4 – الواجهة الدينية:

تحدثنا في الجزء الأول من هذا المقال عن ثلاث واجهات تتمظهر من خلالها الحرب الشاملة التي يخوضها النظام المخزني ضد جماعة العدل والإحسان ونستكمل فيما تبقى من المقال الحديث عن باقي هذه الواجهات وهي:

4 – الواجهة الدينية.

5 – الواجهة السياسية.

6 – الواجهة الاجتماعية.

7- الحرب على الجماعة خارج المغرب.تشكل، كذلك، أبرز الواجهات التي يخوض فيها المخزن حربا لا هوادة فيها ضد الحركة الإسلامية عامة وضد دعوة العدل و الإحسان خاصة. وقد سعت هذه الحرب إلى تحقيق غايتين أساسيتين:

4-1 *** ملئ الفراغ في المجال الديني

حتى لا يبقى استثماره حكرا على الجماعة مع العمل على تطويق إشعاع خطابها والحد من قدراتها الاستقطابية لفئة المتدينين في المجتمع المغربي. وقد اعتمد المخزن لتحقيق هذه الغاية الكثير من الأدوات والأساليب أبرزها:

أ / تأميم المساجد مبكرا وجعلها بشكل كامل تحت وصاية مؤسسة مخزنية رسمية هي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وللتذكير فقط فقد كانت هذه الوزارة دائما تدرج ضمن وزارات السيادة التي يشرف عليها من ينتقيهم المخزن، بعناية، من خُلَّصِ خدامه. وقد ضمن هذا التأميم للمخزن حرمان الخطابات المناوئة لشرعيته الدينية والمعارضة لمشروعيته السياسية من فضاءات دينية تنتعش فيها وتبث من خلالها مشاريعها وتصوراتها. يضاف إليه احتكار الحديث باسم الدين وترويج المنظور المخزني الخاص لمفهوم التدين من خلال تأميم الفتوى وخطبة الجمعة والدروس التأطيرية والتوعوية في المساجد والتحكم في تحركات العلماء والخطباء.

ب / تفعيل المؤسسات الدينية الرسمية وتطوير أدائها لضمان فاعلية أكبر في منافسة دعوة”العدل والإحسان” ومحاولة إقصائها من مجال عملها الرئيس. وقد قام المخزن في هذا الصدد بإعادة هيكلة هذه المؤسسات وتوسيع صلاحياتها وتوزيعها جغرافيا وإحداث مؤسسات أخرى، كإحداث المجلس العلمي الأعلى مثلا، واعتماد سياسية القرب الديني بتوظيف وسائل الإعلام (إذاعة وتلفزة وإنترنت..). تضاف إلى هذه الجهود محاولة تحسين الوضع الاجتماعي للقيمين على هذه المؤسسات أئمة و خطباء وغيرهم. وفي مقدمة المؤسسات التي عرفت تغييرا في بنيتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

ج / استقطاب النخب الدينية والعلمية لضمان تهميش دعوة العدل والإحسان:

بذل المخزن كل جهوده لإغراء شريحة مهمة من النخب الدينية وخاصة الشابة منها للانخراط في مشروعه ذاك. وهكذا تم فتح الباب لفئات من الخطباء والمحاضرين للبروز قصد تقوية الرأسمال الرمزي للمخزن في المجال الديني. وقد تم التركيز على هذه الفئات بالضبط طمعا في تجديد النخب الدينية التقليدية التي ضعف تأثيرها وخفت إشعاعها في الشارع العام وضمان تسويق الخطاب الديني الرسمي على ألسنة فئات تحضا بنوع من التقدير والقبول في أوساط العامة. وبطبيعة الحال يفترض أن يؤدي هذا الجهد إلى الوقوف في طريق استقطاب الجماعة لهذه العينة من النخب والحيلولة دون تسرب خطابها إليها.

د / منع أعضاء الجماعة من الوعظ والخطابة:

عمد المخزن، خاصة خلال السنوات الأخيرة، إلى إقصاء جميع أعضاء الجماعة وكل من تشم منه رائحة التعاطف معها من منابر الوعظ والخطابة والتأطير الديني. وهكذا تم حرمان العشرات من الأئمة والخطباء من أبناء الجماعة والمتعاطفين معها من حقهم الشرعي في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة من على منابر المساجد التي كانوا فيها بل ومنعهم من حقوقهم القانونية. فلا يجب أن يسمح لأي خطاب غير الذي يسبح بحمد المخزن أن يصل إلى أسماع الناس ويقر في قلوبهم.

ك / تفعيل النخب الدينية التقليدية وتشجيعها على النشاط في مجالها للحفاظ على حضورها الاجتماعي واستقطاب فئات اجتماعية جديدة. ويدخل في هذا النطاق تحفيز المخزن للزوايا ورعايته المادية والمعنوية لها وإحياء الكثير من طقوسها والإنفاق على ذلك بسخاء والترويج له في وسائل الإعلام.

م / توظيف الخطاب الديني المضاد:

لازال الجميع يتذكر التصريحات الصحفية لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق، عبد الكبير العلوي المدغري، التي اعترف فيها بأن المخزن وظف بشكل بارز وملفت الخطاب الوهابي وتمثلاته الحركية في المغرب وشجعه، إبان سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، على مواجهة الجماعة خاصة. وهكذا عرف المغرب سيلا عارما من الخطابات والكتب والأشرطة تقدح في دعوة “العدل و الإحسان” ومرشدها وفكرها واختياراتها. فمنها من تجرأ على التكفير ومنها من فسق وبدَع ومنها من دعا أولي الأمر إلى استئصال شأفة الجماعة وغير ذلك كثير. ثم بعد انقلاب المخزن على الوهابيين لجأ هذا الأخير إلى الخطاب الصوفي عله يعوض به ما لم يحققه الخطاب الوهابي.

يضاف إلى ما سبق ذكره تنامي الخطاب الحداثوي وهيمنته على كثير من المنابر الإعلامية والجامعية والسياسية والجمعوية وبثه لخطابات بلغت من الجرأة حد محاربة الإسلام جهارا وحث كل ذي فكر سقيم أو مشروع شاذ على إظهاره و بذل الجهود لخلق تطبيع مجتمعي مع مضامينه من خلال التوظيف الواسع لوسائل الإعلام.

4-2*** محاولة تجديد الأساس الديني لشرعية الحكم المخزني

و قد اعتمد المخزن في تحقيق هذه الغاية على جملة من الإجراءات منها:

أ – إبراز قيام شرعية النظام المخزني على البيعة الدينية. وقد تابع المغاربة كيف حرص نظام الحكم على أن تكون هذه البيعة مكتوبة إبان تولي الملك محمد السادس الحكم خلفا لوالده. كما رأينا كيف يتم اللجوء مرارا إلى تأكيد هذه البيعة كلما أحس المخزن بتهديد لشرعيته الدينية وكان آخرها حين اصطدم ببعض المتشيعين في المغرب بهامش معركته الدبلوماسية مع إيران. فقد عممت وزارة الأوقاف لأسبوعين خطبة للجمعة تتمحور حول البيعة باعتبارها الإطار الشرعي لعلاقة المخزن بالرعية. كما يحرص هذا الأخير على تجديد هذه البيعة سنويا من خلال جملة من الطقوس أبرزها حفل الولاء الذي يقام كل سنة حيث يقدم كل المسئولين والأعيان في المغرب الولاء للملك في طقوس مخزنية راسخة.

ب – احتكار القرار والاجتهاد في المجال الديني:

اعتبر المخزن نفسه دائما المرجع الأساس في كل ما يرتبط بالشأن الديني في المغرب وصنف كل من ينافسه في هذا الأمر في دائرة العدو لشرعيته. وقد اتخذ هذا الاحتكار بعدا كبيرا بعد الأحداث الإرهابية التي وقعت في الدار البيضاء سنة 2003 حيث اعتبر أنه صار من الضروري احتكار الشأن الديني بشكل مطلق سواء على مستوى الاجتهاد أو التأويل أو الفتوى والتأطير وشجعه على ذلك حتى بعض التيارات اللادينية. وهذا ما تجسد بشكل عملي في كثير من تصرفات السلطات كان أبرزها الجدل الذي قام بشأن فتوى أحد الفقهاء المغاربة بجواز زواج بنت التاسعة أو فتوى الدكتور القرضاوي حول قروض السكن.و بطبيعة الحال يسعى المخزن من خلال قراره هذا إلى منع صفة الشرعية الدينية عن الاجتهادات والتصورات التي لا تتوافق مع مصالحه واختياراته.