليس أخو علم كمن هو جاهل
فإن كبير القوم لا علم عنده *** صغير إذا التفت عليه المحافل