تقديم

لقد ظلت فكرة الإصلاح والتغيير هاجسا مؤرقا لدى النخب والتيارات السياسية في الوطن العربي والإسلامي، فقد شكلت الايدولوجيا الاشتراكية والقومية العلمانية في العقود الماضية المدخل الأساسي والمنطلق الرئيس لجل حركات التغيير، بيد أنه بعد الانهيار الكبير للمنظومة الاشتراكية وما تمخض عنه من بؤس إيديولوجي حسب تعبير الفيلسوف كارل بوبر، والانكسار المأساوي للزعامات القومية في العالم العربي بعد نكبة 4 حزيران 1967 ونهاية الأسطورة الناصرية وما توالت بعدها من نكسات ليس آخرها سقوط بغداد

بعد كل هذه النوائب التي أحدقت ببلاد الإسلام، أصبح الحديث عن مطمح التغيير ضربا من الخيال والمثالية الثورية والماضوية الرجعية. وباتت كل حركة اجتماعية تطمح لقيادة سفينة التغيير متهمة بالانقلابية وتهديد الاستقرار والخروج عن الشرعية المحلية والدولية. وهي قائمة طويلة من الاتهامات تلوكها ألسنة النخب الرافضة لأي تغيير وتحبرها أجهزة الإعلام السلطوي، مما يبعث على التساؤل حول ما إذا كان التغيير بالفعل ضرورة حتمية، وما هي دواعيه؟ ولم فشلت الاتجاهات التغييرية التي سادت طيلة العقود الماضية؟ وما التحديات التي تواجه حركات التغيير الجادة اليوم؟ وما هي الاستحقاقات المطلوبة؟ وباختصار نتساءل هل التغيير لا يزال ممكنا؟

1- التغيير ضرورة حتمية للنهوض

لقد أصبح اليوم التغيير ضرورة حتمية أكثر من أي وقت مضى. إنه السبيل الوحيد للانعتاق والخروج من الأزمة المستحكمة والمزمنة بعدما فشلت كل محاولات الترميم. بل إن مخططات الإصلاح انقلبت إلى مخططات لإعادة إنتاج الفشل وتكريس الأزمة. حتى أصبح المواطن العربي لا يشعر بالأمن الغذائي ومهدد في لقمة عيشه، ولا يملك أي أمل في المستقبل بفعل اليأس من هذه الأنظمة التي يسوسها أناس لا يتمتعون بالحد الأدنى من الكفاءة والإيمان الصادق والروح الوطنية والنزاهة والقدرة على الخلق والإبداع، فهاجسها الأول ليس الحرص على المصالح الوطنية والسهر على خدمة المواطن، بل الحرص على البقاء على عرش الزعامة الأبدية من القصر إلى القبر، وتعكس هذه الحقيقة وتعريها تقارير التنمية الصادرة عن الدوائر الدولية التي تصنفنا في ذيل الترتيب العالمي والإقليمي وتكشف حالة الكساد التي تعيشها القطاعات الحيوية أمام عجز هذه الأنظمة عن اتخاذ أي تدابير للحد من الأزمة

إن الأزمة المستحكمة والمأزق الذي آلت إليه الأنظمة الاستبدادية وما أوصلت إليه الأوضاع من نفق مسدود يجعل إمكانية التغيير واردة بل ضرورة ملحة لعتق رقاب ملايين البشر من نير الاستعباد والمهانة والتجويع بصورة غير مقبولة .إن المواطن العربي بات يدرك أن استمرار هذه الأنظمة يعني استمرار الأزمة واستفحالها.

إن الوقائع السياسية في العالم العربي، وحصيلة الأداء السياسي الكارثي للنظام العربي الرسمي جعلته يقف في العراء مجردا من أي مشروعية، اللهم مشروعية الاستيلاء على السلطة بالقوة والغلبة، ومشروعية الدعم الدولي الاستعماري لهذه الأنظمة المفلسة .

فهي تفتقر لأية مشروعية سياسية لاستنادها لدساتير ممنوحة، لم تصدر عن سلطة تأسيسية منتخبة، وبعض الأقطار العربية تسودها قوانين الطوارئ منذ عقود .كما أنها لا تستند لأية مشروعية شعبية ولذلك فالديمقراطية في صورتها المحترمة مغيبة عدا بعض المسرحيات الهزلية المثيرة للسخرية التي تجري بين الفينة والأخرى.

أما المشروعية الدينية فالقاسم المشترك بين النظم العربية هو تبني اللائكية العلمانية فكرا وممارسة وسلوكا، أما الدين فلا يستعمل إلا لتعزيز السلطة الفردية للحاكم باعتباره ” ظل الله في الأرض “كما تنص على ذلك فتاوى” الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا” وسدنة المعابد المأجورين الذين اعتادوا حرق البخور على أعتاب القصور.

وإزاء كل هذه الحقائق والوقائع بات التغيير اليوم هو القضية الأكثر قداسة ومشروعية لتحرير الإنسان العربي والمسلم وإخراجه من غيبوبته التاريخية، وتأهيله للنهوض لينفض عن نفسه غبار الجهل والتخلف والعبثية والغفلة عن الله عز وجل، وليضطلع بدوره في مهمة الاستخلاف في الأرض وعمارتها وإعادة تأسيس بنيان الحضارة الإنسانية على أساس الإيمان والمحبة والإخاء والعدل والشورى والمساواة، وسل الإمام الندوي –رحمه الله – ينبيك عن “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟”.

أما أعداء التغيير والمتوجسون والمرجفون من أهل المدينة فنذكرهم بأن التغيير سنة إلهية مهما طال الزمن- وحقيقة تاريخية، إنه تدافع أزلي بين الخير والشر وبين الإصلاح والإفساد قال تعالى: “ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض” البقرة: ٢٥١.

إن العام كله يتغير، فهناك تغيرات مناخية وجيولوجية، ومتغيرات اجتماعية وثقافية واقتصادية، أما التغيير السياسي فهو قادم لا محالة لأن التاريخ لا يمهل أحدا .

– الاتجاهات السياسية التغييرية التي عرفها العالم العربي

أ- الاتجاهات الماركسية والقومية ومآلها

سادت منذ منتصف القرن الماضي اتجاهات تروم التغيير تدين بالولاء للفكر الماركسي أو الفكر العروبي القومي، وصل بعضها لسدة الحكم في عدد من الأقطار العربية، وبقي آخرون يناضلون من اجل إحداث التغيير المنشود، والثورة على النظم السائدة ، أو مقاومة الاحتلال الأجنبي .

ورغم الانتعاش العالمي الذي عرفته الايدولوجيا الاشتراكية حتى وصفت حينها بموضة العصر إلا أنها عجزت تماما عن أحداث أي تغيير، ومرد ذلك لأسباب شتى يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي.

لقد اتسمت هذه التيارات بنوع من الارتهان السياسي والإيديولوجي للقوى الأجنبية وهو ما يفسر سعيها لتعزيز الروابط الإيديولوجية والأممية، بدل الارتباط بالعالم الإسلامي، كما اتهمت بمعاداة الهوية الدينية وتهميش الموروث الثقافي الشيء الذي يفسر عدم قدرة هذه التيارات على التغلغل في الجماهير رغم امتلاكها خطابا شعوبيا يلامس هموم الجماهير مما خلق صدامات غير مرغوب فيها مع التيارات الإسلامية الفتية والصاعدة، هذا مع العلم أن النظم العربية لعبت دورا أساسيا في تأجيج هذا الصدام فمن جهة :وظفت الخطاب الديني التقليدي، واستعدت كل مؤثراته لمواجهة الزحف الماركسي، ليس حبا في الدين ولكنها حرب سياسية قذرة ستوظف بعدئذ وبالأسلوب ذاته عددا من مؤثرات الفكر الاشتراكي ( التقدمي والحداثي) لمواجهة ما أصبح يعرف ب( الخطر الإسلامي).

وإضافة إلى هذه العوامل المذكورة آنفا فان النظرية الماركسية ذاتها بما تطرحه من تحليل مادي وتركيز على العامل الطبقي في تفسير كل الإشكالات والظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، اتسمت بنوع من التعسف المنهجي والشمولية الشيء الذي جعلها قاصرة عن الإجابة الموضوعية والمقنعة في الكثير من الإشكالات والقضايا المعاصرة، وباتت عاجزة عن إقناع الجماهير بجدواها، لاسيما بعد انهيار المعسكر الشرقي وسقوط جدار برلين ما أدى إلى تحول بعض أجنحتها إلى أبواق للسلطة وجيوب لمقاومة التغيير.

أما المد القومي العلماني الذي ارتبط في واقع الأمر بالزعامات العروبية والبعثية العفلقية والتي اتخذت من الجيش قاعدتها الصلبة للقيام بموجة من الانقلابات العسكرية وصل بموجبها الزعماء القوميون للحكم، فرسخوا مبدأ الاستبداد المطلق واحكموا قبضتهم على الحياة السياسية، وقامت الإيديولوجية القومية على أساس تحقيق الوحدة العربية ومواجهة الاحتلال الصهيوني مما اكسبها بريقا شعبيا ملحوظا حينها .

لكن القوميين رغم عزفهم على أوتار الوطنية والعروبة ومواجهة الاستعمار إلا أنهم وصفوا بالقمع الشديد لشعوبهم، ومصادرة الحريات وتكريس الاستبداد المحلي.وظلت نقطة ضعفه هي ارتباط مشروعه بالزعيم الأوحد مما سهل عزله سياسيا واقتلاعه فانتهت الناصرية بعد هزيمة 1967، وانتهت البعثية في العراق بعد سقوط بغداد وإعدام صدام .

والواقع أن الاتجاه القومي العروبي لم تكن تؤطره نظرية سياسية تغييرية أو ايدولوجيا متكاملة في معالجة الأوضاع الداخلية وتحقيق الازدهار السياسي والاقتصادي بقدر ما كان ذا نزعة شعاراتية. ولذلك لم يستطع الزعماء القوميون إحداث أي تغيير رغم تعميرهم في الحكم . ولم تتحقق شعاراتهم في إقامة الوحدة العربية وأخفقوا أمام الحركة الصهيونية والقوى الاستعمارية. وبذلك لم تحقق النظم القومية أمل الشعوب في التغيير بل سارت على سنن من قبلها في تكريس الأزمة ودخلت حالة من الانكفاء والجمود.

وهكذا ذهبت الاشتراكية وانكفأت القومية وبقيت سفينة التغيير تنتظر ربانا أمينا يخوض بها عباب بحر هائج متلاطم الأمواج في ظرف دقيق للغاية .

ب-الاتجاهات الإسلامية الحديثة وخطوطها التغييرية

بعد الانتكاسات التي تعرضت لها الإيديولوجيات الاشتراكية والقومية وتهافت الفكر اللبرالي العلماني وعدم قدرته على الظفر بأي سند شعبي، و مع تصاعد المد الإسلامي بعد الثورة الإسلامية في إيران أواخر السبعينات، وتفجر الجهاد الأفغاني ضد الروس، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية المباركة بقيادة الحركة الإسلامية خلال الثمانينات، فتزايد الاهتمام بالظاهرة الإسلامية ومدى قدرتها على حمل مشعل التغيير .

وبرزت عدة اتجاهات للحركة الإسلامية يمكن تصنيفها حسب توجهاتها السياسية وقناعاتها الفكرية إلى ثلاث خطوط رئيسية، مع إبراز مآلاتها والتحديات التي تواجهها :

أولا- خط التغيير الجزئي

عادة يصطلح على وصف هذا الخط باعتباره خطا إصلاحيا، القاسم المشترك بين معتنقيه هو السعي لإحداث التغيير ولو بشكل جزئي ومحدود من داخل المؤسسات السياسية القائمة، وتتسم هذه الاتجاهات بمرونة كبيرة تصل إلى حد تقديم تنازلات كبيرة يصفها البعض بالمجانية ومن دون مقابل، وهاجس أصحاب هذا التوجه هو المداراة والسعي لنزع فتيل مقولة الخطر الإسلامي – حسب زعمه -.

ورغم أن عددا من الحركات الإسلامية المحسوبة على هذا الاتجاه استطاعت دخول البرلمان بل الوصول إلى مناصب عليا داخل الدولة في بعض الأقطار الإسلامية خلال فترات معينة، إلا أن هذا التوجه انتهى به الأمر إلى حالة من الانحسار، لاسيما مع واقع التحجيم الذي تتعرض له الحركات الإسلامية، فإذا استحضرنا الخصوصية السياسية للنظام التركي العلماني ووضع حزب العدالة والتنمية الحاكم، فان أوضاع الأحزاب الإسلامية التي انتهجت خط التغيير والإصلاح من الداخل أو ما اصطلحنا عليه بخط التغيير الجزئي، انتهى بها الأمر إلى فرض المزيد من القيود على حركتها وقراراتها، بل واختياراتها التي من المفترض إن تتماشى بداهة مع هويتها وواقعها الاجتماعي وخطها المذهبي .

والواقع أن هذه القيود المفروضة جلها لا يستند إلى أي أساس قانوني بل يتماشى مع سياسة التعليمات وضبط التوازنات وسياسة الرسائل المشفرة، وإتقان هذه الأنظمة لبيداغوجيا التغذية الراجعة وتوظيفها في مجال السياسة مع هذه التيارات التي باتت تملك القابلية اللازمة للتمادي مع كل هذه المماحكات الخطيرة .

فأصحاب هذا التوجه يدركون جيدا وبقوة الحدس السياسي المكتسب لديهم ما المطلوب منهم، إنها رقابة ذاتية صارمة يفرضونها على أنفسهم. وما يفسر حالة الانحسار هذه هو الاعتقاد الذي أصبح سائدا لدى أبناء هذا الاتجاه بأن مجرد المشاركة السياسية والانتخابية ودخول البرلمان والبلديات ولو بدون تحقيق مكاسب سياسية تذكر، يعتبر انجازا عظيما في حد ذاته، وهذه الحقيقة باتت متجسدة في عدد من التجارب السياسية في البلاد العربية والإسلامية التي تجيد أنظمتها سياسة الاحتواء من خلا ل تسخير المؤسسات السياسية وعلى رأسها المؤسسة التشريعية لخدمة هذا الغرض، مع ما يحكم ذلك من أطر دستورية صيغت في حقيقة الأمر للحفاظ على سلطة الحاكم الفرد ولتعزيز صلاحياته المطلقة التي باتت قيدا دستوريا غير مسموح بتعديلها بل إن مجرد مناقشتها يعرض للمسؤولية الجنائية .

والواقع أن المآل الذي آلت إليه هذه التيارات المنتهجة لهذا الخط أمام نظم عربية لا تقبل بأي تغيير جزئي كان أم شامل، لعدم قابليتها لأي إصلاح، مما أصبح يحتم على العقلاء داخل هذا الاتجاه انجاز تقويم صريح للوضع، والقيام بمراجعة جريئة للخروج من هذا المأزق ومغادرة حالة الانحسار والاحتواء التي تهدد بتحريف نهجها الإصلاحي والتغيري، وتحويلها إلى أحزاب يمينية متمسحة بالهوية، وليس لها أية فعالية أو تأثير شعبي ومجتمعي بفعل ارتباطها بهذه الأنظمة السياسية الكاسدة وبمشاريعها الفاشلة من قريب أو بعيد.

ثانيا- خط المواجهة والعمل المسلح

بفعل الاستبداد السياسي المستحكم والخنق الشديد للحريات والكبت والقهر الاجتماعي، ظهرت في العقود الأخيرة تيارات إسلامية لا تؤمن بأي سبيل للتغيير سوى العنف (والجهاد المسلح ). ورغم تعدد هذه التيارات إلا أن قاسمها المشترك هو تكفير الدولة . وبعضها يكفر حتى المجتمع لاعتباره مجتمعا جاهليا، جل هذه التيارات تتقاطع مراجعها مع الفكر الوهابي النجدي وفكر الهجرة والتكفير. وربما اتخذ بعضهم من (معالم في الطريق ) لسيد قطب أو ( الفريضة الغائبة ) لمحمد عبد السلام فرج وغيره مراجع أساسية لهذا التوجه.

لكن هذا الاتجاه ظل يفتقر لأي أسس فكرية أو تصور مجتمعي وسياسي لإدارة الصراع مع الأنظمة السياسية القائمة. ونتيجة خضوعه للانفعالات العاطفية وحماسة الشباب الغاضب وضعف التجربة القيادية . إضافة إلى تجاهل أنصار هذا التوجه لمجموعة من الضوابط الشرعية والإنسانية مما سهل عملية تجريمه محليا ودوليا، وباتت كل جرائم المخابرات العالمية ودسائسها تنسب إليه باعتباره تنظيما سريا وعنيفا ويدين بالولاء لأطراف خارجية .كل هذه العوامل أدت إلى تسهيل ملاحقة أفراد هذه التنظيمات والزج بهم في معتقلات محلية ودولية يضرب بها المثل في المهانة وخرق حقوق الإنسان، والحط من كرامة البشر وآدميته، دون أن يجد حمزة له بواكي لأن أصحاب هذا الخيار لم يستطيعوا تأسيس قاعدة شعبية وسياسية تحمي ظهورهم، ولا يحظون بأي تأييد شعبي أو احتضان جماهيري

ورغم كون أصحاب هذا التوجه استطاعوا سرقة الأضواء الإعلامية في السنوات الأخيرة إلا أن افتقارهم للقوة السياسية جعلهم تيارا هامشيا لا يملك أي قدرة على النهوض وإحداث التغيير المنشود .

ثالثا- خط التغيير السلمي الشامل

إذا كانت التيارات السياسية الإصلاحية التي انتهجت خط التغيير الجزئي من داخل المؤسسات قد انتهى بها الأمر إلى الانحسار السياسي، وتيارات المواجهة المسلحة قد وصلت إلى زوايا هامشية والى الطريق المسدود، فان الحركات الإسلامية التي انتهجت خط التغيير السلمي والشامل، ولم تقتنع بفكرة التغيير من الداخل، أو انتهاج العنف سبيلا لإدراكها عواقبه ومآلاته لكونها تدرك جيدا أن خط المواجهة والعنف هو انتحار سياسي، أما الدخول في اللعبة السياسية الرسمية من دون أي تعديل لشروطها الحالية، هو اندحار سياسي بامتياز .

لكن هذا الاتجاه هو أيضا يواجه تحديات جسام تتجلى في الحصار الخانق الذي تفرضه عليه لأنظمة المستبدة، والقمع الشديد الذي يتعرض له أنصاره. إن هذا الخيار وان كان أصحابه ينبذون العنف عقيدة ومنهجا إلا أنهم يواجهون حصارا شاملا وحرب استئصال ضروس على مختلف الأصعدة، ويتلقى أنصاره بين الفينة والأخرى ضربات موجعة .

غير أنه إزاء مقارنتنا بين الخطوط والاتجاهات الثلاثة، يجدر أن نذكر بأن الحركة الإسلامية بمختلف اتجاهاتها إنما خرجت من رحم الحصار وكابدت آلام المخاض ولم تتلقى تصريحا بالولادة والاستهلال، وليس الحصار ظرفا جديدا تواجهه .ولذلك ظلت الحركات الإسلامية المنتهجة لخط التغيير السلمي الشامل لعقود تواجه هذا الحصار الظالم وتبدع في أساليب كسره واختراقه، بل استطاعت أن تحول حصارها إلى مصدر تعاطف جماهيري وباتت ضربات السلطة تقويها ولا تضعفها، مما يعزز نفوذها داخل المجتمع، ويزيد أفرادها إيمانا بقضيتهم، وإصرارا على المضي قدما في انجاز مطلب التغيير من دون تردد.

ويتسم أصحاب هذا الاتجاه بالمبدئية والروح الإيمانية الدافقة والمعنويات العالية. يتجلى ذلك في جندية أفراده الذين لا يكترثون للمنع ويناضلون بدأب من أجل الدفاع عن قضيتهم والانتصار لها.

ومن مزايا هذا الاتجاه:

– التحرر في المواقف والاستقلالية على مستوى القرار.

– القدرة على جلب تعاطف الشعب واستثمار غضبه على الأنظمة الفاسدة بشكل ايجابي.

– الاستمرار في تأطير الجماهير بدون حرج أو مركب نقص وعبر الإمكانات المتاحة .

– الخلق والإبداع في وسائل الدعوة و أساليب التواصل لتجاوز القيود التي يفرضها عليهم واقع الحصار.

– عدم الارتباط بمشاريع الأنظمة يمنحهم مصداقية أكبر وشعبية أوسع.

– انتهاج التغيير السلمي وعدم اللجوء إلى العنف ونبذ السرية والتعامل المشبوه مع الأطراف الخارجية وعدم خرق القوانين – رغم كون أصحاب هذا الاتجاه يضعون علامات استفهام كبيرة على هذه القوانين المحلية إلا أنهم لا يعيشون خارجها – وهذا ما يحرج السلطة ويظهرها في صورة المتعسف الذي لا يقبل أي طرف مخالف، ولا يسمح بأي تداول على السلطة، الشيء الذي يعرض هذه الأخيرة عند القيام بأي إجراء، أمني تعسفي ضد هذه الحركات لانتقادات حقوقية لاذعة محليا ودوليا.

وعموما رغم كل التحديات التي تواجه الحركات الإسلامية المنتهجة لهذا الخط إلا أنها استطاعت الصمود ضد العواصف، والمحافظة على مصداقيتها والثبات على مواقفها ومبادئها رغم كل المؤشرات السلبية المنذرة بمؤامرات كبرى تحاك محليا ودوليا ضد الحركة الإسلامية بمختلف أجنحتها وخطوطها.ورغم طبول الحرب التي تقرعها الأنظمة بين الفينة والأخرى إلا أنها عجزت تماما عن تحجيم هذا الخط الإسلامي العريض فضلا عن استئصاله، وذلك بسبب ما يتمتع به في قلوب الناس من مصداقية وواسعة، حتى إنه بات يشكل الملاذ السياسي والأخلاقي الوحيد والمؤتمن على اقتحام عقبة التغيير، وانجاز هذا الاستحقاق التاريخي الذي أصبح اليوم مطلبا ملحا وضرورة حتمية أكثر من أي وقت مضى .

3- التحديات التي تواجه عملية التغيير

رغم كل الدواعي الموضوعية التي باتت تحتم ضرورة التغيير في العالم العربي والإسلامي إلا أن هناك تحديات جسام تقف اليوم حجر عثرة أمام أي عملية تغيير، تزيد من صعوبة إنجاز هذا الاستحقاق التاريخي لدرجة توهم بالاستحالة الواقعية، وذلك باستحضار مجموعة من العوامل المحلية والدولية :

فعلى المستوى المحلي تزداد يوما بعد يوم شراسة الأنظمة البوليسية والمخابراتية التي تعمل على إسكات كل صوت حر وقمعه بالنار والحديد أو العمل على احتواءه، حتى إن البعض كان مستعدا لإبادة ثلث شعبه إذا لم يقدم الولاء .

وإضافة إلى ذلك الانقياد الأعمى لعدد من النخب التقليدية السياسية والثقافية والدينية والمقاولاتية التي باتت توفر غطاء الشرعنة لأنظمة الحكم، للحيلولة دون أي تغيير قد يطيح بمصالحها، الشيء الذي جعلها جيوبا حقيقية لمقاومة المد الإسلامي التغييري وسندا للأنظمة المستبدة

أما على المستوى الدولي حيث تزداد شراسة الاستكبار العالمي الذي تغذيه الروح الصليبية والصهيونية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها، وحرصهم على استمرار هذه الأنظمة الراعية لمصالحهم، وتوفير الغطاء لها لقمع شعوبها وإسكات كل الأصوات الأبية، إضافة إلى العولمة التي تحولت إلى أداة للتحكم في مصائر الشعوب وإحكام القبضة على العالم ومصادرة خيراته .

4- الاستحقاقات المطلوبة

إن الاستحقاقات المطلوبة من الحركة الإسلامية المنتهجة لخط التغيير السلمي الشامل يمكن إجمالها في النقاط الآتية :

– إعداد الطليعة المجاهدة القادرة على الثبات في الميدان وتحمل أعباء التغيير أيا كانت نتائجها، والمؤمنة بموعود الله عز وجل بنصر المؤمنين المستضعفين والتمكين لهم في الأرض باعتبارها سنة إلهية لا تتخلف متى التمست أسبابها وروعيت نواميسها.

– توافر نظرية متكاملة للتغيير، ومنهاج واضح للعمل يضبط التصور العام ويوحد الرؤية ويحفظ مخطط التغيير من أي تحريف، ولا يتحقق ذلك إلا بمخطط يتخذ من تربية الإنسان وتنميته محوره وهدفه الأساس .

– مد الجسور مع القوى الإسلامية والوطنية وذوي المروءات لإقناعهم بجدوى المساهمة في عملية التغيير والالتقاء حول أرضية مشتركة أو وثيقة جامعة .

– الانخراط في مبادرات تواصلية ودعوية لإنقاذ بعض النخب اليائسة بسبب قتامة الوضع وما عانته من إحباطات سياسية أدت بها إلى فقدان الأمل من تغيير سياسي جدي. وكذلك لإخراج آخرين من غيبوبتهم السياسية بسبب ارتمائهم في أحضان النظام المستبد كرها بعد تزايد المخاوف من الخطر الأصولي وطمأنتهم بأن الحركة الإسلامية تؤمن بالعيش المشترك وبضرورة تظافر الجهود لتحقيق التغيير وإنقاذ البلاد، ولا يتحقق ذلك إلا بسواعد أبناء الأمة جميعا وبلا استثناء على اختلاف مشاربهم وقناعاتهم السياسية ومواقعهم داخل المجتمع .

– أن تتسم القيادة التي تؤم حركة التغيير التاريخي بأهم مواصفات الزعامات التي قادت حركة التغيير عبر التاريخ الإسلامي وغيرت من مجرى الأحداث، من علو الهمة وبعد النظر والشجاعة والإقدام والثبات في الميدان، والأمانة والورع .

-القدرة على التأطير الفعال لأبناء الشعب واستثمار الغضبة الشعبية المكبوتة في النفوس على الظلم السائد، وتوجيه ذلك لخدمة حركة التغيير، حتى لا تبقى مجرد انفعالات عابرة .

5- إمكانية التغيير

نعم إن التغيير لا يزال ممكنا، بل إن دواعيه اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت آخر، يتمثل ذلك في الأزمة الشاملة التي أرخت بسد ولها على المجتمع، وتزايد الغضب والاحتقان الشعبي، وفساد النظم السياسية السائدة، وعدم قدرتها على حل الأزمات التي تعتبر هي أهم مسبباتها إضافة إلى تزايد الوعي الديمقراطي وكراهية الاستبداد، والشعور بالعار أمام تخاذل الأنظمة وعجزها عن نصرة الشعوب المسلمة المستضعفة التي تتعرض للإبادة الصهيونية والصليبية في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها هذا بالإضافة إلى توافر أهم عوامل التغير وهو وجود طلائع إسلامية ووطنية وقومية متفاوتة القوة والتأثير بمختلف الأقطار العربية والإسلامية

فالتغيير الذي تطمح إليه الأمة ليس مجرد عمليات اغتيال سياسي أو محاولة انقلابية أو حركة اختراق من الداخل تنتهي بالسيطرة على الحكم واستبدال سلطة بأخرى .إنها عملية تغيير شامل وقاعدي ينطلق من القاعدة الشعبية، وأساسه تربية الإنسان وتنميته وتأهيله ليستعيد كرامته المهدورة، ووعيه المستلب، ويسترجع دوره التاريخي في الريادة والتقدم والازدهار وعمارة الأرض بالخير والنماء، وذلك حتى تعود قاطرة الحضارة الإنسانية إلى سكتها الحقيقية، فيصبح الإنسان هو محور اهتمامها وديدنها، بدل النظرة التشييئية التي تجعل منه عبدا للآلة، أو مجرد أداة للإنتاج أو عبء على الدولة والاقتصاد القومي

وهل التغيير إلا حركة إنسانية دائبة وقومة شاملة تمتزج فيها التضحيات بالطموحات والتطلعات النبيلة.

إنه سعي حثيث لاقتحام العقبة الكئود مصداقا للبلاغ القرآني في قوله تعالى : “فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة “البلد: ١١ – ١٧

أما الحركة الإسلامية الصامدة التي انتهجت خط التغيير السلمي الشامل، والمقاومة الراشدة، ولم تنزلق نحو متاهات العنف رغم كل المؤامرات والاستفزازات، ولم تستهويها اللعبة السياسية المشوهة والملغومة رغم كل الإغراءات، وظلت عصية على الاحتواء والتحجيم .فهي اليوم مرشحة بقوة لحمل مشعل التغيير وتحقيق أمل المستضعفين في الأرض.،فهي الخط الأصيل في الأمة عبر تاريخها الطويل، وفي مقاومتها للظلم وممانعتها للظلمة وعدم الرضا بالضيم أو الاستكانة .

ولا تخلوا الأرض من قائم لله بحجة، أما دعاة ليس في الإمكان أبدع مما كان من المهزومين أمام حركة التاريخ فكانوا دائما يغردون خارج السرب ومكانهم محجوز في طرة التاريخ .

وسلام على كل قائم لله متى ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ويوم يحقق أمل المستضعفين في العزة والكرامة والانعتاق.