أعرفه عن قرب وبعض من معه، رجل ونعم الرجل لو كان من أمثاله في أرض الله الواسعة فِئام لكانت الدنيا في خير عميم وسلام عظيم.

أعرفه أبا بارا حنونا يحرص الحرص كله على تربية أولاده على أجمل الخلال وأكمل الخصال، يبادلونه حبا بحب وبرا ببر. باركهم الله الكريم.

أعرفه زوجا عطوفا خيِّرا يصدق عليه حقا قول الحبيب الأكرم صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”.

أعرفه ابنا بارا حريصا الحرص كله على الإحسان إلى والديه، رحمهما الله، وإكرامهما وهما يدثرانه بلباس المحبة ويهبانه تاج الرضا وماتا وهما على ذلك.

أعرفه أخا طيبا خدوما حريصا على صلة الرحم ولم الشمل والحفاظ على لحمة العائلة، لا يخيب من قصده ولا يضام من سأله.

أعرفه متيما بربه سبحانه، دائم الشوق لرسوله صلى الله عليه وسلم، وبين المحبة والشوق حرص على الطاعة والاستجابة لله ولرسول الله، عليه سلام الله، والنصرة لدينه.

عرفته عابدا متبتلا وداعية رفيقا لا يخاف في الله لومة لائم. لا يعرف الغل ولا الغش إلى قلبه سبيلا، صفاء في الذكر وانجماع في الهمة. يحسن إلى الصغير والكبير والبر والفاجر، يتمثل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع المعروف إلى كل بر وفاجر”، ما أن يقبل زائرا حتى يلتف حوله الصغار لما عهدوه منه من محبة وإكرام وملاعبة وتصابي.

تغشى بيته وكأنك على مشارف مسجد يذكر فيه اسم الله كثيرا، صفاء ونقاء وطمأنينة وكرم وإخاء.

هذا بعض وصفه وأثرة من شيمه. ولا أزكي على الله أحدا أحسبه.

خلال متمثلة فيه وفي كل إخوته اليوسفيين ممن معه في سجن الظلم والقهر والعدوان بشهادات الكبار والصغار، والصديق والجار.

خصصته بالذكر لعمق معرفتي به وبأهله، كما أعرف عن قرب ذاك الذي كان لي زميلا في درب التربية والتعليم، لطف وأدب وبر وإحسان، وجدية وإتقان للعمل مع محبة للمتعلمين راسخة وحرص أكيد على مصالحهم حتى لربما بذلوا الأنفس والمهج فداء لإخلاصه.

إن أضفت كلمة في حق هؤلاء البررة لوقعت في تكرار للأقوال مبين. هم أغصان متفرعة من شجرة واحدة مباركة، بل هم أشجار مباركة من دوحة منيفة غراء. إنهم تربوا كلا في حضن واحد، وشربوا من معين واحد. رضعوا البر وألبان التقي من أثداء أمهاتهم الصامدات، واقتبسوا أنوار الصلاح والاستقامة والإحسان والتهمم بالأمة من صحبة بر وخير. و“المرء على دين خليله”.

أخط هذه الكلمات وفي نفسي أسئلة غزار منها:

إذا زج الوطن بصفوة أبنائه في غياهب السجن وظلمات المعتقل فمن يبقى خارج الأسوار البئيسة الشاهدة على ظلم من اختطف واعتقل؟

هل هذا الوطن الذي نشرب ماءه وننبت في تربته غني عن أبنائه الذين يتهمَّمون له، ويقضون زهرة شبابهم في الذوذ عنه والحرص على تقدمه ورقيه؟

آه عليك يا وطني إذ انقلبت فيك الموازين، واختلطت فيك المعايير، وأصبحت تُكْرم من يُذلك، وتذل من يكرمك ويفنى في هواك ويطمح في مجدك ويتحمل الأذى من أجل أن تحيى منصورا وفي الملإ الأعلى مذكورا.

أعدوا جوابكم أيها الجاثمون على رقاب أبناء وطني ليوم ترى الوِلدان شيبًا يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

أعدوا جوابكم لله الحسيب عن كل شريفة عفيفة مُست عفتها بكلماتكم النابية.

أعدوا الجواب عن كل أم خطفت فلذة كبدها فمكثت تدعو وعين الجبار القهار لم تنم.

أعدوا الجواب عن أهالي هؤلاء الأفذاذ الذين تجرعوا غصص عنفكم كأسا أمر من كأس حين اختطفتم وعذبتم.

احذر يا وطني أن تكون سجنا كبيرا مليئا بالفضائح والقبائح متعمدا تكميم الأفواه.

أما أنتم أيها الساكتون من أبناء وطني فاعلموا أنما أكلتم يوم أوذي أبناء وطنكم الأحرار الموقنون بقول الله تعالى المولى النصير: لن يضروكم إلا أذى.