كانت لبنان وما تزال الواجهة الرئيسية الواضحة والجلية لتنامي الصراع العربي العربي، فكلما برزت مشكلة إقليمية إلا وكان الحراك في اتجاه لبنان، الضعيف عسكريا واقتصاديا وسياسيا، السمة الغالبة للرؤساء العرب بحثا عن موطئ قدم بالساحة السياسية العربية والشرق أوسطية.

“إسرائيل” بعد عزلها عسكريا في حربي جنوب لبنان وغزة من طرف حزب الله وحماس، صارت تراهن على تدخل عسكري أمريكي في المنطقة لإعادة صياغة المشهد الإقليمي وإبقاء السيطرة للحليف الصهيوني، غير أن ضعف الرئيس أوباما والانشغالات العسكرية في أفغانستان والعراق واليمن، وكذا الهاجس المادي المتأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية وأزمة التسرب النفطي جعل خيار التدخل العسكري بعيد المنال، مما دفع الكيان الصهيوني إلى استخدام الأسلوب القديم المتمثل في بث الفرقة وزلزلة الأوضاع الإقليمية والداخلية في الشرق الأوسط.

الهدف الأول كان في شغل حزب الله من خلال محاولة بث فتيل أزمة طائفية يكون مجلس الأمن ولجنة التحقيق الدولية اللاعبين الأساسيين في إذكاء نارها، وهي رسالة تريد أن توهم حزب الله بضرورة الانصياع والابتعاد حاليا عن الحليف الإيراني، تهييئا لضربه مستقبلا بواسطة القوى السنية تحت ذريعة التبعية لإيران.

لم يتأخر الرئيس المصري مبارك في فهم الرسالة التي أوعزت بها بعض الجهات لمجلة الواشنطن تايمز بخصوص صحة الرئيس المتدهورة وأنه لن يستمر إلى الانتخابات المقبلة في 2011، خصوصا مع الحراك الذي يقوده بعض المعارضين في الداخل، مما سيدفعه إلى البحث عن مخرج للمأزق اليهودي في ضرورة بدأ المفاوضات المباشرة مع الجانب الفلسطيني قصد فك الخناق الذي عرفته الدولة العبرية خصوصا بعدما كان من إقدام على استخدام القوة مع السفينة التركية.

الملك السعودي عبد الله خصوصا بعد حيازته لمعدات عسكرية كبيرة، يريد أن يوصل رسالة إلى كل الأطراف، خصوصا منها تركيا وإيران، بأن الوضع في الشرق الأوسط يجب أن تتحكم فيه القوة السعودية ذات النفوذ المالي والعسكري خصوصا بعد إدراجها في دول العشرين التي سعت الدول الكبرى إلى خطب ودها مع تفاقم الأزمة المالية، كما تسعى السعودية إلى إعطاء رسالة مشفرة للرئيس المصري بأن كل الحلول المستعصية يمكن أن تمر في حلها عبر الوسيط السعودي بتغطية مصرية ومباركة أردنية، وإلا لما كانت زيارة الأربع ساعات أن تمر دون حضور الفرقاء السياسيين والطائفيين أو على الأقل حوار سعودي مع بعض قيادات حزب الله مما سيعطي الانطباع بموقف سعودي مفصلي وحازم.

القوة الصاعدة حاليا في الجانب العربي والتي باتت تشكل معارضة خفية تتمثل في الجانب القطري، والذي ساهم مؤخرا في إذكاء الدور التركي من خلال مؤتمر القمة الثلاثي في تركيا إلى الجانب السوري، وكذا مساهمته في طرح مبادرات لحل مختلف الأزمات منها على الخصوص المصالحة الفلسطينية الفلسطينية، ولعل الحراك القطري الأخير في جنوب لبنان ليؤكد على قوة الصراع العربي العربي حيث تراهن قطر على الممانعة “المعتدلة” للكيان الصهيوني وللأجندة الأمريكية، كما يظهر هذا الصراع في تبني قطر لمختلف القضايا العربية وطرحها بقوة داخل وخارج الإطار العربي.

الصراع العربي الدائر حول تزعم المنطقة تستغله جيدا كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، مما سيدفعهما إلى استعماله كورقة ضاغطة لفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على إيران خصوصا مع بروز الدور السعودي الذي بات يتنامى في العراق ولبنان.

غير أن المراقب التركي، الذي علم أن الدور السوري بارز في الإمساك بزمام المبادرة من خلال التحالف إبان أزمة الصواريخ السورية، لن يترك المجال فارغا، سيما وأن الدول الأوروبية تدير ظهرها لمشاركة تركية في السوق الأوروبية المشتركة مما سيزيد من الصراع ويؤججه إذا توفر عاملان حاسمان، إقدام المحكمة الدولية على اتهام أعضاء من حزب الله أو من الجانب الشيعي لتزداد الهوة العربية الإيرانية، أو تدهورت بالفعل صحة الرئيس المصري ليزداد الصراع الريادي العربي.