يؤشر حادث اختطاف أعضاء قياديين من العدل والإحسان بفاس على تحول نوعي في علاقة السلطة بالجماعة، فقد أقدمت عناصر أمنية، تعد بالعشرات، فجر يوم الإثنين 28 يونيو على اقتحام البيوت وتكسير الأبواب والعبث بمحتويات المنازل وبعثرة أثاثها ومصادرة ممتلكات الغير وإسماع أهلها كلاما نابيا وبذيئا ظن البعض أنه صار في حكم الماضي، واقتادوا المختطفين إلى وجهة مجهولة دون إعلام ذويهم وأهليهم بصفتهم ومكان اقتيادهم، بل إنهم أحاطوا الحادث بهالة وتضخيم كبيرين يشعران المتتبع بأن الأمر يتعلق بخلية إرهابية تستهدف أمن البلاد واستقرارها، مع العلم بأن المختطفين أطر من مستوى ثقافي عالي ويشغلون وظائف في الدولة وأعضاء قياديين في جماعة قانونية معروفة بنبذها للعنف.

إن هذا السلوك الأمني ينم عن خلل كبير في الممارسة المهنية لهذه الأجهزة، ويؤكد أنها ما تزال بعيدة عن المفهوم الجديد للسلطة وعن الحكامة الأمنية.

وهذه مناسبة أخرى نتذكر من خلالها تلك الفقرات الخاصة بالحكامة الأمنية التي تضمنتها توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، رغم ما يمكن أن يؤاخذ على عمل هذه الهيئة وتركيبتها ونطاق اختصاصها الزمني والموضوعي، التي أوصت في تقريرها النهائي بعدد من الإجراءات مثل إخضاع عمل الأجهزة الأمنية للمراقبة وضبطها بمقتضيات القانون وتحيين الإطار القانوني والنصوص التنظيمية المنظمة لها ونشرها للعموم وتنظيم مسلسل اتخاذ القرار الأمني وطرق التدخل أثناء العمليات وتقييم عمل هذه الأجهزة باستمرار. فأين نحن من هذه التوصيات؟

نتذكر كذلك أن هذه التوصيات جاءت بعد مسلسل من الخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان تسببت فيها هذه الأجهزة نتيجة إصرارها على العمل خارج نطاق القانون وبعيدا عن أية مراقبة، مما تسبب في حصيلة كارثية على البلاد والعباد لأن تلك الممارسات والعقليات والسلوكات والمنهجية أزهقت أرواحا وشردت عائلات وأقصت مناطق وشوهت سمعة البلاد وحرمتها من كفاءات عالية وكلفتها ملايير من الخزينة العامة لتبييض هذه الصفحة السوداء. وبالمقابل، بقيت الأسماء المتورطة حرة طليقة بدون مساءلة أو عقاب، بل إن منها من لا يزال يمارس مسؤولياته في مناصب حساسة إلى اليوم.

بتكرار هذا السلوك، نستنتج أن هذه التوصيات بقيت حبرا على ورق، والحكامة الأمنية ما تزال حلما لم يتحقق .. وكل هذا يتعارض مع الموقع المتقدم في العلاقة مع الاتحاد الأوربي وينافي العديد من مقتضيات حقوق الإنسان ويخرق الكثير من الالتزامات الدولية للمغرب.

من يراقب، إذن، هذه الأجهزة؟ ومن يسائلها؟ ومن يوجه عملها؟

لقد انتظرت عائلات المختطفين إلى بعد زوال ذلك اليوم ليعرفوا أن ذويهم معتقلين لدى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، وهو الخبر الذي تلقوه عبر وكالة المغرب العربي للأنباء وليس من خلال الوكيل العام للملك الذي ترددوا عليه ذلك الصباح فنفى علمه بحادث الاختطاف وجزم بأنهم غير معتقلين، وهو نفس ما عبرت عنه ولاية الأمن بفاس. بل إن الاستهانة بالوكيل العام للملك ستبلغ ذروتها حين امتنعت هذه الأجهزة عن السماح لهيئة الدفاع بزيارة المعتقلين رغم توفرهم على تصريح الزيارة.

لقد استغرب العديد ممن اطلع على قصاصة لاماب كيف حشرت في الموضوع لتفك هذه الأجهزة من ورطتها بعد رسائل الهيئات الحقوقية إلى المسؤولين، فقد بينت هذه الوكالة أن المختطفين رهن الحراسة النظرية بأمر من النيابة العامة ولم تنس ذكر مصدرها الذي سمته “مصدر قضائي” ، كما لم يفتها أن تشير إلى أن عملية الاعتقال تمت بأمر من الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بفاس!!! ومصدر الاستغراب يكمن في السرعة التي تم بها بث القصاصة، أي بضع ساعات على حدث الاختطاف، وهي سرعة غير مألوفة على الوكالة إلا في الأنشطة الرسمية، ويتمثل في ذكر مصدر الخبر، وهي الأجهزة القضائية التي أنكرت علمها بحادث الاختطاف، ويتمثل في خرق هذه المصادر للقانون، وخاصة المادة 15 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أن المسطرة التي تجري أثناء البحث أو التحقيق تكون سرية، وكل شخص يشارك في إجرائها ملزم بكتمان السر المهني، ويتمثل في تغاضي الوكالة عن مقتضيات قانون الصحافة وأخلاقياتها وأعرافها التي تقتضي عدم نشر مثل هذه الأخبار عملا بالقاعدة القانونيةالمتهم بريء حتى تثبت إدانته)، ويتمثل في نشر الخبر من مصدر واحد دون الرجوع إلى الرأي الآخر، وهذا قدح في كفاءة الوكالة ومهنيتها وموضوعيتها، والأغرب من هذا كله صمت الوكالة عن متابعة تفاعلات القضية بعد ذلك.

َإن هذا التحالف بين الإعلام والأجهزة الأمنية يضر بالبلاد ويخرج التدافع السياسي من إطاره المقبول إلى حرب معلنة من طرف واحد يستعمل فيها كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة. وهذا خطر حقيقي يتهددنا مستقبلا وقد تكون له تداعيات مكلفة للجميع لأنها ستضطرنا لفتح هذه الصفحة مستقبلا، وحتما لن تبيضها، هذه المرة، تعويضات مادية.

لقد تأسست وكالة المغرب العربي للأنباء في 31 ماي 1959، ودشنها محمد الخامس في 18 نونبر 1958 وكانت أول قصاصة بثتها قولهكان لا بد لبلادنا من وكالة وطنية تنقل أخبارها وأخبار الخارج بنزاهة وصدق وأمانة).

ومما جاء في التعريف بها أنهاتحرص على تقديم أخبار تتسم بالموضوعية والمصداقية وتسعى من خلال نشرتها إلى إعطاء صورة حقيقية عن الوضع في المغرب والتعريف بمواقفنا منتهجة الحياد).

نزاهة، مصداقية، أمانة، موضوعية، حياد، صورة حقيقية… قاموس من المصطلحات ظل غائبا عن الخط التحريري للوكالة لأنها ظلت أسيرة رؤية إعلامية بوليسية وبقيت بوقا دعائيا وأداة للتشهير والتشويه وتصفية الحسابات مع الخصوم.

وأخذت عنها جرائد مأجورة، وتزود من قصاصاتها أصحاب أقلام تقطر سما وحقدا على العدل والإحسان وأعضائها، ونسي هؤلاء جميعا أن تجارتهم بائرة وأن ثقة الناس فيهم مفقودة ومصداقيتهم مهزوزة، وإطلالة سريعة على حجم مبيعاتهم ومرجوعاتهم كافية. فالوكالة تمول من ميزانية الدولة، وتلك الجرائد تسير من صناديق سرية أصبح أمرها مفضوحا، وأولئك الكتبة أصبح معروفا مصدر دخلهم.

الأولى للجالسين على مائدة الحوار الوطني حول الإعلام أن يعبروا عن موقف واضح من مهنية هذه الوكالة التي تبث سمومها في المجتمع.

والأولى لهذه الأجهزة الأمنية أن تحترم شرف هذه المهنة وأن تبقى بعيدة عن خلافات سياسية لا تحل إلا بالوسائل السياسية.

والأولى لكل الفاعلين أن ينتبهوا إلى هذه الانتكاسة التي تزداد وتيرتها سنة بعد أخرى.

ما يحدث من خروقات جسيمة لحقوق الإنسان يؤكد أن هناك من يحن إلى سنوات الرصاص، ولذلك علينا أن نحتاط من هؤلاء لأنهم لا يخافون الله ولا يراعون مصلحة البلاد ولا يحترمون ضمائرهم.

هؤلاء خطر علينا جميعا.