5 – الواجهة السياسية:

يعتبر المجال السياسي فضاء للصراع والتنافس بين المصالح والمشاريع. لأجل ذلك حرص المخزن أن يكون دائما هو السيد والمالك لزمام الشأن السياسي بالمغرب وجعل كل الفاعلين تابعين وخاضعين لهيمنته أو محارَبين ومُهَمَشين إذا اختاروا المعارضة الحقة لاستبداده وفساده. وقد كان هذا حاله مع كل الفاعلين وضمنهم جماعة “العدل والإحسان” التي كان حظها وافرا من قمع المخزن وتسلطه. وقد ركز النظام على مجموعة الإجراءات بهدف ضمان بقاء الجماعة في حيز هامشي محدود التأثير في المجال السياسي. ومن أبرز هذه الإجراءات:

– التأكيد الدائم على شرعية النظام المخزني ومشروعيته

ويوظف المخزن لهذا الغرض آلته الدعائية بقوة قصد تعميم ثقافته السياسية كما يسخر الفاعلين السياسيين والاجتماعيين المشكلين لنخبته للقيام بنفس الشيء. فمعظم الخطب الملكية تركز على هذا المبدأ كما أن أنشطة الأحزاب السياسية والمنظمات الرسمية لم تخرج عن نطاق هذه المهمة. ولعلّ ما يبرّر هذا الحرص من النظام على تأكيد مشروعيته السياسية هو إدراكه أن الجماعة تنازعه في أسس هذه المشروعية وتتبنى خطابا معارضا لها يلقى صدى متناميا في الشارع العام بسبب معايشة الناس للفرق الهائل بين ادعاءات المخزن وحقيقة ممارساته في الواقع.

– احتكار القرار السياسي

في المغرب، كما هو الحال في كل الأنظمة الشمولية، يعتبر النظام السياسي المصدر الأساس والوحيد للبث في القضايا الكبرى والمصيرية فكل الملفات السياسية بيده ولا يسمح لأي فاعل، مهما بلغت قوته، أن يشاركه بله أن ينازعه في تدبيرها إلا إذا كان يتصرف من موقع التابع المخلص المنفذ للتعليمات فقط. ويظهر هذا جليا في تعطيل الوظائف الحقيقية لمؤسسات الدولة وحصرها في نطاق الصلاحيات الصورية التي يتحدد دورها في تأثيث المشهد المؤسسي لإعطاء انطباع كاذب بوجود ديموقراطية بشروطها ومقتضياتها. فالبرلمان والحكومة والقضاء ليست إلا مؤسسات شكلية فارغة المعنى تأتمر بأمر سيدها المخزن. كما يتجلى هذا الاحتكار أيضا في تدبير القضايا الكبرى والمصيرية كقضية الصحراء والتنمية البشرية وغيرها، والذي يعلم الجميع أن القرار فيها هو من اختصاص الدوائر الضيقة للنظام. ويدخل في النطاق كذلك تطويق المجال السياسي بالمزيد من المؤسسات السيادية الموازية للمؤسسات الرسمية للدولة (خاصة في المجال التنفيذي) وتتكفل كل منها بملف، فهذا المجلس الأعلى للتعليم وهذا المجلس الاقتصادي والاجتماعي وهذا المجلس العلمي الأعلى وقِسْ على هذا المنوال…

وقد يفسر إصرار المخزن على احتكار القرار السياسي حرصه على تحقيق هدفين: أولهما فرض سطوته على المجالس السياسي والتحكم في كل مداخله ومنابع التأثير فيه ثم فرض اختياراته وقراراته بلا منازع. وثانيهما ضبط سلوك القوى السياسية وتوجيه فعلها وحصره ضمن سياج التفسير والتبرير لمواقف المخزن وقراراته وتطويق القوى المعارضة وجعلها جزءًا من الديكور السياسي لا غير.

وإذا كان احتكار القرار السياسي من قبل المخزن موجها ضد كل القوى السياسية خاصة المعارضة، فإن التركيز والإصرار عليه في ظل العهد الجديد يجعله موجها أساسا ضد القوة المعارضة الأبرز الآن والتي بقيت صامدة ومتشبثة بمواقفها وتصوراتها، وهي في هذه الحالة جماعة “العدل والإحسان”. فثبات الجماعة على خطها السياسي رغم طوفان القهر والعنف المخزني الموجه ضدها ربما جعل هذا الأخير يقتنع بحتمية كونها لاعبا سياسيا أساسيا في المغرب لا مناص من إدماجه. لذا يعمل المخزن جاهدا على تسييج المجال السياسي حتى إذا أكره على السماح للجماعة بالعمل السياسي العلني لن يعدو دورها ما تقوم به باقي المكونات السياسية مما يفرغ مشروعها من مضمونه وجوهره ويكيفه لخدمة مشروع المخزن ومصالحه.

– محاولة خلق إجماع وطني حول النظام المخزني

في الحقيقة لقد عمل المخزن باستمرار على تحصين نفسه من تهديد معارضيه بهذه السياسة. وقد برز هذا بشكل واضح في بداية السبعينات من القرن الماضي حين ابتدع قضية الصحراء وفرض على الفاعلين السياسيين آنذاك تجميد الصراع السياسي لتحقيق إجماع وطني حول الملكية قصد التفرغ للتصدي لهذه القضية المصيرية. كما يدخل في هذا النطاق أيضا مطالبة الملك الراحل للنقابات بتجميد مطالبها ونضالها قصد تحقيق ما سماه بالسلم الاجتماعي الذي يفترض أن يساعد في مواجهة التدهور العام الذي يشهده المغرب والذي وسمه بالسكتة القلبية. أما في العهد الجديد فقد حرص المخزن على تحييد معظم المعارضات الفاعلة وإدماجها في نسيجه السياسي بكل الأساليب وخاصة الإغرائية منها. كما بذل جهودا مضنية لإظهار حدوث تحول إيجابي في ممارسته للحكم من خلال رفع شعارات براقة مثل العهد الجديد والمفهوم الجديد للسلطة وإحداث تغييرات في بعض خدامه. يضاف إلى هذا حرصه على جعل محطة الانتخابات فرصة لتحقيق هذا الإجماع وخاصة الانتخابات التشريعية الأخيرة التي استطاع المخزن أن يستقطب لها كل الفاعلين السياسيين ماعدا جماعة “العدل والإحسان” وتنظيم سياسي آخر.

إن المخزن لا يثق أبدا في أيٍ من القوى السياسية سواء كانت موالية أو معارضة، لأجل ذلك نجده يفرض عليها باستمرار بذل كل الجهود لإثبات حسن نيتها تجاهه من خلال مزيد من الرضوخ يصل حد التماهي المطلق مع اختياراته وقراراته وإلغاء الذات وصهرها في بوتقته. وهو بهذا يضمن عدم انقلابها على مشروعيته فضلا عن تهميش كل قوة معارضة وخنق تحركها وفعلها. لقد أصبحت سياسية الإجماع الوطني وسيلة لإظهار جماعة “العدل والإحسان” بمظهر الخارج عن الشرعية والإجماع السياسي مما يبرر قمعها والتنكيل بها في محاولة لإرغامها على التنازل عن مواقفها المعارض لاستبداد المخزن وفساده.

– ملء الفراغ في المجال السياسي ومحاولة إعطاء مصداقية للتحركات السياسية للمخزن

إن أخطر ما يواجه أي نظام سياسي أن يجد نفسه في مواجهة معارضة قوية ذات مصداقية وامتداد جماهيري وجها لوجه في مجال يغيب فيه تأثير القوى المساندة لهذا النظام والمزكية لمشروعيته. ويتخذ الأمر بعدا أخطر حين يكون هذا النظام مستبدا وفاسدا وتكون المعارضة نزيهة وشريفة وحاملة لمشروع يجذب إليها الانتباه والتعاطف كما هو الحال في المغرب بين المخزن وجماعة “العدل والإحسان”. ولعل هذا ما يفسر التخوفات الكثيرة التي أفصح عنها الملك الراحل في سنوات حكمه الأخيرة ومطالبته بضرورة إعادة تشكيل المشهد السياسي وخلق دينامكية فيه تكون قادرة على مواجهة الجاذبية الإستقطابية التي تتميز بها الخطابات المعارضة وعلى رأسها الخطاب السياسي “للعدل والإحسان”. لأجل ذلك حاول المخزن تفعيل أدوات تحكمه وخاصة الأحزاب السياسية ومدها بكل الإمكانات لاستقطاب الفئات الشابة. وأمام إدراك سدنة العهد الجديد لمدى ترهل الطبقة السياسية وبعدها عن الشرائح الاجتماعية وعدم قدرتها على مجارات حيوية وفاعلية الخصم السياسي، كلفت صديق الملك بمهمة إعادة الحياة للجسم المخزني المترنح. فمن الخطر أن يكون هناك فراغ سياسي يستثمره الخصوم للتمدد والانتشار بل لابد من وجود لاعبين سياسيين كثر تعطي المصداقية للنظام وتشغل الرأي العام بضجيج تحركاته و إيهامه بجدواه ونفعه.

– حرمان جماعة “العدل والإحسان” من أدوات الفعل لتأثير والمشروعية السياسية

منذ تأسيس الجماعة حرص المخزن جاهدا على إظهارها بمظهر الخارج عن الإجماع والمشروعية. كما قرر مبكرا حرمانها من كل أدوات الممارسة السياسية وفي مقدمتها المنع من امتلاك حزب سياسي وقنوات التأثير الجماهيري وأهمها المنابر الإعلامية. كما لا يزال يمنعها من كل وسائل الحركة والتأثير. وقد استعرت الحرب المخزنية ضد الجماعة منذ مايو2006 حيث تم إغلاق العشرات من الجمعيات ومنع المئات منها من الأنشطة. فالحصار التام هو شعار المخزن في مواجهة “العدل والإحسان” لمنعها من اكتساب المتعاطفين والتمدد وسط الشعب، خاصة أمام انسداد الآفاق السياسية في الواقع المغربي وفشل المخزن على كل الأصعدة.