مدخل عام

تتميز العلاقة بين المسلمين والغرب بكونها ذات عمق تاريخي، فهي ليست وليدة الأمس وإنما ترجع إلى القرن السابع الميلادي، مع بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وإرساله رسله إلى هرقل ملك الروم، وما عرفته هذه العلاقة بعد ذلك من تطورات ومن عمليات التأثير والتأثر المتبادلة بين الجانبين، آخر فصولها ما نعيشه اليوم من رجحان كفة الغرب في العالم على حساب المسلمين الذين وجدوا أنفسهم – بما كسبت أيديهم وبتخطيط من الامبريالية الغربية – في ربقة التبعية للغرب في مختلف المجالات، وفي متاهة استلاب حضاري يسعى بشكل حثيث لطمس هويتهم الإسلامية واقتلاعها من جذورها.

وضع كهذا، بما يعرفه من علاقة غير متكافئة بين الجانبين، خلق جوا صراعيا يسعى الغرب من خلاله لتثبيت سيطرته وسيادته وتفوقه، بينما يسعى المسلمون للتخلص من تلك السيطرة والتبعية، وتأكيد حضورهم على الساحة العالمية كمكون حضاري له خصوصيته المتشكلة أساسا من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.

وفي هذا الجو الصراعي سالت دماء كثيرة، كما سال مداد كثير يسعى لتأطير هذه العلاقة بين الجانبين وتحديد طبيعتها ودراستها، كل من زاوية نظره الخاصة حسب المرجعية الفكرية والعقدية التي ينطلق منها.

ومن بين كل الاتجاهات الفكرية التي عالجت الموضوع، يظل الفكر المستند في مراجعه ومصادره إلى الإسلام، هو الفكر الذي مارس، وما يزال يمارس في القارئ العربي تأثيرا أعظم بكثير من تأثير الفكر العلماني، أو الفكر الإسلامي الذي اعتبر “قريبا” من الفكر العلماني، فقد كان دائما وما زال أغزر نتاجا، وأوسع رواجا، وأعمق تأثيرا في القاعدة الشعبية العريضة) 1 .

كما أن القارئ الغربي يجد فيه المترجم الحقيقي لمعرفة نبض وتطلعات العالم العربي والإسلامي، عكس التوجهات الأخرى التي لا تلقى أفكارها نفس الرواج الذي تلقاه الأفكار الإسلامية، ولا تعكس التطلعات الشعبية، ويزداد مع مرور الزمن تقلص دورها في التأثير على الشارع العربي والإسلامي.

ومن داخل منظومة الفكر الإسلامي يبرز فكر الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين برؤيته التجديدية التي جسدتها كتاباته القيمة، والتي، على الرغم من كثرتها وتنوع مواضيعها، يربط بينها خيط رفيع يتمثل في سعيها الدؤوب لاكتشاف المنهاج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم في تنزيل الحق الذي في كتاب الله تعالى على حياة المسلمين وواقعهم، وذلك بغية السير على نسقه في عملية التجديد التي تروم إصلاح هذا الواقع وإعداد المسلمين وتأهيلهم لحمل رسالة الإسلام للعالمين.

هذا التفكير المنهاجي، الذي يسعى لربط الجسور بين كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وبين حياة المسلمين، يركز في تصوره العام على خطة علمية عملية تقوم على ثلاثة عناصر كبرى تجمع جهود المسلمين وتوجهها لسلوك طريق الله تعالى، بما يمكنهم من إصلاح أحوالهم، وحضورهم الفاعل وسط الناس:

1- التربية على معاني الإيمان والكمال الروحي، لبعث الإيمان والرحمة في القلوب، والعلم والحكمة في العقول، وقوة الفعل في الإرادات.

2- السعي إلى جمع إرادات وقدرات المومنين بشكل منظم، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في جمعه وتكوينه لجماعة المسلمين الأولى، مما يُمَكِّنُ من إعداد القوة بكل معانيها القلبية والعلمية والعملية التي تؤهلنا لتحمل الأمانة وتبليغ الرسالة الإسلامية للعالمين.

3- الكشف عن معالم وأشكال الحركة الدعوية، سواء داخل مجتمع المسلمين، أو خارجه في تواصلنا مع الآخر من غير المسلمين. وقد لخص الله عز وجل كبرى معالم هذه الحركة في قوله تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.

وبذلك يساهم التفكير المنهاجي عند الأستاذ عبد السلام ياسين في الكشف عن الطريق التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم لتحقيق الغاية التي من أجلها بعثه الله تعالى وبعث جميع الرسل عليهم السلام، وهي دعوة الناس إلى الله عز وجل.

هذه الدعوة إليه سبحانه وتعالى تأخذ اتجاهين أساسيين:

– الاتجاه الأول: نحو داخل الأمة الإسلامية حيث واقع المسلمين المفتون، وما يعرفه من اختلاط بين الحق والباطل.

– الاتجاه الثاني: نحو الخارج حيث باقي خلق الله تعالى من غير المسلمين.

يقول الأستاذ منير شفيق وهو يتحدث عن الفكر الإسلامي المعاصر إن عليه أن يطرح نفسه مشروعا عقديا/فكريا/سياسيا/اقتصاديا/اجتماعيا/حضاريا محددا، يحدوه هدف الإصلاح والنهضة، وقد استند إلى الإسلام، وقدم نفسه على مستوى الأمة الإسلامية والعالم) 2 .

وقد عبر الشهيد حسن البنا عن أبعاد هذا الشمول في رسالة الإسلام فقال وأجاد: “إنها الرسالة التي امتدت طولا حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضا حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقا حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة”) 3 .

والاتجاه الثاني هو الذي سنركز عليه، تماشيا مع موضوع هذا البحث الذي نبحث فيه، من خلال فكر الأستاذ عبد السلام ياسين، عن المداخل التي تمكننا “نحن” المسلمين من التواصل السليم مع “الآخر”، ونخص منه بالذكر الغرب. وسنبدأ – إن شاء الله تعالى – في طرح هذا الموضوع الذي يكتسي أهمية كبيرة خاصة في الوقت الحالي، بمدخل تمهيدي نبين من خلاله أهمية التواصل مع الآخر في دين الإسلام، وبعض المشكلات والمعيقات التي تعترضه لنخلص في النهاية إلى ضرورة البحث عن المداخل والحلول التي تمكن من تجاوز كل ذلك.

ونرى أنها تتركز –من خلال فكر الأستاذ المرشد- في مدخلين أساسيين:

– المدخل الأول: مدخل ذاتي، المقصود منه وقفة مع الذات المسلمة، بغية إعادة صياغة نظرتها إلى الآخر على أساس التجديد المستند إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، مع تصحيح بعض المفاهيم التي سادت بعد ذلك، وطرح مفاهيم أخرى جديدة –انطلاقا من فكر الأستاذ عبد السلام ياسين – تحكم العلاقة مع الغرب.

– المدخل الثاني: على المستوى الخارجي، والمراد منه معرفة الآخر الذي نحن بصدد التواصل معه، وذلك من خلال عرض لمحة موجزة عن الحضارة الغربية والعقلية التي تحكمها، وعن تصورها للإنسان والكون، والعوامل التاريخية والفلسفية المؤسسة لهذه الحضارة، وعن ماهية البؤس الذي تعيشه، رغم كل إنجازاتها المادية، وعن بروز الإسلام كملاذ وحيد هو الأمل الباقي لكل من فقد الأمل.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، البحث عن المشترك الإنساني بيننا وبين الغرب، مدخلاً أساسيًّا يساعد على التواصل، وأرضيةً متفقًا عليها لتلاقي الحضارات عوضا عن تصادمها.


[1] ذ. منير شفيق، “الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات” الطبعة الثالثة “الناشر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان”. بيروت 1991. ص 9.\
[2] “الفكر الإسلامي” لمنير شفيق، ص 16.\
[3] د. يوسف القرضاوي، “الخصائص العامة للإسلام” مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الثالثة 1985. ص 105.\