استأثرت منطقة الشرق الأوسط بالاهتمام، واحتلت واجهةَ الأحداث عواصمُ عربية مثل القاهرة وبيروت وعمان التي شهدت تحركات استباقية لتطويق تداعيات تصعيد محتمل قد يزيد حدة التوتر في هذه المنطقة الساخنة.

في بيروت، عقدت قمة ثلاثية بين الرئيس بشار الأسد والملك عبد الله والرئيس ميشال سليمان بغية التخفيف من حدة التوتر السياسي بين فرقاء الساحة اللبنانية، وخاصة بعد تصريحات حسن نصر الله باحتمال اتهام القرار الظني للمحكمة الدولية الخاصّة بلبنان لعناصر من حزب الله في قضية اغتيال رفيق الحريري. وللإشارة، فهذا الاجتماع بين الرئيس الأسد والملك عبد الله انعقد بعد فترة جفاء بين البلدين دامت منذ سنة 2005، وسبقته قمة ثنائية بينهما في دمشق تحادثا فيها عن مستجدات الوضع العربي، واتفقا على دعم كل ما يسهم في تثبيت استقرار لبنان ووحدته وتعزيز الثقة بين أبنائه، وأكدا على أن الوضع العربي الراهن والتحديات التي تواجه العرب تتطلب من الجميع مضاعفة الجهود للارتقاء بالعلاقات العربية العربية، والبحث عن آليات عمل تعزز التضامن وتدعم العمل العربي المشترك، كما شددت هذه القمة الثلاثية على أهميّة الاستمرار في دعم اتفاق الدوحة واستكمال تنفيذ اتفاق الطائف ومواصلة عمل هيئة الحوار الوطني والالتزام بعدم اللجوء إلى العنف وتغليب مصلحة لبنان العليا على أيّ مصلحة فئويّة والاحتكام إلى الشرعيّة والمؤسسات الدستوريّة وإلى حكومة الوحدة الوطنيّة لحلّ الخلافات. وهكذا تأكد أن سوريا والسعودية هما اللاعبان الأساسيان داخل لبنان، وأن قرارات المحكمة الدولية تخضع لاعتبارات سياسية قبل أي معايير أخرى.

ولم تكد هذه القمة تنتهي حتى حل ببيروت أمير قطر، راعي اتفاق الدوحة الأخير، في زيارة مفاجئة تستمر ثلاثة أيام لم يعلن عنها إلا في آخر لحظة، وهي زيارة اختزل برنامجها في عقد محادثات رسمية مع مسؤولي لبنان وزيارة عدد من القرى والمدن الجنوبية ساهمت قطر في تمويل إعادة إعمار بعضها.

والمثير للانتباه أن هذه الزيارات المكوكية لم تنشط إلا في آخر لحظة، مما يدل على أن قرارات خاصة بلبنان ما زالت تصنع خارج ترابه، وما زال أغلب فرقائه مرتبطين بالخارج. والأكثر إثارة هو غياب أي تحرك أمريكي وكأنها غير معنية بما يجري، أو أنها مطمئنة إلى أن نتائج هذا الحراك لن تحيد عن السيناريوهات التي رسمتها سلفا.

وفي القاهرة، التقى، بعد تأجيلات كثيرة، حسني مبارك، الخارج للتو من فترة نقاهة، مع نتنياهو للحديث عن سبل التقدم بالعملية السياسية مع الفلسطينيين والانتقال إلى المفاوضات المباشرة، وكانت رغبة الإسرائيليين واضحة في ممارسة مصر ضغوطا على السلطة الفلسطينية للقبول بهذه المفاوضات وهي التي مازالت تشترط بدايتها بموافقة الإسرائيليين على حدود 1967 ومراقبة دولية لحدود الدولة الفلسطينية المستقبلية ووجوب التنصيص على تقديم تعويض عادل إلى الفلسطينيين عن الأراضي التي أقيمت عليها مستوطنات يهودية في الضفة الغربية.

وفي السياق نفسه، حل نتنياهو بعمان في زيارة خاطفة، التقى خلالها بالملك عبد الله الثاني وتباحث معه سبل تحقيق تقدم في الجهود المبذولة للدفع بالعملية السلمية وإيجاد البيئة الكفيلة بانطلاق مفاوضات مباشرة. لاحظوا كيف يشتغل الإسرائيليون بأجندة محددة وكيف يفرضونها على حكام العرب الذين لا يتجاوز دورهم ردود الأفعال !!

والنتيجة أن الضغوط الإسرائيلية أتت أكلها حين وافقت الجامعة العربية، متجاوزة صلاحياتها، على إجراء مفاوضات مباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين وتركت لمحمود عباس أن يحدد موعد بدئها. وبطبيعة الحال، فالمسكين عباس لا يملك حق الرفض لأنه في موقف ضعيف لا يحسد عليه، فهو لا يتوفر على إجماع داخل منظمة التحرير ويواجه انعكاسات الانقسام الفلسطيني في الداخل.

للأسف، لم يتعظ العرب من تجاربهم السابقة في المفاوضات المباشرة والمبادرات الاستسلامية، بدءا من إعلان منظمة التحرير، خلال انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1988، اعترافها رسمياً بالقرار الأممي 181 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين واعترافها رسمياً بالقرار 242، ومرورا باتفاق أوسلو سنة 1993، وسوقته هذه الأنظمة على أنه طريق الخلاص وأحاطته بهالة قريبة من التقديس.. ومنذ ذلك التاريخ، توالت الاتفاقيات التنفيذية لـ”اتفاق أوسلو”، فكانت اتفاقات القاهرة وطابا سنة 1995، والخليل سنة 1997، وواي ريفر سنة 1998، وشرم الشيخ سنة 1999. ولم تحقق كل هذه الاتفاقيات أي تحسن في أوضاع الفلسطينيين سواء في الداخل أو في الشتات.

ما جدوى هذه التحركات الرسمية العربية، إذن؟ وإذا كانت لهذه الأنظمة سلطة إلى هذا الحد على فرقاء الساحة في العراق وفلسطين ولبنان، فلماذا لا توظفها لتسهيل تشكيل حكومة في العراق رغم مرور أزيد من أربعة أشهر على إجراء الانتخابات، وترك اللبنانيين يدبرون خلافاتهم بينهم دون تدخل خارجي، وتحقيق مصالحة داخلية بين الفلسطينيين بعد الانقسام الذي طال أمده وتوسعت أضراره؟

ولماذا لا يتدخلون لحل نزاعات لا تقل خطورة، كالتي يعيشها السودان واليمن والصومال وغيرها؟

وقبل هذا وذاك، لماذا يقفز هؤلاء الحكام على مشاكلهم الداخلية وينغمسون في مشاكل الآخرين؟ ولفائدة من يتحركون؟

أخشى أن يدفع الفلسطينيون ثمن الضغوط التي يمارسها الكونغرس الأمريكي على مصر من خلال مشروع القرار الذي قدمه عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، يطالبون فيه بدعم الديموقراطية والحريات في مصر وبإلغاء قانون الطوارئ، وكذا التقارير الأمريكية عن صحة مبارك المتدهورة، والأنباء المتواترة من أمريكا عن رفض التوريث والمطالبة برقابة دولية على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة ورفع القيود التشريعية عن الحريات في الترشح. وطبعا، لن يصدق أحد أن أمريكا حريصة على تطوير مسلسل الدمقرطة في مصر لأنها تعلم مسبقا بأن نتائجها تضر بمصالحها وتهدد حليفتها “إسرائيل “.

وأخشى أن تخضع السعودية للضغوط التي تمارس عليها من قبل الأمريكان منذ أحداث 11 شتنبر فتقبل بلعب دور الدركي.

وأخشى أن يتحكم هوس الزعامة العربية في عقول البعض فيتلاعب بالنار.

على حكامنا قلب المعادلة والرهان على ما يملكون من عوامل قوة للضغط بها على الأمريكان والإسرائيليين، فعندهم سلاح الموقع والمال والنفط والشعوب وحركات المقاومة وجوار إيران وتركيا الناهضتين ودعم كل القوى المعادية للاستكبار الأمريكي والغطرسة الصهيونية.

وعليهم، قبل كل ذلك، أن يتصالحوا مع شعوبهم ويصححوا أخطاءهم، وأولها طريقة وصولهم إلى السلطة وكيفية ممارسة الحكم.

بدون ذلك، سيبقى حكام العرب نقمة على شعوبهم ولقمة سائغة في فم عدوهم ودمى تتحرك ضد بعضها البعض لتحافظ على استمراريتها.