5 / الواجهة الاجتماعية

منذ أن ركزت الدراسات، خاصة الغربية منها، على كون الحركة الإسلامية هي المستفيدة الأساس من تردي الأوضاع الاجتماعية في العالم العربي وتستغلها بشكل كبير لترسيخ حضورها وسط الشعوب، منذ ذلك الحين بذلت الأنظمة العربية ـ بتوجيه من الدول الاستكبارية في العالم ـ كل جهودها لإقصاء الإسلاميين من المجال الاجتماعي. وبناء عليه تم حرمان الآلاف من بسطاء المواطنين من الخدمات الاجتماعية التي كانت تقدمها مؤسسات الحركات الإسلامية في مقابل أنشطة اجتماعية فلكلورية لا تسمن ولا تغني من جوع غايتها الدعاية السياسية والظهور الإعلامي وقطع الطريق على الخصوم الإسلاميين. و لم يكن نظام المخزن في المغرب استثناء في هذا الصدد، بل اتخذ الأمر في ظل العهد الجديد بعدا أكثر جدية. فمنذ تولي الملك الجديد الحكم عرف الواقع المغربي سيلا من الشعارات من قبيل “ملك الفقراء” إضافة إلى زخم من التحركات لازال بعضها قائما إلى الآن، مثل توزيع الحريرة وبعض المواد الغذائية في رمضان. وبموازاة ذلك عرف التضييق على الأنشطة الاجتماعية لجماعة “العدل والإحسان” تصاعدا ملفتا. ومن أبرز الخطوات التي اتبعها المخزن في سياسته الاجتماعية ضد الجماعة ما يلي:

ـ تطويق العمل الاجتماعي للجماعة ومنعه من بلوغ الشرائح الواسعة من الناس وحصره في نطاقات هامشية

ويتم ذلك من خلال المنع المباشر والصريح للكثير من الأنشطة والخدمات الاجتماعية التي كانت توفرها جمعيات ـ ينتمي أعضاؤها أو يتعاطفون مع جماعة “العدل والإحسان”ـ لفائدة الفقراء والفئات الاجتماعية المعوزة. بل تجرأ المخزن على جر بعض هؤلاء الناشطين إلى المحاكم بتهم مكيفة سلفا، مثل جمع التبرعات أو جلود الأضاحي بدون ترخيص.. كما تعتمد سياسية التطويق تلك على رهن الأنشطة الاجتماعية بالموافقة الإدارية لبعض مؤسسات الدولة وخاصة أجهزة الداخلية وبطبيعة الحال فهذه الأخيرة تحرص دائما على منع كل ما من شأنه أن يمت “للعدل والإحسان” بصلة.

ـ رفع شعارات رعاية الفقراء والعناية بالفئات المحتاجة ومحاولة تطبيق بعضها من خلال تحركات تقوم بها أعلى سلطة في البلاد

لقد حاول المخزن استثمار مجيء الملك الجديد إلى السلطة لإطلاق حملة من الشعارات والدعاية لها خاصة في ظل وجود اختلالات اجتماعية مهولة وارتفاع سقف التوقعات من السلطة الجديدة. كما صاحبت هذه الحملة الدعائية تحركات مخزنية كثيرة في محاولة لإظهار جدية تلك الشعارات. كما قام المخزن كذلك بقرصنة الكثير من أصناف الأنشطة التي كانت تقوم بها الجماعة مع إعطائها لبوسا آخر مثل توزيع سلة المحتاج وتوزيع الملابس والأدوات المدرسية والخدمات الصحية وغيرها.

ـ تبني سياسة عامة محورها التنمية البشرية

كثيرا ما اتهم العهد الجديد بكونه يفتقد مشروعا سياسيا يستقطب حوله النخب والجماهير. وهو ما حاول تجاوزه من خلال تبني ما أطلق عليه بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية. كما دفعته أحداث الدار البيضاء الإرهابية إلى الإعلان عن تبني سياسة اجتماعية عامة كان من تجلياتها إحداث وزارة الرعاية الاجتماعية بالإضافة إلى بعض الإجراءات الاجتماعية مثل التي وردت في التصريح الحكومي. وبناء عليه عرف المغرب العديد من التدشينات والمشاريع وسط حملات دعائية مكثفة تعطي الانطباع بأن عهد الاختلالات الاجتماعية الفظيعة ولى إلى غير رجعة.

وكم كان سيغدو الأمل كبيرا لو أن هذه التحركات ـ التي كلفت خزينة الشعب الكثير من الملايين ـ تمكنت من إصلاح الأوضاع أو حتى تقليص حجم الضرر. لكنها في الحقيقة لم تزد الطين إلا بلة لأنها لم تخرج عن نطاق الدعاية السياسية والانفعال تجاه حيوية الخصوم السياسيين. فإطلالة بسيطة على التقارير الدولية، التي صدرت خلال هذه السنة وفي مقدمتها تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية، تعد كافية لمعرفة أن عمل المخزن لا يعدو كونه تحركات لا طائل من وراءها اللهم البهرجة وذر الرماد في العيون. فمتى لم يكن المخزن وفيا لسياسة التفقير والتهميش وتبذير الثروات ونهب خيرات البلد.

ـ تبني سياسة الإفساد العام أو سياسة الأرض المحروقة

مَنْ مِنَ الملاحظين لم يلمس التحولات الخطيرة التي طرأت على المجتمع المغربي في مجال القيم والسلوكات. الجميع رصد كيف تصاعدت الجريمة بكل أصنافها، خاصة الدعارة وترويج المخدرات، وكيف تسارعت وثيرة انسلاخ أجيال من الشباب المغاربة عن كل القيم النبيلة والارتماء في حضن الرذيلة وتبني القيم الماسخة لهويتها الدينية والوطنية. فهل كان كل ذلك تحولا تلقائيا أم أنه ثمرة لسياسة رسمية سخرت لها إمكانات مادية وبشرية هائلة؟

لم يعد يخفى على عقلاء البلد كيف يرعى المخزن قنوات الإفساد حيث أصبح المغرب ملاذا آمنا لكل دعوة شاذة فكريا أو عقديا أو سلوكيا. الجميع يعرف كيف تسخر إمكانات هذا البلد المادية والمؤسسية لاحتضان هذا الشذوذ وإظهاره علنا لخلق حالة من التطبيع الاجتماعي معه. وما المهرجانات التي تعم أرجاء المغرب وتنفق عليها المليارات بسخاء غريب وتستدعى لها هذه الأصناف،عنا ببعيد.

كلما أدركت دوائر القرار في المخزن العتيد أن دعوة “العدل والإحسان” لا يوقف زحفها عائق كلما أمعنوا في سياسة الأرض المحروقة تلك. وقصدهم من وراء ذلك تحقيق غايتين: أولاهما إخفات صوت الاحتجاج على الأوضاع المزرية من خلال قتل المروءة وإبادة النخوة وفصل الإنسان المغربي عن الفضيلة ليبقى ضحية لسياسة الاستحمار العام. إذ كيف سينتفض ضد واقع البؤس والبطالة والقمع من سلبت منه إرادته وبٍٍُلد حسه وغرق حتى النخاع في الفساد والرذيلة. وبهذا يضمن المخزن أيضا ألا تكون هذه الأجيال وقودا للتحركات الاحتجاجية ضد استبداده. أما ثانية الغايتين التي يسعى وراءها المخزن فهي إنتاج أجيال من المغاربة بعيدين كل البعد عن دينهم ومعتقداته الإسلامية متشبعين بقيم الحداثة الإستلابية منغمسين في السلوكات البهيمية الشهوانية غارقين في الحياة الاستهلاكية فلا أذن لديهم تصغي لنداء التوبة إلى الله أو التطهر من الرذائل بله التهمم بواقعهم وبشؤون أمتهم. بكل بساطة يريدون جيلا فقد بوصلة حياته والجدوى منها مما يجعل المهمة التربوية والتغييرية التي تباشرها الجماعة مستحيلة أو على الأقل إبطاء مفعولها وتأخير أثرها. هكذا طموح المخزن و سدنته، وهذا ما يفسر مسابقته للزمن قصد تطبيق هذا المخطط الجهنمي.

6 / الحرب على الجماعة خارج المغرب

لم تقتصر مواجهة المخزن لجماعة”العدل والإحسان” على المغرب وحده بل تجاوزته إلى خارج نطاق حدوده. وقد أوردت وسائل الإعلام المحلية والأجنبية خبر هذه الحرب خارج الحدود في مناسبات عديدة كان أبرزها اعتقال السلطات الإيطالية في السنة الماضية لثلة من المنتسبين لمدرسة “العدل والإحسان” بتهم واهية تراجعت عنها بعد ذلك. فالمخزن مرعوب بشكل كبير كن امتداد خطاب “العدل والإحسان” خارج المغرب وانتشاره في العالم ككل واستقطابه لمتعاطفين من كل الجنسيات وفي معظم البلدان وتبني الكثير من المنظمات والجمعيات للتصورات الفكرية والتربوية لهذه المدرسة التجديدية.لأجل ذلك تركز مواجهته للجماعة في الخارج على مستويين:

استغلال الفرص للتحريض ضد “العدل والإحسان” و دفع الحكومات الأجنبية للتضييق على أنشطة المتعاطفين معها

وهو ما أظهرته بوضوح الاعتقالات التي تمت بإيطاليا. يضاف إلى ذلك الأنباء التي أوردتها بعض الصحف ومنها ما ذٌكِر مؤخرا عن انشغال أجهزة المخابرات الإسبانية بمتابعة ورصد أنشطة المتعاطفين مع مدرسة “العدل والإحسان” بإسبانيا. وإذا كان أثر هذا التحريض ضعيفا بسبب مناخ الديمقراطية واحترام القانون السائد في أوروبا خاصة فإن المخزن لم ييأس ولازال يصر على التحريض عله يحضا بانتصار هنا أو هناك

إعادة تنظيم وتفعيل الحضور المخزني الرسمي وسط الجالية المغربية بالخارج دينيا وسياسيا

وفي هذا الصدد تم وضع سياسات وتفعيل مؤسسات مثل وزارة الهجرة وتأسيس أخرى مثل المجلس الأعلى للمغاربة المقيمين بالخارج بهدف استيعاب جمعيات ومنظمات المهاجرين وربطها بالمؤسسات المخزنية الرسمية وتسخيرها لخدمة مصالح النظام وتحييدها عن إمكانية التنسيق أو الاندماج مع الجمعيات المنتسبة لمدرسة “العدل والإحسان”. كما يندرج في هذا السياق أيضا رعاية أنشطة الهدف منها تسويق شعارات المخزن وسط الجالية وتجديد روابط ولاءها للمخزن. ومن هذه الأنشطة ما يرتبط بالشأن الديني سواء على مستوى التأطير أو التمثيلية داخل مؤسسات بلدان المهجر.

على سبيل الختم

قد يفترض القارئ لهذا المقال أنه بني على منطق نظرية المؤامرة وأن الكثير من إجراءات المخزن وسياساته تندرج في نطاق التدبير السياسي العام لشؤون البلد وأنها ليست بالضرورة موجهة ضد جماعة “العدل والإحسان” خصيصا لأنها بكل بساطة موجودة لدى غالبية الحكومات والأنظمة في العالم. قد يكون هذا الافتراض صحيحا إذا كنا تتعامل مع حكام يتصرفون بمنطق رجال الدولة والمؤسسات لا بمنطق الخصوم السياسيين لكل من يعارض اختياراتهم وأفعالهم. نحن هنا بصدد نظام يمثل الاستبداد جوهر حقيقته والأساس الفعلي لمشروعيته. نظام متمحور حول ذاته همه الأوحد استمرار وجوده وسطوته على رقاب المغاربة. نظام جمع بين القهر السياسي والاحتكار الاقتصادي لخيرات البلد والتحكم في كل مفاصل الحياة العامة. نظام لا يقبل له معارضا أو ندا أو مشككا في شرعيته فهو لا ينفتح على خصومه إلا ليذلهم ويخضعهم و يصهرهم في كيانه.

ثم إن كثيرا من الاستنتاجات الواردة في هذا المقال ترتكز على العديد من الوقائع والشواهد الحقيقية غير أن الرغبة في الاختصار والخوف من إرهاق القارئ حال دون ذكرها. يضاف إلى ما سبق أن المتابع للواقع المغربي بإمكانه أن يرصد الكثير من التعليقات والتحليلات التي تتفق مع ما تم إيراده في هذا المقال.

وبشكل عام يمكن القول أن غاية هذا المقال أن يعطي تفسيرا ممكنا لمظهر كبير من مظاهر الصراع السياسي في المغرب خاصة في العهد الجديد وتقريب فهمها من القارئ والمهتم والمواطن البسيط معا. ويخلص إلى أن حرب المخزن ضد جماعة “العدل والإحسان” هي حرب استئصالية شاملة، حرب مشروع ضد مشروع، مشروع الاستبداد ورديفه الفساد ضد مشروع العدل والشورى والإحسان.