في ديباجة الدستور المغربي الممنوح، وردت هذه الفقرة التي يصرح من خلالها النظام المخزني التزامه الكامل بكل المبادئ وحقوق الإنسان: وإدراكا منها لضرورة إدراج عملها في إطار المنظمات الدولية، فإن المملكة المغربية، العضو العامل النشيط في هذه المنظمات، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا).

شعارات جذابة، وكلمات مرصعة بأجمل ما وصلت إليه البشرية في مجال صيانة كرامة الإنسان واحترام كافة حقوقه، ووعود منثورة فوق رؤوسنا بسخاء محاولة زرع الأمل في أرض قيعان لا تنبت زرعا ولا تمسك ماء.

ماذا عن الواقع وآفاقه؟ ماذا عن الإنسان وحقوقه، هل استطاع النظام فعلا ترجمة الشعارات حول العدالة والكرامة وحقوق الإنسان، والمواطنة وتنزيلها من أبراج النصوص لملامسة الواقع البئيس، أم هي مجرد أماني معسولة سرعان ما تتطاير أمام ضربات الرعب المخزني العنيفة والرامية إلى سحق كل الأصوات الحرة وإعدامها.

قال الأستاذ عبد السلام ياسين: من تعوزه المبادئ الصلبة والإدارة الماضية لا يستنكف من البحث عن يقينياته في سوق الشعارات الرخيصة. فلتتخموا الجياع بحكايات الوفرة! ولتعرضوا سراب الواحة الغناء على أنظار القطيع الظمآن في صحراء الوعود المخلفة! لن تكون الخيبة إلا مضاعفة، ولن تكون النتائج إلا أشد وخامة حين تتبدد الأحلام الخلابة، وتكشف الحقائق المرة عن ضخامة البهتان) 1 .

حقيقة الأمر أن المواطن الحر لا يجد أمامه إلا وحشا يصول ويجول في البلاد، يفترس بكل قوة آدميته وكرامته.

من ذا الذي يصدق أن القوانين التي وضعت لحماية حقوق المواطنين تتحول في وطننا إلى وسيلة لاغتصاب هذه الحقوق.

من ذا الذي يستطيع أن ينفي ما وصلت إليه البلاد من قمع للحريات، واعتداءات سافرة على كل الحقوق. هذه آثار السياط المنغرسة في قلب المواطن على مدار “العهد الجديد” تمنعك من تصديق تلك الشعارات الزائفة. وحيثما وليت وجهك في المملكة الشريفة يهزك صوت المعذبين والمحرومين، وتصفعك دينامية العنف المدمرة لكل الحقوق، حيث الاعتقالات بالجملة، فلا يكاد يمر أسبوعا دون أن تكون فيه اعتقالات بالعشرات في صفوف جماعة العدل والإحسان، هذه الاعتقالات حطمت كل الأرقام القياسية ببلوغها ما يقرب 7000 عضوا، وفي زمن قياسي ببركة العهد الجديد الحامي لكل الحقوق. لنجد أنفسنا أمام نظام يسحق كل الحقوق، وبدل أن يطوي صفحات عهد الجمر والرصاص، يفتح سجلات سوداء تشهد على الاستمرارية والتكامل بين الماضي والحاضر. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: حقا ستتوارى ظلال مراكز القوة من أمثال أوفقير والدليمي من الساحة ليحل محلها جلاوزة يخدمون العرش كما خدمه الوزير الطريد، سيظل السوس ينخر في جسم النظام، وبعد الضربة المفاجئة، ستتوالى الانتكاسات وخيبات الأمل) 2 .

اعتقالات واختطافات مستمرة في حق كل من عارض سياسة المخزن، وفي حق كل من سولت له نفسه أن يحتج ويبدي ما تخفيه الصدور من ضيق وكراهية لكل من حاول مصادرة حريته.

• معتقلو أحداث 16 ماي 2003 والذي بلغ عددهم 3000 شخص، وما صاحبها من تجاوزات وخروقات كثيرة باعتراف أعلى سلطة في البلاد.

• معتقلو فاتح ماي 2007 في كل من بني ملال، القصر الكبير، أكادير…

• معتقلو الحركة الثقافية الأمازيغية في كل من أكادير، الراشدية، تازة، مكناس..

• محاكمات في الحقل الإعلامي، وما صاحبها من اعتقالات – عبد الرحيم أريري، مصطفى حرمة الله، إدريس شحتان…- وفرض غرامات مالية تقدر ب مآت الملايين – لوجورنال، المساء…-.

• احتجاجات ومسيرات ونضالات شعبية مستمرة في مختلف مناطق البلاد، سيدي إيفي، صفرو، الحسيمة، طاطا، تاماسينت، بوعرفة، آيت بلال، أزيلال، خنيفرة…

لم تكن جريمة هؤلاء سوى التعبير عن آرائهم ضانين أن هذا حق مشروع ومنصوص عليه في الدستور ومضمون لجميع المواطنين. ففي الفصل التاسع من الدستور ورد ما يلي في الفقرة 2 و3: يضمن الدستور لجميع المواطنين:

• حرية الرأي وحرية التعبير بجميع أشكاله وحرية الاجتماع؛

• حرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة نقابية وسياسية حسب اختيارهم.

ولا يمكن أن يوضع حد لممارسة هذه الحريات إلا بمقتضى القانون).

لم تكن الاختطافات الأخيرة في صفوف جماعة العدل والإحسان، والمؤرخة ب 28/06/2010 وما صاحبها من انتهاك سافر لحرمة البيوت، وترهيب الأطفال وأهل البيت والحي، وما تلقاه المختطفون من أصناف مختلفة للعذاب النفسي والجسدي إلا دليلا آخر لانتهاك لهذه الحقوق جملة وتفصيلا، وانتهاكا كذلك للمواثيق الدولية والتي صادق عليها المخزن ويتعهد بالالتزام بها.

وبذلك يكون “العهد الجديد” قد قدم للمغاربة نموذجا كاذبا وفاشلا ومغشوشا بإهداره لحقوق المواطنين، وعجزه عن طي صفحة الظلم وبناء مجتمع آمن مطمئن. يقول ويلز المؤرخ البريطاني: إن إمساك الناس بقبضة من حديد يحولهم مع الزمن إلى فولاذ).

كان طاغية رومانيا وحاكمها “تشاوسيسكو” في طهران قبل موته بأربعة أيام، فسئل عن الرياح التي تعصف بأنظمة أوربا الشرقية؟ قال: هذا صحيح ولكن رومانيا مختلفة، وحين تثمر شجرة الصفصاف كُمَثْرِي فيمكن حينها أن يتغير النظام عندنا، وبعد أربعة أيام كان يحاكم وزوجته فيعدمان ولا يعرف لهما قبرا.

وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد.


[1] الأستاذ عبد السلام ياسين، مذكرة إلى من يهمه الأمر، ص 6.\
[2] نفسه، ص 23.\