فتح ما تعرض له أعضاء جماعة العدل والإحسان المغربية، من تعذيب وحشي ومقزز في دهاليز المقرات السرية للبوليس المغربي الباب على مصراعيه للسؤال عن واقع حقوق الإنسان في المغرب، وللسؤال عن مصداقية المزاعم التي يروج لها النظام الرسمي المغربي في المحافل والملتقيات الدولية حول احترامه لحقوق الإنسان وللحريات السياسية والمدنية، ويجعل مصادقة المغرب على العديد من الاتفاقيات الدولية والتزامه السياسي والقانوني باحترامها وتنفيذ مقتضياتها محط شك وارتياب. ومما يؤكد هذا التوجه هو العدد الهائل من الانتقادات التي يتعرض لها المغرب في تقارير كبريات المنظمات الحقوقية المحلية والإقليمية والدولية.والتي تجمع على أن المغرب يعرف تراجعا عما حقق من “مكتسبات” في السنوات الأخيرة -أي في أواخر عهد الراحل الحسن الثاني وبداية عهد الملك محمد السادس- بشكل ممنهج مما يجعل المتتبعين يرون أن الأمر لا يتعلق بتجاوزات قد تطبع عمل الأجهزة الأمنية هنا أو هناك، بل هو سلوك بدأ يتكرس يوميا، حتى صار هو لغة التعامل الرسمي مع المعارضين من سياسين وصحفيين ونقابيين بمختلف انتماءاتهم سواء كان الأمر يتعلق بالصحراويين أو الإسلاميين أو حتى بالحركات الاحتجاجية الاجتماعية الشعبية كما وقع في سيدي إفني أو العيون أو أزيلال.

وهو ما يدفع الباحثين للسؤال عن سبب هذه الفوضى وهذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وعلى رأسها ممارسة التعذيب هل يعود إلى غياب أو نقص في التشريعات المناهضة للتعذيب؟ أم أن الأمر يعود إلى عدم كفاءة الآليات التنفيذية؟ أو أن هذه التشريعات تظل حبرا على ورق في ظل سيادة لغة التعليمات وغياب إرادة سياسية للانخراط في ديمقراطية حقيقية؟.

ويمكن تناول مسألة تجريم التعذيب في المغرب على ثلاث مستويات:

مستوى التشريع الإسلامي

باعتبار أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي دستوريا ومرجعية إمارة المؤمنين أحد مرتكزات النظام السياسي المغربي، حيث ينص الدستور المغربي في تصديره تحت عنوان أحكام عامة على أن “المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة”كما يؤكد في فصله السادس على أن “الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”.وبالرجوع إلى الفصل 19 نجد أن الملك باعتباره أميرا للمؤمنين -حسب نص الدستور- هو الساهر على احترام الدستور ومبادئه وهو الضامن لحقوق وحريات المواطنين “الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة” مما يدفعنا لمعرفة موقف الإسلام من التعذيب.

منع الإسلام التعذيب بشكل قاطع حين جعل الحفاظ على النفس والجسد والعرض مقصداً من مقاصد الشريعة الكبرى التي ينبغي أن تحفظ من حيث الوجود ومن حيث العدم،ً ووفر كافة الضمانات الفقهية والأخلاقية والتشريعية حيث لا عقوبة إلا بنص قطعي غير متأول أو مجتهد فيه،أوفي حد من الحدود مع استيفاء كافة الشروط والإجراءات المسطرية والضمانات الشرعية لذا نجد أن أغلب الفقهاء أجمعوا على تحريم التعذيب والنهي عنه لأنه نوع من المثلة المنهي عنها شرعا ورأوا أنه لا اعتداد به فأبو يوسف يقول إن الاعتراف الناشئ عن ضرب المتهم وإيذائه لا يعتد به، وهو ما قاله المحقق الحلي. من فقهاء الإمامية. في باب الحدود من «المختصر النافع» بأن السارق وإذا أقر بالسرقة تحت الضرب لا تقطع يده، والشافعي لا يوافق على الضرب، وكذا أبو حنيفة والإمام مالك أيضا.وقد كان من نتائج معارضة هؤلاء الفقهاء العظام لتعذيب الناس في غير حد من حدود الله، واغتصاب حقوقهم أيا كانت المبررات أن نالوا قسطا وافرا من ظلم أنظمة الاستبداد الحاكمة آنذاك وإذا كانت الإنسانية استطاعت بعد تجاربها المريرة مع الاستبداد تجريم التعذيب قانونيا، فالإسلام قام بتحريم التعذيب بشكل قاطع في عدد من الأحاديث نورد منها:عن هشام بن حكيم بن حزام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا” رواه مسلم وأبو داود. لهذا فالدول الإسلامية مثل المغرب هناك جمع بين التجريم القانوني والتحريم الديني. مما يفرض مناهضة أكبر للتعذيب لكن للأسف نجد أن أكثر الدول اتهاما بانتهاك حقوق الإنسان هي الدول الإسلامية حسب التقارير الدولية.

مستوى القانون الجنائي المغربي

بالنظر إلى أن الخطاب الرسمي يؤكد أن المغرب دولة تقر بسيادة القانون واحترام المؤسسات فسنستكشف موقف المشرع المغربي من جريمة التعذيب وكيف تعامل معها ونقف مع مجموعة من الضمانات القانونية التي كفلها الدستور المغربي باعتباره أسمى قانون وفق “مبدأ سمو القانون” حيث ينص الدستور صراحة في الفصل الرابع على أن: القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، ويجب على الجميع الامتثال له، وليس للقانون أثر رجعي). كما يسوي الدستور بين المواطنين جميعا في الخضوع لأحكام القانون بتأكيده في الفصل الخامس جميع المغاربة سواء أمام القانون). كما يغلق الباب على أي محاولة أي تجاوز لأحكام القانون صراحة في الفصل العشر حيث يؤكد: لا يلقى القبض على أحد ولا يعتقل ولا يعاقب إلا في الأحوال وحسب الإجراءات المنصوص عليها في القانون).

لكن رغم هذه الترسانة القانونية المهمة والضمانات الدستورية فإنه تسجل دائما حالات من التعذيب ولن نعود إلى ما قبل سنوات الرصاص وما قبل وصول محمد السادس إلى الحكم فما عرفه المغرب خلال تلك الفترة لا يحتاج إلى دليل أو شهادة فقد صار محل اعتراف من طرف الدولة المغربية نفسها لذا سنركز على الفترة من1999 إلى 2010.

قبل سنة 2006 لم يكن القانون الجنائي المغربي ينص صراحة على جريمة التعذيب ولم يرد أي تعريف لها في مواده رغم مصادقة المغرب على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب1984. لكن أمام إلحاح بعض المنظمات المحلية والدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان كلجنة مناهضة التعذيب لدى الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية، استجابت الحكومة المغربية وقبلت برفع تحفظاتها خاصة على المادتين 20 و21 من اتفاقية مناهضة التعذيب وملاءمة القانون الجنائي المغربي مع بنودها لاسيما بعد صدور تقارير حقوقية كثيرة تؤكد تعرض أعداد كبيرة من معتقلي السلفية الجهادية للتعذيب بعد أحداث 16 ماي في المعتقلات السرية وعلى رأسها معتقل تمارة. وهكذا أصدرت الحكومة المغربية سنة 2006 قانونا يتعلق بتجريم ممارسة التعذيب ويعرفه في الفصل 231 من المادة الأولى من القانون الجنائي كالتالي: يقصد بالتعذيب بمفهوم هذا القانون كل إيذاء يسبب ألما أو عذابا جسديا أو نفسيا يرتكبه عمدا موظف عمومي أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه، في حق شخص لتخويفه أو إرغامه أو إرغام شخص آخر على الإدلاء بمعلومات أو بيانات أو اعتراف بهدف معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه. ولا يعتبر تعذيبا الألم أو العذاب الناتج عن عقوبات قانونية أو المترتب عنها أو الملازم لها).

إن المشرع المغربي كان حاسما جدا ومتشددا ودقيقا بشأن ممارسة جريمة التعذيب فالمواد 1/2/3/4/5/6/7/8 من الفصل 231 نصت بوضوح وبصراحة على عقوبات قاسية تتراوح من 5 سنوات إلى السجن المؤبد وذلك لتحصين المجتمع من الرجوع إلى سنوات الرصاص، فانتزاع الاعترافات بممارسة التعذيب أو الأذى أو الألم النفسي أو البدني من طرف موظفين عموميين أو كل من يملك هذه الصفة (شرطة درك ضباط الشرطة القضائية مخابرات رجال سلطة الخ….) أو الموافقة الضمنية أو الصريحة أو السكوت عن التعذيب أو التحريض عليه لأي سبب من الأسباب، والمادة لم تستثن إلا ما نتج عن عقوبة قانونية أي حكم قضائي من طرف القضاء والعقوبات في القانون محددة بنص وبالتالي لا مجال للاجتهاد أو الاحتجاج بأي عذر، تعرض ممارسها للعقوبات المنصوص عليها في المواد السابقة .لكن السؤال هو لماذا يجرؤ الموظفون العموميون على ممارسة التعذيب وانتهاك القانون بهذا الشكل الفظيع والجواب هو أنهم محميون من المتابعة بقوة التعليمات لا بقوة القانون، ولعل من أقوى الأسباب لذلك هو التوافق السياسي الضمني على إقرار مبدأ الإفلات من العقاب في إطار مسلسل المصالحة الذي شهده المغرب، فمثلا نجد أن هيئة الإنصاف والمصالحة التي أنشأت بناء على توصية صادرة من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ذات اختصاصات غير قضائية حسب نظامها الأساسي الصادر في 12 أبريل 2004 وتقتصر مهمتها على جبر الأضرار من حيث التعويض المادي وإعادة التأهيل والإدماج ورد الاعتبار، وكل أشكال جبر الضرر الملائمة حسب التحريات والأبحاث في نطاق الكشف عن الحقيقة دون أن تمتلك صلاحية أو اختصاص ملاحقة المتسببين أو المشاركين في هذه الانتهاكات الجسيمة.

مستوى المواثيق الدولية

باعتبار المغرب من الدول الأولى التي صادقت على العديد من الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان مبكرا-كالاتفاقية الدولية المتعلقة بإبطال تجارة الرقيق في 7/11/1956 – حوالي 20 اتفاقية وبروتوكول، وإن كان له تحفظات طفيفة على بعضها والمغرب أيضا عضو في مجموعة من المنظمات الدولية ويقر صراحة بذلك في دستوره ويتبناه كمرجعية: وإدراكا منها لضرورة إدراج عملها في إطار المنظمات الدولية، فإن المملكة المغربية، العضو العامل النشيط في هذه المنظمات، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا). مما يجعله ملزما بتنفيذها ومعرضا للملاحقة أمام الهيئات الدولية في حال الإخلال بها فبالرجوع إلى اتفاقية مناهضة التعذيب الصادرة عن الأمم المتحدة في سنة 1984 نجد المادة الأولى منها تنص على أنه يُقصد “بالتعذيب” أي عمل نتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط من عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.) وهو نص بصياغته ومضمونه قريب من الفصل 231 من القانون الجنائي المغربي ويركز الفصلان على عنصر التمييز فالتعذيب القائم على أي نوع من أنواع التمييز التي حددتها المادة2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي حالتنا نجد أن التمييز يتم على أساس “الرأي السياسي” مما يجعل المسؤولين المغاربة من ضباط ورجال شرطة ودرك وحتى مسؤولين سياسين تحت طائلة القانون الدولي بتهمة ممارسة “جرائم ضد الإنسانية” إذا رفض أو فشل النظام القضائي الوطني في القيام بالتزاماته القانونية بالتحقيق ومحاكمة الأشخاص المشتبه بارتكابهم الجرائم المختصة بها المحكمة الجنائية وإذا ما تقدمت الأطراف المجني عليها برفع دعاوي أمام المحكمة الجنائية الدولية وفقًا للمادة 7 في فقرتيها 1 (و)، 2(هـ) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية(نظام روما) فإن العناصر الأساسية للقول بوجود جريمة التعذيب كـ”جريمة ضد الإنسانية” هي ستة عناصر كلها متوفرة في حالة العدل والإحسان سواء العناصر الأربعة الأولى المتعلقة بالركن المادي للجريمة، أو العنصران الأخيران المتعلقان بالركن المعنوي:

1- أن يوقع الجاني ألما شديدا بدنيا أو معنويا أو معاناة شديدة على شخص آخر أو عدة أشخاص آخرين: وهو الحاصل في حالة معتقلي العدل والإحسان فشهاداتهم تروي الفظائع مما تعرضوا له.

2- أن يكون الشخص ضحية التعذيب تحت السيطرة أو قيد الاحتجاز بواسطة الجاني: وهو ما يقع في المغرب إذ يتم التعذيب في مقرات الشرطة السرية وفي مفوضيات ودوائر الشرطة تحت الاحتجاز ولمدد غير قانونية.

3- ألا يكون إيقاع هذا الألم قد تم وفقًا أو بمناسبة عقوبات قانونية: كل ما يتم من تعذيب يكون قبل المحاكمة وليس بعدها أي بدون الاستناد إلى عقوبة قانونية أو حكم قضائي.

4- كانت ممارسة هذا السلوك في إطار هجوم واسع النطاق أو منظم موجه إلى مجموعة من السكان المدنيين: من خلال ما يمارس على جماعة العدل والإحسان وهي تنظيم مدني بشكل مستمر وواسع النطاق في كل مدن المغرب وجهاته بأعداد هائلة (راجع التقارير) ومنذ أربع سنوات على الأقل وبشكل منظم .

5- أن يكون هذا الاعتداء (الهجوم) عملاً بسياسة دولة أو منظمة ما: من خلال تصريحات المسؤولين المتعاقبين في الحكومة المغربية وزراء الداخلية العدل الإعلام تصريحات بعض المسؤولين الإقليميين والمحليين تؤكد أن ما تتعرض له الجماعة هو سياسة دولة.

6- أن يعلم الجاني بأن سلوكه قد تم كجزء من أو بقصد منه في أن يكون جزءً من هذا الهجوم الواسع النطاق أو المنظم ضد مجموعة من السكان المدنيين: بدون شك فكل المسؤولين يصرحون أنهم عبد المأمور وأنهم يستجيبون لتعليمات الدولة وسياستها.

الخاتمة

المغرب إذن باعتبار المستويات الثلاث أي بالنظر إلى نصوص التشريع الإسلامي، وباعتبار نصوص القانون الجنائي، وباعتبار التزاماته الدولية، ملزم قانونا بمناهضة التعذيب بكل أشكاله ومعاقبة كل من يمارسه من رجال الدولة وموظفيها العموميين، وأن لا يقدم لهم الحماية السياسية أو القانونية أو يضمن له الإفلات من العقاب.ومطالب بتفعيل آليات تنظيمية ومؤسساتية أكثر فاعلية (فالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وديوان المظالم لم يعودا كافيين) وتوفير كافة الضمانات للمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان لفضح هذه الممارسات وتمكين الصحافة كذلك من المشاركة في الفضح برفع سيف القمع عنها.