شهادة الأستاذ عبد الله بلة

صبيحة الاعتقال: الإثنين 28/06/2010

تم طرق الباب بقوة حوالي الخامسة والنصف مما خلف ذعرا وفزعا بين أهلي حيث استيقظ الجميع مذعورا، وعند استفسارنا عن الطارق، قال: البوليس، افتحوا… وعن الموضوع؟ ماشي شغلك. فلما طلبنا مهلة دقيقة لتوظيب الحال شرعوا في كسر الباب مستعملين القضبان الحديدية الغليظة (البلينسة) ولم يتركوا لزوجتي فرصة ارتداء ملابسها والتستر حيث هجموا دفعة واحدة علي وطرحوني أرضا وانهالوا علي ضربا في وقت كان وابل من الألفاظ النابية الساقطة وعبارات القذف تنزل علي وعلى زوجتي… كانوا جميعا بزي مدني ولم يفصحوا عن هويتهم إلا قول أحدهم: “نحن بوليس الدار البيضاء وسوف نُرِي أُمَّك…” (هذو راه البوليس ديال كازا غادي نوريو لامك…) ، ثم توجه إلى زوجتي مهددا ومتحرشا، ليبدأ فصل من الترهيب والإذلال… كانت تفوح رائحة الخمر من أحدهم وهو يرغي ويزبد… قاموا بتفتيش البيت واحتجاز أغراض شتى حتى المتعلقة بزوجتي في إطار أبحاثها العلمية وبابنتي… بعد ذلك اقتادوني مكبل اليدين تحت وابل من الاستفزاز والترهيب وعبارات القذف إلى سيارة حيث توسطتُ اثنين منهم إلى وجهة مجهولة…

خلال أيام التعذيب : الاثنين والثلاثاء والأربعاء

بعد ساعات من الترحيل القسري عرفت أنني نزيل الفرقة الوطنية لمكافحة الجريمة حيث قالوا لي بالحرف: “أنت هنا في مكان لا يعرفه أحد، نفعل بك ما شئنا، انس الحق والقانون والفهوم )الفهامات( الخاوية… أنتم تفرعنتم في فاس ولم تجدوا من يربيكم…”. كل ذلك وأنا أجهل سبب الاختطاف. وأضاف أحدهم وأنا بينهم ملقى على ركبتي: “نحن هنا نعصر أمثالكم… هل تحسب نفسك مع نساء فاس؟ (يقصد بوليس فاس)… نستطيع أن ندفنك دون أن يعرف خبرَك أحد… مَرَّ من هذا المكان وزراء وأجلسناهم على القنينة (القرعة)… واعترفوا… أنتم تريدون إنشاء دولة وسط الدولة… لعن الله…”، عبارات سب وشتم وقذف في حق الله عز وجل وفي حق الجماعة والوالدين…

قال أحدهم: سوف أفعل فيك وأفعل وأُحيلك امرأة دون رجولة… وشرع في إزالة سروالي، وأنا ملقى على الأرض… كل ذلك مرفوقا بالرفس والركل…

يقعدونني على كرسي معصب العينين مكبل اليدين، ويبدأ سيل من الصفع واللكم تمهيدا لاستنطاق غريب مفاده: “قل لنا بلسانك هذه الاتهامات…”. وعند كل مرة أتبرأ من اتهامات ملفقة مغرضة يزداد الضرب والصفع… كل ذلك مصحوبا بأفظع النعوت: “أنت مجرم، أنت ولد الفاعلة…” وبأفظع التهديدات: “سنلصق بأمك تهمة الإرهاب أو لا حاجة بذلك بل سندفنك ونمحو أثرك… أنت في وضعية فرار… ولا أحد يعرف مكانك الآن”.

يأتي أحدهم ويقول: “لم يعد لك عمل وعائلتك ستتشرد… وسنأتي بهم أيضا لإذلالهم أمامك… وزوجتك وبناتك سترينك على هذه الحال، وسنفعل لهم ونفعل…”.

يستمر تبرئي من التهم الملفقة إلي فيزداد الضرب والتعنيف، ويتم تهديدي بالطيارة والصعق الكهربائي، ثم يأتي أحدهم يسمي نفسه الحجاج فيزداد التعذيب…

وبعد يومين من التعذيب، وفي اليوم الثالث، عندما فشلوا في نسف تمسكي ببراءتي من التهم الملفقة أشبعوني ضربا قصد التوقيع على محضر لم أعرف مضمونه.

شهادة الدكتور محمد السليماني

في صبيحة يوم الاثنين 28 يونيو 2010 وأنا راجع من المسجد على الساعة الخامسة والربع بعد أداء صلاة الصبح في طريقي إلى البيت وأنا أذكر الله، إذ فاجأني خمسة رجال ذوو جثث ضخمة، وهم ينزلون من سيارة ضخمة بسرعة البرق ليرفعوني ثم يضعوني داخل السيارة وحاولت الإفلات منهم بالتدافع والصراخ والاستنجاد بمن يسمعني لكن دون جدوى. ثم سمعني ابني إدريس الذي كان معي في المسجد وسبقني إلى البيت فحضر وقد انتابتني نوبة قلبية كدت ألفظ معها أنفاسي (أنا مريض بالقلب وقد أجريت لي عملية جراحية على القلب المفتوح قصد تغيير الصمام). فتعرضوا لابني هو الآخر وهددوه بتهمة العصيان وإلحاقه بي… بعد ذلك طوقوني بجثثهم الضخمة داخل السيارة ليذهب خمسة آخرون فيقتحموا البيت بالقوة على زوجتي وبناتي فينهالوا عليهم بالألفاظ الدنيئة والخسيسة عليهم جميعا، وهددوهم باعتقالهم ثم ضربوا وشتتوا كل شيء في البيت ما تركوا مكانا إلا وداسوا حرمته ليحتجزوا كل ما طاب لهم وينصرفوا تاركين ذعرا كبيرا في سكان العمارة والحي وغير عابئين بأحد، لينطلقوا بي وأنا لا أزال معتقلا في السيارة في سفر لا أدري إلى أين. ولا لم كل هذا؟ ولا ما الذي جنيته كي يفعل بي كل ذلك؟… ولا أنسى أنهم أخذوا مفاتيح سيارتي التي توجد بالمرأب وعاثوا فيها تفتيشا… وفي الطريق نلت من اللكمات والتجريح والسب والشتم ما لا يعلمه إلا الله…

في نهاية المطاف وجدتني داخل زنزانة في قبضة الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، حيث لا تكاد تجد كلمة تمت إلى الإنسانية بصلة، “رجال” مصنوعون صناعة خاصة، لا يخرج من ألسنتهم إلا الكلام الساقط المرعب المذهل، يبدؤون بتعريف أنفسهم أنهم لا يفهمون معنى الإنسانية والرحمة وأنه إن كنت أعتقد أن أيام التعذيب في زنازن جمال عبد الناصر قد انتهت فإني واهم بل يصرحون أنهم طوروا أكثر أساليب التعذيب والتنكيل وأنهم سوف يفعلون في الأفاعيل ثم يرمونني جثة هامدة لا قيمة لها ولا معنى…

وجدتني أصعد من زنزانتي إلى مخافرهم أربع إلى خمس مرات في اليوم مكبلا معصبا يستوي عندي الليل والنهار في كل مرة أقضي معهم الساعات دون حساب الوقت وأنا في مهب رياح اللكم والضرب بالأيادي وبالأرجل وبالعصا كي أردد ما يقولونه وما يريدون مني قوله مما لا أعرفه ولا يمت إلي بصلة. وإن كان التعذيب الجسدي أخذ مني الكثير حيث مرت عشرة أيام على التعذيب ولا تزال بصمات هذا التعذيب راسخة وواضحة على جسدي، إن كان هذا التعذيب الذي كدت ألفظ أنفاسي وكدت أن يغمى علي أكثر من مرة فقد أضافوا إليه تعذيبا آخر، حيث القذف باللواط والتهديد به فالتحرش الجنسي على أشده باللسان واللمس والتهديد… ثم تهديدي بتشتيت أسرتي وفعل الأفاعيل في كل فرد منها.

ثم قذف وشتم وسب المرشد سيدي عبد السلام وبناته وأبنائه والجماعة برمتها، وأنهم لا ينتظرون إلا اللحظة المناسبة ليجعلوا الجماعة في خبر كان.

كما أنهم ادعوا أنهم أرضخوا داخل معتقلهم بوسائل تعذيبهم الجبابرة الكبار أمثال الوزير الأول السابق إدريس جطو، وبعض الجنرالات وغيرهم.

هذا كله لأرغم في الأخير على توقيع ما لم أعلم ما بداخله ثم أحول إلى محكمة الاستئناف بفاس لأتابع بما لم أفعله بل ولم أكن أدري ما هو.

هذا وقد أحضروا أمامي أحد الإخوة كي أراه يعترف بما يقولون من تهم. ومع الأسف الشديد يضربونه ويركلونه أمامي. لست أدري أي اعتراف هذا وأي تحقيق هذا وأي عدل هذا.

شهادة الأستاذ طارق مهلة

بعد فجر 28 يونيو 2010 على الساعة 05:50 دقيقة تقريبا فوجئت وأنا في منزل والدي بخبط الباب وأشخاص ينادون على الوالد : “سي ادريس” فلما فتحت الوالدة لمعرفة من الطارق خاصة وأن الوالد كان مسافرا، اقتحم علينا الشقة مجموعة أفراد بزي مدني مدعين أنهم “شرطة” ولم يدل أي أحد منهم بهويته ولا بما يريده منا في تلك الساعة. خلال هذا الاقتحام دفعوا بوالدتي على الأرض، وأفاق إخوتي على إيقاع الرعب والهلع والخوف مما يجري في هذا الوقت الباكر.

انتشر الغرباء في المنزل يجمعون ويبعثرون ويبحثون. لم يراعوا حرمة المسكن ولا حرمة الأشخاص. قاموا بمصادرة أشياء لم نعرفها من غرفة الوالدين، من المطبخ، من البهو، من الحمام. كل هذا ونحن لا نعرف السبب الذي من أجله يوبخون ويعربدون ويهددون.

أغمي على الوالدة المريضة بالسكري، ولم يراعوا صراخ وعويل إخوتي لأختطف بعدها جرا وسحبا ضدا عن إرادتي ويتم تكبيلي بالأصفاد وأقتاد إلى وجهة لا أعلمها مع أشخاص مجهولين.

لحقت بنا سيارات أخرى ليقصد الموكب الطريق السيار فاس-البيضاء، وأثناء الرحلة تم تجريدي حتى من القلم الذي بحوزتي دون معرفة السبب، وكان أحدهم يهددني قائلا: “عندما نصل سنتفاهم معك ونري أمك من نحن”.

على مشارف البيضاء “عين حرودة” يتم تعصيب العينين وتغطيتي وإرغامي على الانحناء لأجد نفسي في آخر المطاف في مكان مجهول. أقتاد بعدها إلى مكان الاعتقال حيث أرى لأول مرة أشخاصا بزي البوليس الرسمي، يدون اسمي، ينتزع مني كل شيء حتى الحزام ويزج بي في الزنزانة رقم 7: لحاف رقيق وبطانية.

بعدها بقليل يبدأ مسلسل الإرهاب والهول: ينادى علي، يتم تعصيب عيني وتكبيلي بالأصفاد ويذهب بي عبر الدرج إلى مكتب ينتظرني فيه من سيتفنن في إذلالي والنيل من كرامتي كإنسان.

أجلس على كرسي ويبدأ الاستنطاق من أحدهم: “هل تعرف أين أنت الآن”؟ أجيب ب: “لا” فيرد علي: “أنت مع الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، يجب أن يصيبك الهلع، فمجرد اسمنا يصيب بالهلع، أتعرف إن أردنا أن نمحو لأمك الأثر فلا أحد يعرف ولا أحد يستطيع أن يعرف أين ذهبت”.

وبعد سلسلة من الأسئلة الاستخباراتية حول الجماعة ومسؤوليها بفاس وعن طريقة عملها يطلب مني شيء عجيب “نحن نعرف عدة أشياء ولكن نريد أن نسمعها منك أنت، فإن لم تقل فسنريك من هي الفرقة الوطنية” قلت: “ما المطلوب مني”؟. فأجاب بصفعات على الوجه والرأس وقال لي: “يا ابن …” سب وشتم بذيء وكلام نابٍ … “تكلم وإلا فسترى الموت بعينيك… قل لنا ما فعلتم بالغازي المحامي؟ قل بأنك كنت تحمل عصا وتهدده بالضرب وبأن السليماني وبلة أرادوا قتله، فإذا لم تقلها أفسدنا فيك (تهديد بالاغتصاب)”. عندما كان ردي الاستغراب من هذه الأقوال انهال علي من في المكتب بالضرب واللكم على الرأس وفي الصدر حتى أغمي علي.

أنزلت إلى الزنزانة 07 وبعد ساعة تقريبا ينادى علي من جديد بنفس الطريقة “عصابة وأصفاد” ليقال لي في المكتب “ألم تستح بعد، سنجني عليك ونشردك ونتركك هنا حتى تموت، لقد مرت الجبال عندنا وَهَدَدْنَاها، وجطو مر من هنا وهَدَدْنَا أمه”. بعدها ساوموني وقالوا لي سنذهب بك إلى أشخاص مرموقين وقل أمامهم ما قلناه لك سابقا وسندافع عنك ولن يمسك أي شيء. وبالفعل ذهبوا بي وأنا معصب العينين مكبل اليدين إلى مكتب آخر حيث شعرت أني أطأ برجلي سجادا وقال لي أحد الحاضرين هناك: “تكلم” فقلت: “أنا لا أعرف أي شيء عما قيل لي ولماذا أنا هنا”. عندها أرغى وأزبد وصفعني وأرغمني على الجثو على ركبتي وقال لي: أنتم الخوارج سأدفن دين أمك هنا ويذهب أولئك الـ………. (كلام ناب) من الجماعة إلى الصحافة. نحن لا ترهبنا صحافة ولا حقوق، خذوه وقوِّموه جيدا (ديوه أوكادوه مزيان)”. وبمجرد إخراجي يذهب بي إلى مكتب آخر، أستنطق لساعات على ركبتي تحت وابل من السب والشتم والتهديد والركل والصفع لأنهار في الأخير وأرجع إلى الزنزانة رقم 7.

في اليوم الثاني: نفس السيناريو ولكن مع حدة أكثر في التعذيب والإهانة. استنطاق وأنا مكبل اليدين إلى الخلف وملقى على الأرض، أجرد من سروالي وملابسي الداخلية وتنتهك حرمتي بالعبث في دبري بقلم مع تهديدي بالاغتصاب: “عرفت؟ والله يـ………… (كلام ناب) سأبدأ بإيلاج هذا القلم أفسد فيك حتى تعود امرأة لا رجلا”.

أهدد بالطيارة والشيفون والصعق بالكهرباء. يقوم أحدهم بالقبض بشدة على أعضائي التناسلية ويقول لي: “غادي نخصيك باش تمشي تعطي………. (كلام ناب) وتصبح………..” (كلام ناب).

آخر يقوم بركلي على ركبتي كلما طلبت ماء ويقول لي: “تريد الشرب”.

آخر تفوح منه رائحة الخمر يحملني ويريد أن يلقي بي عبر النافذة ثم يلقي بي على الأرض. يقال لي: “هل تسمع صراخ الآخرين؟ مازالت لم تر شيئا يا ابن…………. (كلام ناب).

بعد مسلسل التعذيب والإهانة وسب كل مقدس ومحرم، أرغم على التوقيع على ما يسمونه “محاضر” العديد من الأوراق والعصابة مرفوعة شيئا ما على العينين.

وفي اليوم الثالث يقال لي: “قد أحدثنا تغييرات في المحاضر” وأرغم على التوقيع مرة أخرى على العديد من الأوراق دون أن أعرف محتواها.

هذه خلاصة ثلاثة أيام سوداء قضيتها مع من يسمون أنفسهم: “الفرقة الوطنية للشرطة القضائية”.