في سياق الحملة المخزنية المستعرة على جماعة العدل والإحسان، والتي دخلت عامها الخامس، لم تسلم الجمعيات التي ينشط فيها أعضاء من هذه الجماعة من الحصار والتضييق بل إنه في كثير من مناطق المغرب كان نصيب هذه الجمعيات وافرا في خرق سافر للقوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب. فما هي المبررات التي تقدمها السلطات لتصرفاتها؟ وما هي الآثار الناجمة عن هذه السياسة؟ وأية مسؤولية للمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية تجاه ما يجري؟

مبررات مخزنية عتيقة

صحيح القول إنه ليس فقط الجمعيات التي ينشط فيها أعضاء من جماعة العدل والإحسان هي التي تعاني من الحصار والمنع والتضييق، غير أن المتتبع المنصف لا يسعه أن ينكر أن الحض الأوفر من هذا التضييق موجه إلى فئة معينة من الجمعيات أكثر من غيرها هي تلك التي ينشط فيها أو يقودها أعضاء من هذه الجماعة، التي أعلنت السلطات حربا شرسة غير مبررة من جانب واحد تجاهها.

في هذا السطور، لن ننشغل بتبيان حجم هذا الحصار وبشاعته بل سنعمل أكثر على توضيح هشاشة وعتاقة المبررات المخزنية لهذه السياسة وذلك لأمرين اثنين هما:

1. أنه ليس من الضروري أن ننتظر استفحال ظاهرة الحصار – وقد استفحلت فعلا وبلغ السيل الزبى- لكي نهب للتصدي لها؛ بل حري بذوي المروءات من حقوقيين وناشطين مدنيين وسياسيين أن يهبوا للوقوف سدا منيعا ضد أي اعتداء على القانون والحريات، خاصة وأن ما تم تحقيقه من مكتسبات هشة هو ثمرة عقود ودماء غالية من أبناء هذا الشعب المغلوب على أمره.

2. كون بشاعة واتساع دائرة التعدي على القانون عندما يتعلق الأمر بجمعيات ينشط فيها أعضاء من العدل والإحسان حقيقة واقعة وجلية وسياسة للدولة معلنة، ولم يعد ذلك يخفى إلا على من يريد التعامي عن مشاهدة ما يجري أو كانت على بصره غشاوة غليظة حالت بينه وبين رؤية ما يجري؛ وهذا لا كلام معه ونسأل الله تعالى له الشفاء والعافية.

إن الحصار والتضييق الذي تمارسه السلطات المخزنية في حق هذه الجمعيات ليس له من الناحية القانونية أي مبرر؛ فالظهير المتعلق بتنظيم حق تأسيس الجمعيات الصادر في 15 نونبر 1958، رغم التعديلات التي لجأت إليها السلطات المخزنية، وكافة القوانين الجاري بها العمل، رغم ما يمكن تسجيله بشأنها من ملاحظات، لم تسعفها في تقديم أي تبرير قانوني لممارستها التعسفية والتي اتخذت أشكالا عدة تراوحت بين الحرمان من حق استعمال القاعات العمومية، خلافا لروح ومقتضيات منشور الوزير الأول رقم 28/99 المتعلق باستعمال القاعات العمومية من طرف الجمعيات والأحزاب السياسية والنقابات، وصولا إلى محاصرة المقرات وفرض حظر عملي على الجمعيات في تحد سافر لمقتضيات ظهير 15 نونبر 1958 الذي جعل حل الجمعيات من الاختصاصات الموكولة حصرا للجهاز القضائي ممثلا في المحاكم الابتدائية.

إذا كانت هذه المبررات القانونية لم تسعف السلطات المخزنية في سياستها تجاه الجمعيات، فإنها قد لجأت إلى ابتداع ذرائع ومسلكيات عتيقة من إرث القرون الوسطى من قبيل رفض تسليم وصولات الإيداع القانوني لملفات الجمعيات، سواء عند التأسيس أو عند تجديد مكاتبها بدعوى انتماء أعضاءها أو حتى واحد فقط منهم إلى جماعة “محظورة”.

إن هذه الدعوى تستدعي إبداء الملاحظتين التاليتين:

أولا: إن استعمال مصطلح جماعة “محظورة” من طرف رجال سلطة من رتب عالية كالبشوات والقياد ليؤشر من جهة على تواضع بل وضحالة التكوين القانوني لكثير من “مسؤولينا” المفروض فيهم السهر على تطبيق القانون؛ ففي التشريع المغربي المتعلق بالمجالين الجمعوي والسياسي لا وجود لتهمة أو ذريعة بموجبها يمكن إجراء أية محاسبة للجمعيات، كيفما كان شكل هذه المحاسبة، اسمها “الانتماء لجماعة محظورة”. ومن جهة ثانية فإن اللجوء إلى مثل هذه المصطلحات ينم عن استمرار تحكم عقلية التسلط وعدم احترام سلطة القضاء في الجهاز الإداري لوزارة الداخلية على الأقل؛ ذلك أن جماعة العدل والإحسان التي يشار إليها باعتبارها “جماعة محظورة” ليست كذلك بل هي جماعة قانونية وقد حكمت بذلك عدة محاكم مغربية في مختلف مستويات التقاضي بما في ذلك المجلس الأعلى للقضاء الذي أصدر عدة أحكام اكتسبت قوة الشيء المقضي به.

ثانيا: إن حرمان الجمعية من حقها في الوجود والحياة بسبب انتماء أعضائها أو أحدهم إلى جماعة أو هيئة سياسية أو مدنية يعد خرقا سافرا للعهود والمواثيق الدولية والقوانين الوطنية الجاري بها العمل التي تضمن للفرد حق الانتماء للجمعيات والأحزاب دون قيد أو شرط، بل وعدت ذلك من صميم وجوهر حرية الفرد في الاختيار والتنظيم. فالفصل الثاني من الظهير رقم 376 .1.58 ينص على أنه يجوز تأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية ودون سابق إذن بشرط أن تراعى في ذلك مقتضيات الفصل 5 المتعلقة بإجراءات مسطرية يتعين احترامها عند التصريح بتأسيس الجمعية.

لقد تبين إذن عدم مشروعية تبريرات السلطات المخزنية لما تمارسه من تضييق وحصار للمؤسسات الجمعوية التي ينشط فيها أعضاء من جماعة العدل والإحسان. لكن الأسئلة التي تتبدى منتصبة أمام المتتبع لهذا الوضع هو تلك المتعلقة بمسؤولية المنظمات الحقوقية تجاه هذه القضية.

مسؤولية حقوقية تنتظر من ينهض بها

إن الحديث عن مسؤولية المنظمات الحقوقية تجاه حالة الحصار الذي تعاني منه هذه الجمعيات ليس حديثا من قبيل المزايدة السياسية أو من باب تسجيل نقاط ضد خصم ما. فهذا، ولله الحمد، ليس دأبنا ولا نراه يمكن أن يصلح شيئا من أوضاع هذا البلد؛ ليس في هذه القضية فحسب بل في كل القضايا الوطنية. إنه حديث في جوهر رسالة هذه المنظمات ومبرر وجودها، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن قضية التضييق على العمل الجمعوي مهما كانت أفكار ومرجعية من يمارس هذا الفعل، ليست مجرد تعد على أفراد أو حتى جماعة لها توجه فكري أو سياسي معين؛ بل إن الفهم السليم لها يكمن في اعتبار ما يمثله ذلك من تعد سافر على القوانين الجاري بها العمل من طرف جهاز تحكمي لدولة استبدادية تسعى للسيطرة على كل مناحي الحياة والإجهاز على مكتسبات قانونية وسياسية ضئيلة اكتسبها شعب ناضل ولا زال لعقود طويلة من أجل الحرية وقدم في سبيل ذلك الكثير من التضحيات وصلت درجة الإخفاء القسري لمناضلين وشرفاء من أبناء هذا الشعب المظلوم.

ماذا فعلت الجمعيات والمنظمات الحقوقية الوطنية منها والدولية تجاه هذا الوضع؟ هل ارتقت ردود أفعالها المسجلة حتى الآن لمستوى جسامة القضية؟ كيف تقرأ هذه المنظمات ما يجري وتداعياته على الحالة الحقوقية الوطنية؟

صحيح أن استبداد الدولة لم تسلم منه حتى بعض الجمعيات الحقوقية، كما هو صحيح أن السقف الإصلاحي للمقاربة الحقوقي في مواجهة دولة تحتكر مختلف وسائل الإكراه السياسي والاجتماعي محدود إلى حد ما؛ لكن ما لا يجوز التغافل عنه أيضا أن ردود أفعال هذه المنظمات لم ترق لمستوى جسامة القضية وهول المصيبة، فباستثناء بيانات معدودة وبلغة عامة وأقل حدة في وصف المأساة وتقرير يتيم أصدرته منظمة هيومن رايتس وتش السنة الماضية، لم نلحظ منذ استعار الحملة المخزنية مبادرات حقوقية قوية من جانب الفاعلين الحقوقيين على الساحة الوطنية رغم النداءات الكثيرة التي وجهتها مجموعة من الجمعيات المتضررة إلى مختلف المؤسسات الحقوقية.

أمام هذا الواقع غير الطبيعي لا يسعنا وكل الشرفاء إلا أن نتساءل بمرارة وجرأة تقتضيهما جسامة المسؤولية: لماذا لم تول هذه المنظمات هذا الأمر ما يستحقه من اهتمام؟ أًلَأن الأمر يتعلق بجمعيات أعضاؤها والناشطون فيها من مدرسة فكرية وسياسية معينة؟ إن كان الأمر كذلك، فسلام على كونية حقوق الإنسان وحيادية هذه المنظمات في دفاعها عن هذه الحقوق. أم الأمر هيّن ولا يستحق أن تستفرغ له الجهود وتوضع من أجله البرامج النضالية؟ وإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كان التضييق على الحق في التجمع والتنظيم لا يرقى لأن يشغل بال هذه المنظمات ويجعلها تقيم الدنيا ولا تقعدها حتى تعيد الأمور إلى نصابها، فما مبرر وجودها أصلا وفرعا؟

أن تقدم المنظمات المعنية الجواب الشافي عن هذه الأسئلة وغيرها نعتبره أمرا ضروريا أخلاقيا؛ فالأمر متعلق بالمبرر الأخلاقي والسياسي لوجودها. ونحن إذا تساءلنا بهذه الحدة لا نقصد بذلك أن نكيل الاتهام لهذه المنظمة أو تلك وإنما نريد أن نضع الجميع أمام مسؤوليتهم التاريخية تجاه ما يجري من تراجع خطير عن المكتسبات القليلة والهشة في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان وهو أمر لا أظن أن أحدا يجادل في خطورته؛ فاحترام حقوق الإنسان وتوسيع مجال الحريات العامة والفردية وحمايتها يعد مرتكزا أساسيا ومفصليا لا يمكن الحديث عن الديمقراطية أو الانتقال إليها في غيابه. إن المنظمات الحقوقية مدعوة إلى تكثيف جهودها في حماية الحق في التنظيم والاجتماع باعتبار ذلك خيارا استراتيجيا تفقد بالتخلي عنه مبرر وجودها أخلاقيا وسياسيا.

رسالتان في الختام

في الختام نختم نوجه رسالتين إلى كل من يهمهم الأمر بلاغا مبينا لله ثم للوطن والتاريخ فنقول:

– إن السلطات المخزنية إذ تحاصر العمل الجمعوي الجاد وتضيق عليه الخناق فإنها بذلك لا تكتفي بممارسة اعتداء سافر على الديمقراطية وحقوق الإنسان على خطورة الأمر وجلال المصيبة، بل إنها بهذه السياسة تحرم ملايين من المغاربة من التأطير السليم المتزن ومن خدمات أقرت هي بنفسها (السلطة) عن عجزها عن الوفاء بها. وهذا أمر من شأنه أن يدفع بجحافل الشباب نحو الانحراف والتيه وما يستتبع ذلك من نزوع نحو الإجرام والتطرف وإهدار للطاقات التي نحن في أمس الحاجة إليها. فليتحمل كل مسؤوليته.

– درج العرب على ذكر مثل شهير يقول: أكلت يوم أكل الثور الأبيض). إن المخزن دأبه على الدوام ترويض الجميع بغرض احتكار السلطة وإدامة الاستبداد؛ وعليه فإنه إذ يركز جهوده اليوم في التضييق على الجمعيات التي ينشط فيه أعضاء من جماعة العدل والإحسان بسبب ربطه -أي المخزن- بين هذه الجمعيات والموقف السياسي لهذه الجماعة رغم اختلاف مجالات الاشتغال (وهو ربط لا مبرر له لا سياسيا ولا قانونيا) فإنه لا محالة لن يهدأ له بال مادام في هذا الوطن من يريد أن يعيش أبناء شعبه أحرارا كرماء كما أراد لهم ربهم حين قال: ولقد كرمنا بني آدم وحملنا في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا. وإن في هذا لذكرى لمن كان له قلب وعقل يفقه بهما التاريخ أو ألقى السمع وهو شهيد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.