حين تُسفر الدولة الأمنية عن وجهها تتغلب الآلة على الإنسان والقمع على الحرية والسيف على الكلمة والجلاد على الضحيَّة، تُغتال الكرامة في واضحة النهار ويُجلد الشرف على رؤوس الأشهاد ويُصلب الحس على طاولة التخويف ويُشنق الشعور على مقصلة التعذيب، يَطرد الظلمُ العدلَ والاستبدادُ الديمقراطيةَ والقبحُ الحسنَ والبشاعةُ الجمالَ. والويل لمن ينبس ببنت شفة أو يفكر في ذلك أو ينوي.

وحين يَتسيَّد العقل الأمني على حساب السياسي ويتغوَّل أصحاب العضلات على أولي الألباب فأبشر بخراب العمران والحضارة، ودوس الإنسان والقيم، وانهيار الدولة والمجتمع.

في المغرب دولة أمنية تحكم الدولة والمجتمع، تقود بشكل غير مباشر عبر أدوات “الدولة الديمقراطية” ومؤسسات “الدولة الحديثة”، فتَعملُ في صمت وتَتكَّلمُ من وراء حجاب وتُوجِّهُ عبر الهاتف وتتحكَّمُ عن بعد، لكنها تظهر إلى العلن حين لا تستوعب تلكم الأقمشة طبيعة الفعل القمعي وحجم السلوك السلطوي، فتستبيح البلاد والعباد غير آبهة بأي ضابط قانوني أو أخلاقي.

المغرب بين الدولة الديمقراطية والدولة الأمنية

اجتهد “العهد الجديد” في تسويق صورة جيّدة عن نفسه، محترمة حقوقيا ومقبولة اجتماعيا، وكان لذراعه الإعلامية الدور الأبرز في تسويق وهم الانتقال من “قديم” إلى “جديد” ومن ملكية “تقليدية” إلى ملكية “شابة”، فرُفِعت خلال السنوات الأولى من هذا العهد كثير من الآمال (أُسميها أماني)، ودشن صُنَّاع المشروع الديمقراطي الحداثي عددا من الأوراش الاجتماعية والحقوقية والسياسية لاستكمال “الطبخة الديمقراطية” و”التنمية المستدامة”.

وحين علا هتاف وتصفيق العديد من القوى الطامحة منها إلى مغرب أفضل أو الطامعة في مكرمات السَّدنة الجُدد للمعبد القديم، كانت جماعة العدل والإحسان من القلة التي حذرت من شكلية وبروتوكولية الإجراءات ما دامت لم تمس جوهر النظام، وما دامت لم تُفكِّك وتعيد تركيب أسس الحكم على ركائز الشرعية والمشروعية (مذكرة إلى من يهمه الأمر)، وما دامت “الثعالب العجوزة” حافظت على نفوذها وصلاحياتها (دعك من إدريس البصري الذي أطيح برأسه “كبشا”) إذ سرعان ما ستستأنف مشروعها التحكمي في البلاد التدميري لثروته القيمية والمادية.

وفعلا سرعان ما بدأت الشكوك تحوم حول جدية الخطاب الرسمي للدولة، حين أصبحت الأخطاء الأمنية المحلية هنا وهناك خطة أمنية مركزية ممنهجة طالت العديد من الفئات الاجتماعية والسياسية حتى المثقفة منها والمعتدلة، وتعززت الشكوك بالريبة حين تأخَّرت ثمار “المشاريع المفتوحة” وأَخْلَفَت مواعيدها مع أَصْيافِ وصُيُوفِ وصِيَفِ الحصاد، السنة تلو الأخرى، لنصبح أمام سنواتٍ عجافٍ تنمويا واجتماعيا وعقدٍ عقيمٍ سياسيا وحقوقيا.

ولا أظننا سنجد كبير عناء اليوم، على خلاف المرحلة الأولى للعهد الجديد، لنستدل على ملامح وحقيقة وجود الدولة الأمنية المتحكمة في كليات وجزئيات المغرب، بدءًا من التحكم في صناعة خرائط سياسية ومؤسسات رسمية على مقاس الضبط ومرورا بتسليط سيف القضاء والتشهير على الصحفيين والحقوقيين والعصا الغليظة على المعطلين والإسلاميين والمعارضين وليس انتهاء بسلخ سكان مدن بأكملها كما وقع في سيدي إفني أو جلد النساء السلاليات في واحدة من أقبح أفاعيل العهد الجديد.

بعد عشر سنوات من “العهد الجديد” لن أقول بأن الدولة الأمنية تغلبت على الدولة الديمقراطية في المغرب، إذ التغلب يَشِي بأنَّ النيَّة كانت منعقدة والرغبة صادقة في الانتقال بالمغرب من ماضي سنوات الرصاص إلى حاضر الحرية والكرامة ولكن عقبات “الثعالب العجوز” و”ثقل الماضي” و”ضغط الخارج” حالت دون ذلك، وهو المعنى الذي كان غائبا تماما، بل إن الدولة الأمنية انكشفت ولم تستطع إخفاء ملامح وجهها القبيح كلُّ مساحيق المشاريع التنموية ومبادرات الإنصاف والمصالحة والانتظام في مواعيد الانتخابات التشريعية والجماعية وإقالة بعض رموز مرحلة الحسن الثاني…. وغيرها من “توابل” الانتقال/الاستمرار الذي ورث فيه “العهد الجديد” عقلية ورجال وآليات الدولة الأمنية من “العهد القديم”.

العقل الأمني حين يَتَسيَّد

في تلك الزوايا المظلمة المحاطة بالغموض اللازم، وحين كان معتقلو العدل والإحسان السبعة يعذبون في مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية لثلاثة أيام متواصلة، عبَّر أحد “ماكينات” التعذيب عن حقيقة النظام السياسي المغربي بقوله إن “وزراء وجنرالات مروا من هذا المكان واعترفوا وأهينوا” وذكر منهم الوزير الأول السابق إدريس جطو!. وحين كان زوار الليل يَخرقون كل المساطر والقوانين والأخلاق ويُروِّعون أهالي المختطفين السبعة سُئلوا عن هويتهم وإِذْن الاقتحام والاعتقال أجاب أحدهم صادقا “نحن فوق وكيل الملك وفوق القانون، ويمكننا فعل أي شيء”.

إنها بعض من المشاهد الواقعية التي تكشف المدى البعيد الذي وصله تَسيُّد العقل الأمني القمعي في بلد تَدَّعي قيام المؤسساتِ والقوانينِ واحترامَ حقوق الإنسان قولا وشعارا، لكنها تعيش حقيقة وواقعا سنوات جمر ورصاص ومقرات تعذيب واعتقال ومحاكمات ظلم وطغيان ونظام استبداد وديكتاتورية وهيمنة أجهزة أمنية على مجريات السياسة وحياة المجتمع.

ولأن دولتنا الديمقراطية من ورق، ليس إلا، وطيف حالم في خيال واهم، إذ لا سلطان لها على تصرفات وخطة وهياكل وميزانية ورجال الدولة الأمنية، فإن مطالبات ومراسلات الجمعيات والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية للوزير الأول ووزيري العدل والداخلية وطرح الموضوع من قبل الفريق الاشتراكي في البرلمان –وهذه جميعا بعض رموز دولة المؤسسات والديمقراطية! –لم تقابل، بعد مرور قرابة الشهر، بفتح تحقيق رسمي يَعقُبه متابعة المسؤولين عن هذا العمل الشنيع ولا منفذيه، ولا أظننا سنسمع عن ذلك أبدا لأن الجهات الأمنية وخلاياها وهياكلها وخططها ومقراتها وآلياتها وموقعها منَ النظام أعمق تجدرا وأكثر نفوذا في دولة المخزن من وَهْم مؤسسات الدولة الديمقراطية.

ولعله مخطئ من ظنَّ أن محاكمة المعتقلين السياسيين الستة ضمن خلية بلعيرج ستعرف تغيرا نوعيّا وانعطافا حقيقيا نحو الحل العادل، وذلك حين استقبل وزير العدل “محمد الناصري” عائلات المعتقلين ووعدهم بالتدخل لإعادة النظر في الملف، إذ تابعنا في الجلسة التي تلت هذا الوعد كيف تعاملت النيابة العامة وهيئة الحكم مع مطالب المعتقلين وهيئة الدفاع، ليندهش الجميع من “التعارض” في مجريات المحاكمة بين وعد “الجهات الرسمية” ووعيد “الجهات النافذة”، قبل التصديق على الحكم الظالم بعشر سنوات سجنا نافذا، ولكنه في الحقيقة ليس تعارضا بل أحد تجليات هيمنة الدولة الأمنية من وراء الستار وتحكم الأجهزة المخزنية النافذة عن بعد، إذ يمكن للوزير أن يَقول ويَعِد بما شاء لكن الكلمة الأقوى والأنفذ تبقى لمن هم فوق الوزير نفسه وإن كانوا بعيدين عن مراكز القرار الوهمية في المؤسسات الشكلية.

ليست هذه الهيمنة ولا هذا التحكم حاضران فقط في الملفات السياسية، بل وفي الاجتماعية والحقوقية وسائر مستويات عيش المغاربة أيضا، فهؤلاء الطلبة المعطلون أصحاب الشواهد العليا ما تزال اللغة المعتمدة في التعامل مع ملفهم ومطالبهم هي العصا والتعنيف والإرهاب، وأولئك النسائيات السلاليات تعرضن في واضحة النهار وفي الشارع العام لتدخل وحشي شرس أكد بحق مغرب “حقوق المرأة”، وقبلها تعرضت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان للتعنيف والقمع لمجرَّد استقبال طفلة فلسطينية في مطار الدار البيضاء من أجل التطبيب والعلاج، وتلك مدن بأكملها تعرَّضت للعقوبة الجماعية لأنَّها طمحت للعيش الكريم، وهذا عبد الحميد أمين ملقى به تحت أحذية قوات التدخل السريع يتلقى الضربات، وبجانبه عبد الرحمن بن عمر أحد أكبر المغضوب عليهم رسميا، وهنالك المهدي المنجرة ملقي بجانب هامش النسيان، وبإزائه عشرات الباحثين والأكاديميين النزهاء الشرفاء، وتلك ندية ياسين ممنوعة من حقها في التأطير الأكاديمي والعلمي في جامعات ومرافق البلد، وبمحاذاتها رشيد غلام يُغرِّد مرغما خارج الوطن، ومعه أحمد السنوسي يُزَخرِف الكلمات الساخرة الهادفة في الفضاءات الخاصة بعد حرمانه من الفضاءات العامة، وهنالك الكثير من الصحفيين والحقوقيين المُرْغَمين على المرابطة بساحات المحاكم بدل مكاتب الإنتاج والتأليف والإبداع…. وفي الأحياء والشوارع والدروب يسكن الخوفُ المواطنَ البسيط فيشعره بالرهبة وهو يدخل مصلحة إدارية أو أمنية، فكيف إن اختطفته أيادي المخابرات التي لا حسيب لها ولا رقيب.

إنها الدولة الأمنية المخزنية حين تُسفر عن وجهها وينكشف عنها طِلَاء “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان” و”العهد الجديد”.