عندما وصلني نبأ اختطاف إخوة العدل والإحسان السبعة من مدينة فاس، ومدى ما تعرضوا له من تعذيب وتنكيل تتفتق له الأكباد، وتجهش له بالبكاء العيون، وتقشعر منه الجلود، ويتفطر له كل قلب مفطورعلى حب الإنسان وعلى كرامة الإنسان مهما كانت ديانته أو إديولوجيته أو جنسيته أو عرقه أو لونه، دعوتُ الله أن يحفظهم من كل سوء وأن يردهم إلى ذويهم في أقرب وقت قائلا: “حسبنا الله ونعم الوكيل.. وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد”، وتذكرتُ قولَ الباري جل وعلا وقَسَمه في الحديث القدسي عن المظلوم: “وعزتي وجلالي لأنصرنَّك ولو بعد حين”، فالْتَـأم الجرح الذي أصاب قلبي حينما تيقنت أن الله ناصر عبده المظلوم ولو بعد حين. فالله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شئ، وهو عزيز ذو انتقام، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وفي ذلك يقول الشاعر:لا تظلمن إذا ما كنت مقتـدرا *** فالظلم ترجع عُقباه إلى الندمِ
تنام عينُـك والمظلـوم منتبهٌ *** يدعو عليك وعينُ الله لم تنمِ
ويقال إن الظلم أسرع شيء إلى تعجيل نقمةٍ وتبديل نعمة، وما من ظالم إلا سيُبلى بظالم. وهنا أريد أن أنبه هؤلاء الظلمة وأعوانَهم إلى أن الظلم ظلمات يوم القيامة، ويُعجِّل الله من ذلك لمن يشاء في الدنيا، وأدناه العذاب النفسي الدائم الذي يعتري ويصاحب الظالمين المعتدين؛ فشؤم الظلم يطاردهم في كل مكان وإن تظاهروا بالسعادة والفرح. ولا يزال ضميرهم يلاحقهم ويؤنبهم ولو بعد فوات السنين، وكم رأينا من الظالمين الذين ندموا في آخر حياتهم وأخذوا يبحثون عن صفح وعفو ممن ظلموهم. وفي هذا الصدد كان يزيد بن حكيم يقول: ما هِبْتُ أحدا قَطُّ هيبتي لرجل ظلمته وأنا أعلم أنه لا ناصر له إلا الله وهو يقول لي: حسبي الله، والله بيني وبينك.

وتحضرني الآن بعض القصص التي تبين وتوضح نصرة الله للمظلومين وانتقامه من المعتدين عسى يعتبر منها المعتبرون ويتعظ المتعظون:احذر من المظلوم سهما صائبا *** واعلم بأن دعاءه لا يحجب

1- أربد بن قيس

كان أربد بن قيس أحد شياطين الجاهلية الذي ظل يحارب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم طيلة عشرين سنة، ثم تفتق ذهنُه الأسود عن خطة شريرة لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالاشتراك مع المجرم عامر بن الطفيل، وذلك في العام التاسع من الهجرة، فحفظ الله رسوله من كيد الكافرين، وأبطل كيدهم، فرجع أربد وعامر يَجُران أذيال الخيبة، ولكن انتقام المولى كان بانتظارهم، إذ أرسل الله عز وجل صاعقة من السماء على أربد بن قيس وجَمَلَه الذي حمله لرحلة المكر والخيانة، فأحرقتهما في الحال فصارا رمادا، وهكذا طال شؤم الكافر جمله المسكين الذي احترق معه بنار الصاعقة .

2- أم أنمار مولاة خباب

خبّاب هو بن الأرت بن جندلة التَّميمي وكنيته أبو يحيى وقيل أبو عبد الله، صحابي من السابقين إلى الإسلام، أسلم سادس ستة، وهو أولُ من أظهر إسلامه، وكان قد سُبيَ في الجاهلية، فبيع في مكة ثم حالف بني زُهرة، وأسلم وكان من المستضعفين. استنجد الكفار بأم أنمار، السيدة التي كان خباب ‎رضي الله عنه عبدا لها قبل أن تعتقه، فأقبلت تأخذ الحديد المحمى وتضعه فوق رأسه ونافوخه، وخباب يتلوى من الألم، ولكنه يكظم أنفاسه حتى لا يرضي غرور جلاديه، ومر به الرسول صلى الله عليه وسلم والحديد المحمى فوق رأسه، فطار قلبه رحمة وأسى، ولكن ماذا يملك أن يفعل له غير أن يثبته ويدعو له: (اللهم انصر خبابا)، والدعاء سلاح فتاك بالظالمين، وبعد أيام قليلة نزل بأم أنمار قصاص عاجل، إذ إنها أصيبت بسعار عصيب وغريب جعلها -كما يقول أصحاب السير- تعوي مثل الكلاب، وكان علاجُها أن يُكوى رأسُها بالنار!

فكان الجزاء من جنس العمل.

3- الحجاج بن يوسف الثقفي

لقد كان الحجاج ظالما شديد الطغيان؛ أعملَ في الناس السيف وأكثر فيهم القتلَ بحق وبغير حق. وقد كان له العديد من القصص ومن أشهرها قصته مع سعيد بن جبير ذلك العابد الزاهد والعلَم الشامخ. وقد كانت في هذه القصة نهاية الحجاج. وقد أورد القصة ابنُ كثير والذهبي وابنُ خلكان وغيرهم، وفيها الكثير من العبر.

قال الحجاج: أتضحك؟

قال سعيد: أضحكُ من حلم الله عليك ومن جرأتك على الله.

قال الحجاج: اذبحوه.

قال سعيد: اللهم اقصم أجله ولا تسلط هذا المجرم على أحد بعدي.

قتل الحجاج سعيد بن جبير. لكن الله العدل اقتص منه في الدنيا والعلم عند الله فيما يلقاه في الآخرة؛ فقد سلط الله عليه مرضا بعد فترة قصيرة من قتله لسعيد بن جبيرأفقده عقله، وصار كالذي يتخبطه الشيطان من المس. فأخذ يخور كما يخور الثور الهائج شهرا كاملاً لا يذوق طعاماً ولا شراباً ولا يهنأ بنوم وكان يقول: “والله ما نمت ليلة إلا ورأيتني أسبح في أنهار الدم”، وما زال يصيح ويقول: “مالي ولسعيد بن جبير؟ مالي ولسعيد بن جبير؟” حتى مات. و يقول هذا الظالم عن نفسه قبل أن يموت: “رأيت في المنام كأن القيامة قامت وكأن الله برز على عرشه للحساب، فقتلني بكل مسلم قتلته مرة إلا سعيد بن جبير قتلني فيه على الصراط سبعين مرة”. فتحققت دعوة سعيد فيه، فلم يسلطه الله على أحد يقتله من بعده.

وهكذا يملي الله للظالم ولكنه لا يهمله أبدا.. يأخذه بغتة.. ولعذاب الآخرة أشد وأنكى نسأل الله العافية. و”إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين”

4- الرجل المقطوع اليد

ذكر الإمام الذهبي في كتاب الكبائر قصة يقول فيها :

إن رجلا مقطوع اليد من الكتف كان ينادي في النهار من رآني فلا يظلمن أحدا فقال له رجل: ما قصتك؟ قال: يا أخي قصتي عجيبة، وذلك أني كنت من أعوان الظلمة، فرأيت يوما صيادا قد اصطاد سمكة كبيرة فأعجبتني، فجئت إليه وقلت له: أعطني هذه السمكة، فقال: لا أعطيكها أنا آخذ بثمنها قوتا لعيالي، فضربته وأخذتها منه قهرا ومضيت بها، قال: فبينما أنا ماش بها إذ عضت إبهامي عضة قوية وآلمتني ألما شديدا حتى لم أنم من شدة الوجع وورمت يدي فلما أصبحت أتيت الطبيب وشكوت إليه الألم، فقال: هذه بدوّ آكلة اقطعها وإلا تلفت يدك كلها، قال: فقطت إبهامي ثم ضربت يدي فلم أطق النوم ولا القرار من شدة الألم فقيل لي: اقطع كفك فقطعتها وانتشر الألم إلى الساعد فآلمني ألما شديدا ولم أطق النوم ولا القرار وجعلت أستغيث من شدة الألم، فقيل لي: اقطعها من المرفق فانتشر الألم إلى العضد، فقيل لي: اقطع يدك من كتفك وإلا سرى إلى جسدك كله فقطعتها، فقال لي بعض الناس: ما سبب هذا فذكرت له قصة السمكة، فقال لي: لو كنت رجعت من أول ما أصابك الألم إلى صاحب السمكة، فاستحللت منه واسترضيته، لما قطعت يدك فاذهب الآن وابحث عنه واطلب منه الصفح والمغفرة قبل أن يصل الألم إلى بدنك قال: فلم أزل أطلبه في البلد حتى وجدته فوقعت على رجليه أقبلهما وأبكي، وقلت: يا سيدي سألتك بالله إلا ما عفوت عني، فقال لي: ومن أنت؟ فقلت :أنا الذي أخذت منك السمكة غصبا وذكرت له ما جرى وأريته يدي، فبكى حين رآها، ثم قال: قد سامحتك لما قد رأيت من هذا البلاء، فقلت :بالله يا سيدي، هل كنت دعوت علي؟ قال: نعم، قلت: اللهم هذا تقوّى علي بقوته علي وضعفي وأخذ مني ما رزقتني ظلما فأرني فيه قدرتك. أ.هـ.

5- خالد بن برمك وولده

وقيل لما حُبِسَ خالدُ بن برمك– وقد كان من السلاطين الظلمة- هو وولده، قال له ولده: يا أبتي بعد العز صرنا في القيد والحبس؟ فقال: يا بُني، دعوة المظلوم سَرَت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها.

6- سانتوس كاردونا مدرب الكلاب في سجن أبي غريب بالعراق

تروي لنا وسائل الإعلام الحديثة: هذا هو كاردونا، ذاك الجندي الأمريكي الذي أفزع قلوب الملايين من الناس من المسلمين وغيرهم بظهوره في صورة بشعة وهو يروع معتقلا عراقياً عاريا تماماً بكلبه المفترس، وحينها قامت ضجة إعلامية كبيرة ضدا على الولايات المتحدة التي كشفت مثل هذه الصور عن مدى الحقد والوحشية التي يتميز بها جنودها، ولكنها رغم ذلك لم تحكم عليه بسوى بالسجن لمدة تسعين يوماً، وتخفيض رتبته العسكرية، ولكن المجتمع الدولي لم يقبل بهذا الحكم الخفيف، فاضطرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إنهاء خدمة كاردونا بالعراق وإعادته لوطنه .

رغم ذلك ظل المجرم يبحث عن طريقة ما تعيده إلي التنكيل بالمسلمين وترويعهم كما كان يفعل من قبل في العراق، فقام بتقديم استقالته من الجيش، واستغنى عن راتبه ومعاشه العسكري، والتحق بالعمل كمدرب كلاب متخصص في البحث عن القنابل، وذلك ليتيسر له العودة لميادين القتال ضد المسلمين، وبالفعل ذهب إلى أفغانستان بصفته غير العسكرية، للبحث عن قنابل طالبان والمجاهدين ضد أعداء المسلمين هناك، وبدأ عمله الجديد متفانيا ومخلصا، حتى جاءت ساعة الانتقام الإلهي وقدر الله السابق عليه بالتعاسة والشقاء والهلاك وهو في خندق الأعداء، وتنفجر سيارته الفولاذية بِلُغْم مجاهد مسلم لتنشطر وينشطر معها المجرم الشرير وتتطاير أعضاؤه أشتاتا، ويتمزق جسده شر ممزق، ومعه كلبه الذي هلك مع صاحبه.

هذا الحادث العابر على صغره، يمثل رسالة ربانية لكل المجرمين والمعتدين مهما تغيرت الأوضاع والأماكن والأزمنة واختلفت، تبين بجلاء أن سننه سبحانه في أخذ الظالم بظلمه والطاغي بطغيانه لا تتبدل ولا تتخلف قصر الزمان أو بعد، قال عز وجل: “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون” وقال أيضا: “لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد”.

وأخيرا أقول لكل مظلوم إذا ما تعرضت لظلم أو خِفت من عدو أو فزعت من خبر فليكن شعارَك: “حسبنا الله ونعم الوكيل”، وفوض أمرك إلى الله وحسن الظن به، ثم انتظر الفرج منه وحده وتذكر أن الله معك. وأقول لكل ظالم معتد إن الله يمهل ولا يهمل، فلا يغرنك به الغَرور، و تب إليه قبل فوات الأوان حيث لا ينفع الندم، قال تعالى: “ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون”.