مرة أخرى تكون جماعة العدل والإحسان هدفا لعدوان مخزني غاشم، وغرضا لظلم مقيت من خلال عملية غاية في الخسة والنذالة.

ومرة أخرى تشاء الأقدار الإلهية أن تكون جماعة العدل والإحسان وسيلة إيضاح لفضح مزاعم ما يسمى “بالعهد الجديد”، وما يعنيه طي صفحات الماضي السود. فها هو الاختطاف يعود من جديد، وهاهم زوار الفجر يرجعون إلى نشاطهم المعهود، وها هو اقتحام البيوت، وترويع النساء والأطفال والجيران، والسطو على ممتلكات النساء بغير وجه حق، وغير ذلك من الممارسات اللاقانونية والاأخلاقية ترتكب جهارا نهارا ، دونما اكتراث برأي عام لا محلي ولا دولي ، ودونما خوف من إدانة حقوقية أو ملاحقة قانونية، أو متابعة أمام محكمة محلية أو دولية.

ومرة أخرى تكون العدل والإحسان سببا في تحريك المياه الآسنة، والتنبيه على حجم الفساد المستشري، والممارسات المستخفة بكرامة الناس، وتهافت المؤسسات المنتصبة زورا لتجميل وجه الاستبداد الكالح، وإخفاء العبث الذي ينخر في دواليب الحكم.

ترى ما الذي حصل حتى يستنفر ما يناهز السبعين أو الثمانين فردا، ويقطعون أكثر من 300 كلم، من البيضاء إلى فاس للقيام بالعملية “س” بنجاح والعودة إلى قواعدهم بالعاصمة الاقتصادية سالمين غانمين مظفرين؟!

فهل يتعلق الأمر بمجرمين روعوا البلاد والعباد، وأخافوا الصغار والكبار، وقد تم البحث عنهم طويلا قبل التمكن منهم أخيرا في هذه العملية المظفرة التي تنم عن يقظة عالية وكفاءة فائقة لما يسمى بالفرقة الوطنية للشرطة القضائية!

أم يتعلق بعصابات تنشر البغاء، وتتاجر في اللحوم البشرية، ضحايا البؤس ونظام مفلس، وتجعلها في متناول شداد الآفاق والأنذال من كل جنس، حتى أضحت سمعة المغاربة في الحضيض، وقد يتردد الشريف العفيف خارج بلده أكثر من مرة قبل أن يفصح عن هويته المغربية.

أم أن الأمر يتعلق بشبكة خطيرة تتعاطى المخدرات وبأصنافها القاتلة المحلية والمستوردة، وتروج لها في أوساط الشباب وحتى بين الأطفال حتى كاد أن يتحول كثير منهم إلى حطام بلا أمل ولا طموح؟

لا، لا، إنما الذي وقع، وفي تقدير بعض المسؤولين على الأقل، أجل من ذلك وأخطر.

وتتلخص النازلة، كما أجملتها بإحكام وكالة المغرب العربي للأنباء بعدما افتضح خبر اختطاف الإخوة السبعة أن محاميا بهيئة فاس سجل شكاية تقول إنه تعرض للتعذيب النفسي والجسدي والعقلي بعدما صرح برغبته لمسؤؤلين في الجماعة بفاس برغبته في تقديم استقالته من العدل والإحسان، وبأنه تعرض للتهديد بالقتل إن لم يتراجع عن الاستقالة ! ! !

ألا لعنة الله على الكاذبين.

لا نريد أن ندخل في مناقشة هذه الرواية السخيفة، لكن السؤال الأهم هو لما يا ترى تعاملت الأجهزة الأمنية مع هذه القضية هذا التعامل الاستثنائي الفريد؟!

لنفرض جدلا أن هناك شكاية حقيقية، بمعنى أن صاحبها قد تقدم بها بمحض إرادته وبعدما مر على الواقعة حسب روايته شهر ونصف تقريبا، فهل كل من اشتكى أو ادعى تسلم له دعواه وتؤخذ على أنها الصدق الذي لا يرقى إليه أدنى شك؟ ولم لا يتعامل بنفس الطريقة مع المئات بل الآلاف من أمثال هذه الشكايات، أم أن وراء الأكمة ما وراءها ؟!

ولنفرض ، من باب فرض المحال، أن مضمون الشكاية صحيح، فهل كان ذلك يقتضي هذا السعار الذي تمثل في اقتحام البيوت عنوة وفي الترهيب والسطو على الممتلكات واختطاف الناس حفاة وشبه عراة؟ وما الحكمة في أن يدخل أحدهم المرحاض ويطلي بغائطه الجدران؟ فهل هذا جزء من الإجراءات المصاحبة التي يتعين القيام بها لتنفيذ “واجب وطني”؟

ورب مجادل يقول إن “الضحية” في النازلة المعروضة على التحقيق اليوم ليست شخصية عادية، وإنما هو محام بهيئة فاس، وربما لأجل هذه الحيثية كان التعامل مع شكايته بهذه الجدية النادرة. ولنفرض جدلا أن الأمر بهذا الاعتبار، رغم ما يترتب عنه من تمييز غير مقبول في التعامل مع شكايات المستضعفين وشكايات ذوي الحيثيات الاجتماعية المحترمة، فلماذا لم تتبع المسطرة ذاتها مع محام آخر، غير بعيد من فاس، قطع هو وزوجه إربا إربا، ورغم فظاعة الجريمة وبشاعتها، فإنها لم تحظ بمثل العناية التي حظيت بها شكاية هذا المحامي الشاب المحترم؟

لا شك أن الذين تابعوا هذه القضية ستنتابهم الحيرة وتثور في أذهانهم تساؤلات كثيرة لمعرفة الدوافع الحقيقية وراء هذه النوبة الجنونية تجاه الجماعة وما رافقها من ممارسات غاية في الهمجية والخسة.

وأيا ما كان الأمر فإن الشيء المؤكد هو أن النظام، أو النافذين فيه، قد أعيتهم الحيلة، واستنفذوا كل الوسائل الشيطانية لاختراق تنظيم متماسك بفضل الله وقوته، وفشلوا في التسلل إلى المواقع القيادية للجماعة، ليس للاطلاع على ما يجري في الداخل، فنحن نعلم أن هذا ميسور نظرا لما أصبحت توفره التكنولوجية المعاصرة من وسائل متطورة، وإنما بغرض التأثير على توجه الجماعة أو صرفها على خطها الأصيل، أو الزج بها في مواقف تناقض مبادئها، ومن تم توفير الذرائع للإجهاز عليها.

ويبدو أن الإحساس بمرارة الفشل هذه المرة كان قويا، لا سيما و أنهم ربما كانوا يراهنون على صاحبهم ويؤملون منه كثيرا. وربما ساقهم إلى هذه المراهنة، وقوى فيهم هذا الأمل أن صاحبهم كان يضخم إنجازاته، ويبالغ في تقاريره، ويسوق لهم أوهاما كثيرة، لا يدرون أنهم كانوا يعولون على ” الخوا “، وأنه هو وأمثاله كثيرا ما نتركهم يلعبون ” تحت” ونراقبهم عن بعد، وربما أمهلنا بعضهم طويلا، حتى إذا انتهى المقصود من الإمهال،، سرحناهم سراحا جميلا، وبأسلوب غاية في اللطف والمروءة، لأننا نعتبرهم هم أنفسهم ضحايا، وبعضهم قد يكون استدرج استدراجا ولم يكن يدري أنه سيطلب إليه الاصطياد في المياه العكرة أو القيام بأعمال قذرة. لذلك فنحن نسترهم، وها هم أصحابهم يفضحونهم، ونشفق عليهم، وها هم الذين استغلوهم يقسون عليهم ويكشفونهم على رؤوس الأشهاد ليجتمع بذلك خزي الدنيا وخزي الآخرة على من كان عونا للظلمة الذين آذوا المومنين وعذبوهم وأهانوهم ظلما وعدوانا.

إن هذا التصرف الطائش من قبل أجهزة النظام وهذه الهمجية التي تعرض لها الإخوة المعتقلون في فاس وعائلاتهم لتؤكد مرة أخرى، إن كان الأمر يحتاج إلى تأكيد، أن دولة المخزن هي هي لم تتغير، وأن المساحيق التجميلية التي استنجدوا بها لم تجد نفعا، بل سرعان ما تبخرت وانكشف للناس أن العقلية التي كانت تحكمنا منذ عقود بل قرون لا تزال هي هي لم تتبدل وإن تبدلت الوجوه.

لا نستغرب إذن مما يقع، وكيف نستغرب ونحن نقرأ في السنة النبوية المطهرة أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد وصف نظام الحكم الذي ألغى الشورى وصادر حق الأمة في الاختيار الحر بالعض والجبر. صدق رسول الله، وكذب المزورون، وإلى الله المشتكى.