عجائب الخراب

من عجائب هذا الخراب المخزني وغرائبه التي تستعصي على الفهم -بمعنى أن تجد لها منطقا يخضع لها كما هي الأشياء المعقولة في هذا العالم- قدرتُه على التلون والتشكل وتغيير الجلد حسب ما تقتضيه المصلحة المخزنية إدماجا واحتواء وتدجينا واختراقا ولعبا على كل الحبال، يستند في ذلك إلى شرعيات تخلط بين دين أراده دين انقياد وبين حداثة ديموقراطية هي عين نحلة الغالب، ليصنع له شكلا هلاميا لا هو بالأصل الأصيل ولا بالنسخة المصورة.

سميناه خرابا لا نظاما لأن من يستبد بالأمة، ويستولي على خيراتها، ويسوم أحرارها الخسف والهوان، ويبيع دينها ويرهن مستقبلها لا يكون إلا مخربا.

جهود التدجين التزوير

لا تعيي الخرابَ المخزنِيَّ العتيقَ البارع المتمرس في التزوير الحيلةُ في الدعاية البليدة لمشاريعه ومنجزاته عن التقدم العظيم الذي شهده المغرب في مجال حقوق الإنسان، عن المرحلة الانتقالية الجديدة التي ينعم فيها الشعب ببناء المؤسسات، وإصلاح القضاء، وإقامة الجهوية، وتأسيس المجالس. كما لا تعييه الحيلة عن الدفاع بشكل قوي عن كون المغرب طوى صفحة الماضي والمنافحة عن مجالس ديموقراطيته المزورة وسدنته ومهندسي تقاريره. تزوير بين للعيان واضح للعميان، ولمن يفهم ويحس الهبل.

جهود ممتازة في التدجين صنع بها فلاسفة منظرين لديموقراطيته الحداثية، وسياسيين، أدخلهم لعبة التناوب على الشعب يقتسمون كعكعات خيراته كل بحسب براعته في الانحناء والاستسلام، وأحزابا زعمت في ما مضى نضالا فأصبحت يا للعجب تتحدث لغة الإجماع والمقدسات، وعلماء وفقهاء استقالوا من وظيفة بيان الحق والنصح إلا من نصح الرعايا الأوفياء بمزيد من الطاعة واجتناب الفتنة، وعتاة الحقوقيين والمعتقلين السياسيين السابقين -إلا من رحم ربك، وهم قلة نادرة- جعلوا من النظام حامي الحقوق الفردية والجماعية رغم الواقع المرير ورغم أنف التقارير الدولية وحتى الوطنية.

حقوق الواجهات

لنتذكر أنه في شهر ماي من عام 1990 كان آلاف من أبناء الشعب المغربي يُجرَّون إلى المخافر ويُلقى بهم في الدهاليز والأقبية لأنهم جاؤوا مساندين لمن اعتقلوا ظلما وعدوانا، نتذكر أن “8 ماي 1990” هو اليوم الذي أعلن فيه الراحل – وكلنا راحل – الحسن الثاني عن تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وهو اليوم ذاته الذي كان زبانية المخزن يدوسون فيه الإنسان وحقوق الإنسان، وَاسْعَ أيها اللبيب الأريب الذكي الألمعي أن تفهم شيئا: نظام، أو قل خراب، يحتقر الإنسان، يعتقل الإنسان، يعتدي على كرامة الإنسان في الآن نفسه الذي يؤسس فيه جهازا لحمايته وحفظ حقوقه. إنها التخريجة العجائبية الغرائبية وكفى

في مثل شهر ماي ومنذ أربع سنوات يشن النظام الخرب حملة شرسة اعتقل فيها الآلاف، وطرد فيها من طرد، وشمعت فيه بيوت، وقطعت أرزاق، واعتقل صبية ورضع وقاصرون، فعلى من يكذب المخزن؟ ولصالح من يخفي شمسا بدا نورها الساطع بغربال البهتان والزور؟

تجرف الجرافات بيوت المواطنين، ويُمنع الطلبة من الدراسة، ويُقتل مربو ومربيات الأجيال بشكل بطئ، وتدك عظام أصحاب الشواهد العليا على عتبات بناية زعموا أنها برلمان الديموقراطية. ويتممها محترفو المخزنة باختطاف سبعة رجال أعاد بصنيعه فيهم رسم أقسى مشاهد الوحشية التي يمكن أن ينزل إلى دركاتها المجرمون المرجفون من لا يعرفون للإنسانية معنى.

أي عهد جديد؟

أي عهد جديد هذا الذي تزعمه -أيها النظام- والتقارير الدولية كلها تقول:

المغرب يحتل الرتبة 93 في مؤشر الدول الفاشلة.

المغرب يحتل المرتبة 87 في مؤشر “السعادة”.

المغرب في المرتبة ال89 في مؤشر إدراك الرشوة.

المغرب في الرتبة 106 على مؤشر تطور التعليم.

المغرب يتراجع للرتبة 127 في حرية الصحافة.

المغرب ضمن الأنظمة السلطوية.

المغرب من الدول التي تنعدم فيها حرية الصحافة.

لا تعليم ولا سعادة ولا حرية ولا نظافة ذمة ولا حكامة جيدة؛ هي حقائق لا يحتاج الشعب المسكين للمنظمات الدولية ليعرفها لأنه يعيش فيها. ومنجزات المخزن ومبادراته -وإن دبجت في تزيينها المقالات- لا أثر لها في واقع الناس.

كل ما هنالك استبداد هو رأس الفساد، ورهن الأمة بالأجنبي، وبيع البلد بالتقسيط أو بالجملة، والملايير من جيوب الأنام الأيتام يسرقها اللصوص جهارا ونهارا. أخطبوط وكفى يستفيد ويتضخم وأمة تستجدي وتتسول

إنه تسويق الوهم وكفى.

أيها المخزن الخرب

لصالح من تسوقون الأوهام وتبيعون الأحلام؟

لصالح من تشهدون الزور وتنشرون البهتان؟

أهي الدنيا تقتنص وتفترس؟ أم هي الغفلة عن الله والدار الآخرة؟

نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

نعوذ بالله العلي العظيم من طواغيت هذا البلد وجنودهم هو “حسبنا ونعم الوكيل”.