يوما بعد يوم، وسنة بعد أخرى تأتي الرياح بما لا تشتهيه سفن منظري العهد الجديد، فقد بشروا في بداية عهدهم بمرحلة مغايرة تقوم على أسس جديدة تقود إلى قطيعة مع الممارسات العتيقة التي أوصلت البلاد إلى سنوات الجمر والرصاص ووضعتها على حافة السكتة القلبية وضيعت عليها فرصا ثمينة كان يمكن أن تجعلنا اليوم في مصاف دول متقدمة بالنظر إلى إمكانياتنا وتضحيات الأجيال التي سبقتنا.

ابتكر قادة العهد الجديد، كما اصطلح عليهم آنذاك، خطابا حداثيا ينهل من قاموس المعارضة السابقة ويتماشى مع اللغة السائدة حينها، ورفعوا شعارات تتجاوب مع مطالب كل فئات المجتمع، وفتحوا أوراشا قيل عنها كبرى ومهيكلة وقادرة على وضع البلاد في سكة الحداثة والتنمية والديمقراطية، وأفصحوا عن نوايا ظنها البعض حقيقة، وقدموا وعودا لا يمكن إلا أن تنطلي على من لم يخبر أساليب المخزن الذي لا يتغير في جوهره ولكنه لا يتردد في تغيير بعض مظاهره وتمثلاته ليضمن استمراريته وليستقطب أنصارا جددا يضخ بهم دماء جديدة في شرايينه .. واليوم وقد مرت أكثر من عشر سنوات نجزم أن كل ذلك تبخر وأصبح في عداد الآمال والأماني والأحلام، بل إنه مثل السراب الذي ظنه الظمآن ماء حتى إدا جاءه لم يجده شيئا.

وليت الأمر وقف عند هذا الحد، فحينها يمكن تصنيف منجزات العهد الجديد في خانة الاستمرارية لما دشنه “العهد القديم”. واستعمال هذه التسميات للتواصل فقط، وإلا فلا فرق بين عهد قديم وجديد إلا من حيث تغير الأشخاص، أما الحصيلة والمنهجية فلم تتغير. ولكننا نشهد في الآونة الأخيرة تراجعا فظيعا وبسرعة مهولة، واستنجادا مفرطا بالأساليب القديمة التي استنكرها قادة العهد الجديد في بداية عهدهم؛ بل إنهم صاروا أكثر حرصا عليها من أصحابها القدامى الذين أزيحوا بطرق مختلفة من مناصبهم. فما السبب يا ترى؟

ربما أحسوا بأن الأساليب الجديدة استنفدت أغراضها، أو لم تؤت ثمارها، أو ربما استشعروا بأنها أوصلت الأمور إلى نتائج عكسية كما حدث في انتخابات 7 شتنبر 2007 التي كانت المثال الواضح الفاضح وشكلت لحظة فاصلة وامتحانا عسيرا لواقعية تلك الشعارات ومردودية تلك السياسات، وربما كانت صدمتهم كبيرة بعد نسبة المقاطعة المثيرة رغم الحملات الإعلامية المشجعة على المشاركة ورغم الملايير التي أنفقت عليها ورغم الخطاب الملكي الذي حث المواطنين على الإقبال على صناديق الاقتراع بكثافة. كل ذلك لم يجد نفعا وتمسك المواطنون بموقفهم الرافض لهذه اللعبة الانتخابية المصنوعة خريطتها سلفا والمعروفة نتائجها مسبقا. كانت صدمة كبرى.

إن مؤشرات العودة إلى الأساليب المخزنية العتيقة كثيرة، نذكر منها أمثلة للتوضيح فقط ثم ننتقل إلى الاستنتاج.

لقد بدأت تتناسل في الآونة الأخيرة ظاهرة جمعيات السهول والهضاب والأنهار التي ميزت عهد الحسن الثاني، وهي جمعيات تحصل على صفة المنفعة العامة، وتفتح لها الأبواب الموصدة في وجه جمعيات أخرى لا تقل عنها نشاطا ومردودية، وترصد لها الميزانيات الضخمة وتوضع رهن إشارتها الإمكانيات الوفيرة. الجديد الذي حملته جمعيات المخزن الجديد أنها ظهرت، هذه المرة، في نسخة مزيدة ومنقحة تحمل شعارات تتماشى مع الخطاب السائد مثل مؤسسة الرحامنة للتنمية المستدامة وجمعية مغرب الثقافات والبقية ستأتي، لكن الجوهر لم يتغير حيث تشكل هذه الجمعيات ذراع المخزن وبوق دعايته وقناة تصريف مشروعه وفضاء لاستقطاب نخب جديدة.. وإلقاء نظرة على الأسماء التي تحضر هذه المهرجانات وبرامجها وميزانياتها والاهتمام الإعلامي بها خير دليل.

كما شهدنا في العهد الجديد تجربة الاستقواء بالقرب من الملك في التدافع السياسي بين فرقاء يفترض أن يتمتعوا جميعا بالمساواة في الفرص المتاحة. وهكذا استطاع حزب الهمة، صديق الملك، حصد الصدارة في الانتخابات الجماعية في زمن قياسي يصعب أن ينافسه فيه غيره، وسيكون من السذاجة والتبسيط ربط النجاح بالاجتهاد.. وطبعا، يذكرنا هذا الأسلوب بعهد الحسن الثاني حيث كان الحزب السري يتشكل قبيل الانتخابات أو بعدها فيحصد أغلب المقاعد ويشكل الحكومة.. والفرق بين العهدين أن الإخراج، هذه المرة، كان رديئا حيث لم يفصل بين قبول الاستقالة من الداخلية والترشح في الانتخابات إلا فترة وجيزة رغم أن المنطق السليم يقتضي أن يفصل بين الإجراءين بمدة زمنية كافية حتى لا يكون هناك استغلال للنفوذ. وهذا ما تنص عليه دساتير وقوانين بعض الدول.

وعشنا في العهد الجديد تدخلا مخجلا لمستشاري الملك –محمد المعتصم ومزيان بلفقيه- في تشكيل الحكومة واقتراح صيغتها ووزرائها ضاربين بعرض الحائط واجب التحفظ المفترض فيمن يشغل هذا النوع من الوظائف، ناهيك أنه يفترض في المستشارين الابتعاد عن الأضواء.

وعايشنا، كذلك، استغلال النفوذ والترامي على الملك العام وتوظيف القرب من الملك في الفوز بصفقات وإقصاء منافسين وإخضاع النشاط التجاري لمنطق السلطة عوض قانون السوق، رغم أن الحكامة الجيدة تقتضي الفصل بين الثروة والسلطة، وتستلزم من صناع القرار الابتعاد ما أمكن عن الشبهة والاتصاف بالورع حتى يكونوا قدوة. ورضي الله عن عمر بن الخطاب أمير المومنين الذي اعتزل التجارة حين ولي الخلافة لأنه كان يشعر بحالة التنافي. وهكذا كان أغلب الخلفاء، فعن عطاء بن السائب قال: لما استخلف أبو بكر أصبح غاديًا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق، قال: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالا له: انطلق حتى نفرض لك شيئًا، فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة. وما كسوه في الرأس والبطن.

وعن حميد بن هلال، قال: لما ولى أبو بكر الخلافة قال أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- افرضوا لخليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يغنيه: فقالوا: نعم برداه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما، وظهره إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف فقال أبو بكر رضى الله عنه: رضيت.

وعن عمير بن إسحاق قال: خرج أبو بكر وعلى عاتقه عباءة له، فقال له رجل: أرني أكفك، فقال: إليك عني لا تغرني أنت وابن الخطاب عن عيالي.

قال علماء السير: وكان أبو بكر يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا فسمعها فقال: بلى لأحلبنها لكم، وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن خُلق كنت فيه، فكان يحلب لهم.

كما تتبعنا تدخلات باسم القصر في تعيين رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، ورسائل مشفرة حول رضى جهات عليا عن ترشيح فلان للمنصب الفلاني، وتوسيعا لدائرة المقدس ليطال الحجر والصور، وحدّة في التعامل مع وسائل الإعلام حيث التدخل في القضاء لإصدار أحكام قاسية وصلت إلى حد السجن، وعودة للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وممارسات أخرى كثيرة تذكرنا بزمن ظن البعض، خاطئا، أنه مضى حين تحدث عن موت المخزن. بعد كل هذا ألا يحق لنا التساؤل عن الجديد في العهد الجديد بعد كل هذه السنين والوقائع والتراجعات؟

ما نستنتجه من درس التاريخ أن للمخزن قدرة عجيبة على التأقلم مع مستجدات كل مرحلة، وعلى إبداع آليات اشتغال جديدة تضمن استمراريته وسيطرته على المفاصل الحيوية في المجتمع.. لكن الملاحظ أن المخزن الجديد عجز تماما في السنوات الأخيرة عن تجديد ذاته، وفشل فشلا ذريعا في ملاءمة شعاراته مع خطابه وأساليبه، وسبب ذلك يرجع من جهة إلى عجز منظريه وضعف كفاءتهم وعدم قدرتهم على مسايرة تطور المجتمع، ولذلك بدأ الاستنجاد ببعض الوجوه القديمة المتمرسة لتدبير المرحلة القادمة، وخاصة الانتخابات حتى لا تعاد نكسة شتنبر.

ويرجع من جهة أخرى إلى أن المخزن ربما وصل صيغته النهائية، ولم يعد بمستطاعه استنساخ نسخة أخرى في زمن أصبح فيه العالم قرية صغيرة، وفي ظل رياح التغيير التي تهب نسائمها من الجهات الأربع. ولذلك فليس هناك من حل إلا الاستماع إلى نبض المجتمع والاستجابة لمطالبه، ولن يتم هذا إلا من خلال حوار صريح ونقاش وطني مفتوح يستحضر مصلحة البلاد أولا وأخيرا، ويبحث عن إمكانية لانتقال سلس من دولة تسير بأمزجة أشخاص إلى دولة يسود فيها القانون وتحترم فيها المؤسسات ويعاد فيها الاعتبار للمواطن. وما كل هذا ببعيد إن صلحت النية وتوفرت الإرادة ورسمت خارطة طريق جماعية.