المدخل التمهيدي

إن أي فعل تواصلي يفترض – كما هو معلوم في هذا المجال – وجود مرسل ومرسل إليه، ورسالة تمر بينهما عبر قنوات خالية من أية معيقات أو مشوشات. وقد حرص الإسلام على فتح هذه القنوات للتواصل مع الآخر، دون أن يكون لاختلافات من قبيل الدين أو الجنس أو العنصر أو القوة أو غيرها… أي اعتبار من شأنه أن يعيق أو يشوش على التواصل المطلوب.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم. إن الله يحب المقسطين.

وفي إشارة لطيفة لهذه الآية الكريمة، تبين مدى الحرص على التواصل مع الآخر مهما كانت خلفياته، وإسماعه كلام الله تعالى، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة. هذا وحي، وهذا حق. ومن البر أن تحتفي بمن تدعوه وتسكت عن مساوئه. وقد استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى نجران وأسكنهم في مسجده وفاوضهم) 1 .

كما أرسل عليه الصلاة والسلام إلى ملوك زمانه، بغية مد جسور التواصل معهم، ودعوتهم إلى الإسلام بالرفق واللين والكلمة الصادقة المحاطة بالاحترام لشخص المدعو. وهو بذلك يؤكد عليه الصلاة والسلام على عالمية رسالة الإسلام وأنها “الرسالة الشاملة التي تخاطب كل الأمم، وكل الأجناس، وكل الشعوب وكل الطبقات. إنها ليست رسالة لشعب خاص، يزعم أنه وحده شعب الله المختار! وأن الناس جميعا يجب أن يخضعوا له 2 ، كما هو الحال مثلا في المجتمع اليهودي الذي يعتبر مجتمعا مقفلا لا يدخله إلا الإسرائيلي، فالدين والقومية شيء واحد، ومن هنا هو مجتمع مغلق في وجوه الآخرين غير قابل لأن يكون مجتمعا عالميا في يوم من الأيام) 3 .

وكذلك الحال بالنسبة للمجتمع الهندوكي الذي يكاد يكون مجتمعا مقفلا كالمجتمع اليهودي، لأن تقسيم البرهمية للطبقات في هذا المجتمع، وعزلها كل طبقة عن الأخرى عزلا كاملا، بحيث لا يمكن اجتياز الفواصل الحديدية بين هذه الطبقات.. لا يسمح لغير الهنود أن يعتنقوا الديانة الهندوكية) 4 .

أما المجتمع الإسلامي فإنه مجتمع حر مفتوح يملك كل فرد أو شعب أن يدخل إليه ويندمج فيه، أو أن يعيش بين أهله مكفول الحرية في اتباع العقيدة التي اختارها لنفسه إن لم يكن من المسلمين.

كما تملك كل دولة غير مسلمة أن تتعاقد وتتعاهد مع الدولة الإسلامية، على الإصلاح في الأرض، أو على السلم والمهادنة فتثق أن عهدها محفوظ غير منقوض، ما وفت هي بعهدها، ولم تنقض منه شيئا) 5 .

وإلى هذه العالمية التي تميزبها دين الإسلام تشير عدة آيات في القرآن الكريم منها قوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. وقوله عز وجل: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا. ولكنه في الوقت ذاته لا يحاول أن يقسر الناس قسرا على اتباعه، قال تعالى: )لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، وكل ما يريده هو أن تترك له حرية الدعوة بين أهل الأرض جميعا، كي يصلهم بالخير المطلق الذي جاء به، والذي لا يجلعه وقفا على أحد ولا حكرا على أحد) 6 .

لذلك يتحتم على المسلمين انطلاقا من كونهم حملة رسالة الله إلى العالمين، أن يستفرغوا الجهد للتواصل مع الناس وإيصال الرسالة إليهم بالتي هي أحسن. فالإسلام- كما يقول الشيخ راشد الغنوشي- قد جعل فكرة التواصل الحضاري والديني والأخلاقي والإنساني أصلا من أصول الإسلام) 7 .

لكن الملاحظ أن واقع التواصل بين المسلمين وبين غيرهم وخاصة الغرب، يحتاج إلى جهد جبار ومثابرة ومصابرة كبيرتين لاجتياز عقباته الكثيرة. إذ أن مجرد إسماع الحق لإنسان حديث لا يعرف لوجوده معنى خارج الرغبة الرهيبة للاستمتاع “بالسعادة” الاستهلاكية يعتبر رهانا) 8 .

وهو لا شك رهان صعب، خاصة إذا كان المراهَن على التواصل معه، متخما بالمتع المادية المحاطة بالقوة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والعسكرية… ومنتميا لعالم “حداثة” لا تسمع إلا للمنطق اللائيكي، ويحكم على الإسلامي المتحدث عن الله مسبقا بأنه متعصب وظلامي ومتخلف وإرهابي ومدان فورا دون محاكمة) 9 . أحكام مسبقة ومضادة تزيدها الآلة الإعلامية الدعائية رسوخا في الذهنية الغربية، ويذكيها شحن تاريخي ضد كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، ويزكيها واقع المسلمين المنحدرين من جنوب جائع أعزل منزوع السيادة على أراضيه وما أودع الله تعالى فيها من خيرات.

إن التواصل مع الغرب في الواقع الحالي مفرغ من معناه، فهو كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: يكاد يكون ذا اتجاه واحد: تفرض قوة الشمال استبدادها عبر بنود إلزامية، ويواري الجنوب خجله مسميا خضوعه “تعاونا وديا”) 10 .

والمسلمون هم المستضعفون النموذجيون في هذا الجنوب الخاضع، وكل من يتحدث منهم بلغة أخرى غير لغة الرضوخ “المتعاون” مع الغرب وسياساته العالمية، فهو أحد مكونات الخطر الأخضر الباقي بعد زوال الخطر الأحمر!..

فعن أي تواصل نتحدث في ظل هذا الوضع القائم القاتم؟

ألا يكون سعينا في البحث عن التواصل مع الغرب ضربا من العبث، وجريا على غير هدى وراء السراب؟ أم أن الأجدر بنا أن نعلي سقف طموحنا، ولو بدا على أنه “طموح مجنون”، كما يعبر الأستاذ ياسين، وهو يتحدث عن مطمح تبليغ رسالة الإسلام ونشر قيمه على المدى البعيد والأفق الواسع لمسار البشرية 11 ، ونبحث –من منطلق واجبنا كدعاة إلى الله تعالى– عن مداخل ومفاتح لا بد لنا من معرفتها، حتى نتمكن بفضل العلي القدير من تحقيق هذا الطموح المشروع، خاصة وأن الدعوة الإسلامية اليوم قد غدت حاجة بشرية، كما يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله، الذي ينقل عن أحد أبناء الحضارة الغربية قوله: إن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية؛ إذ القبائل تتحارب وتتناحر، لا قانون ولا نظام. أما النظم التي خلقتها المسيحية فكانت تعمل على الفرقة والانهيار بدلا من الاتحاد والنظام، وكانت المدنية كشجرة ضخمة متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله- واقفة تترنح وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب.. وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحد العالم جميعه) 12 . يقصد الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم.

وسيأتي اليوم الذي سيلقي فيه عالم حديث متعقل سمعه ليصغي إلى رسالة الإسلام وكله استعداد وانفتاح لتقبل اقتراح الإسلام، وكله سعادة للاسترشاد بحكمة الإسلام. إن شاء الله) 13 . بشائر وعلائم هذا اليوم نراها بادية في الأفق، مع هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي تخطى أثرها حدود بلاد المسلمين، فهي أولى قطرات الغيث التي تروي الأغصان اليابسة..

إن تزايد أعداد المقبلين على الدخول في الإسلام في الغرب، لدليل على أنهم وجدوا فيه ما حرمتهم منه الحضارة المادية العاتية، وأنه سيكون الملاذ الوحيد القادر على مد حبال النجاة للغارقين في حضيض المادة الصماء.

وهل في الحضارة الغربية التي توفر لأبنائها كل وسائل الحياة المترفة من حرمان؟! يتساءل محروم مسلوب بأضواء وضوضاء حضارة الشمال، التي تحجب عنه حقيقة أن الوسائل هناك قد تعملقت في حين تقزم الإنسان. وفي أحسن الأحوال فإنه لايعدو أن يكون موردا بشريا كباقي الموارد الأخرى.

وسائل الرفاهية قد تسهل الحياة لكن لا تمنحها معنى، وعالم اليوم – خاصة في الغرب- لا تنقصه الوسائل، ولكن الذي يفتقد العالم، ويشكو منه الفاقة والإضاقة هو الأخلاقية والروحانية ومعنى الحياة الإنسانية) 14 . والتحدي المستقبلي الثقيل في حق الدعوة هو حمل الرسالة لعالم متعطش) 15 . قد تعب من الارتكاس في حمأة اللذائذ؛ ومن عبادة المادة واللذة والإنتاج) 16 .

لقد حاول العلم الحديث أن يغذي كل الجوانب المادية في الجسم الإنساني، ولكنه فشل في تغذية الشعور، والأماني، والإرادة، وكانت حصيلة ذلك جسما طويل القامة ممتلئ النواحي، لكن الجانب الآخر من الجسم، وهو أصل الإنسان، أصبح يعاني من أزمات لا حد لها) 17 . وقد لخص عالم النفس الشهير البروفيسور”يانج” تجاربه عنها (أي الأزمات والأمراض النفسية) في الكلمات التالية: طلب مني أناس كثيرون، من جميع الدول المتحضرة، مشورة لأمراضهم النفسية، في السنوات الثلاثين الأخيرة. ولم تكن مشكلة أحد هؤلاء المرضى… إلا الحرمان من العقيدة الدينية) 18 .

ولمواجهة هذا التحدي الثقيل، ومساعدة البشرية على التخلص من أزماتها، لا بد أن تأخذ دعوة الإسلام ورسالته المسار الصحيح، ولا بد لأبنائها من الدخول عبر المداخل الصحيحة التي تيسر بلوغ المراد وتبليغ دين الله تعالى للعباد.

وكما سبقت الإشارة إلى ذلك فإننا نرى أن هذه المداخل تتركز وتنقسم من خلال فكر الأستاذ عبد السلام ياسين إلى مدخلين أساسين، يمكن النظر إليهما على أنهما بمثابة وقفتين ضروريتين لانطلاقة سليمة تحقق التواصل السليم مع الغرب:

– الوقفة الأولى مع الذات المسلمة وتجديد وتصحيح ما ينبغي تصحيحه من رؤيتها للعلاقة مع الغرب (المدخل الأول).

– والوقفة الثانية مع الغرب وأسسه الحضارية مع البحث عن بعض جوانب المشترك الإنساني بيننا وبينه وبين الناس أجمعـين (المدخل الثاني).


[1] ذ. عبد السلام ياسين، “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” الطبعة الأولى 1994. ص 226. \
[2] د. يوسف القرضاوي، “الخصائص العامة للإسلام”، ص 107.\
[3] د. سيد قطب، “نحو مجتمع إسلامي” الطبعة السادسة دار الشروق 1983. ص 132. \
[4] المصدر نفسه والصفحة.\
[5] المصدر نفسه، ص 131.\
[6] “نحو مجتمع إسلامي” مصدر سابق، ص 98-99.\
[7] الشيخ راشد الغنوشي، “الدولة الإسلامية تعبير اجتماعي عن التوحيد” مقال بمجلة منار الهدى، العدد 8 ص 143.\
[8] ذ. عبد السلام ياسين، “الإسلام والحداثة” الطبعة الأولى 2000. ص14.\
[9] المصدر نفسه، ص13.\
[10] المصدر نفسه والصفحة. \
[11] المصدر نفسه، ص 24.\
[12] “نحو مجتمع إسلامي” مصدر سابق، ص 6.\
[13] “الإسلام والحداثة” مصدر سابق، ص 16.\
[14] ﻧ. عبد السلام ياسين، كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” الطبعة الأولى 2000. ص 373.\
[15] المصدر نفسه، ص 62.\
[16] “نحو مجتمع إسلامي” مصدر سابق، ص 11.\
[17] وحيد الدين خان، “الإسلام يتحدى” طبعة المختار الإسلامي للطبع، ص 255 -256.\
[18] المصدر نفسه، ص 259-260.\