منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات طفا على سطح الأحداث النسائية بالمغرب ما سمي بقضية “النساء السلاليات”. ويتعلق الأمر بقضية أراضي الجموع التي تم تفويتها من طرف الدولة لمنعشين عقاريين واستفاد من عائداتها الذكور دون الإناث. وإن كانت معظم النساء المعنيات قد أجبرن على الرضوخ للأمر الواقع، فإن عددا ليس باليسير منهن قد نهضن للمطالبة بنصيبهن من عائدات هذه الأراضي، وانتظمن في جمعيات ورفعن دعاوى ضد الجهات المعنية، قوبل معظمها لحد الآن بالتجاهل.

وأراضي الجموع يقصد بها الأراضي التي توجد في حوزة المجموعات السلالية (قبائل – قرى – دواوير…)، كان تدبير الانتفاع بها يتم حسب أعراف سادت قبل الفتح الإسلامي لمنطقة المغرب واستمرت بعد ذلك. حيث كان تقسيم عائدات الأراضي، الذي يوكل لرؤساء هذه المجموعات، يعتمد على معيار “ذوي الحقوق” الذي يقتصر على الذكور دون الإناث. وبعد الفتح الإسلامي لم يتم تغيير هذا العرف حسب الشريعة الإسلامية بل استمر اعتماده، غير أن مبادئ التكافل الاجتماعي التي عمل على ترسيخها الإسلام، ضمنت حق الجميع- رجالا ونساء- في الاستفادة من عائدات هذه الأراضي وإن بنسب متفاوتة قد يكون فيها حيف، لكنها على الأقل كانت تستجيب للحاجيات الأساسية للسلاليين، فكانت المجموعة السلالية تؤازر الأرملة وتعين اليتيمة وتقف إلى جانب المطلقة.

وفي ظل الدولة “الحديثة”، تم إخضاع تدبير هذه الأراضي لمجلس وصاية تابع لوزارة الداخلية حسب ظهير 1919 المعدل بظهير 1963. والمثير للاستغراب أن هذا المجلس اعتمد في تدبيره نفس المعيار (ذوي الحقوق) الذي أنتجته أعراف قديمة لا أساس لها من الدين ولا انسجام فيها مع القانون. ومع اضمحلال مبادئ التكافل الاجتماعي، أضحت المئات من النساء الأرامل وأخريات يتيمات محرومات من حق الانتفاع بهذه الأراضي.

وبعد وقفة متأنية مع خلفيات هذه القضية، يلمس فيها ظلم وحيف كبير، يطال من جهة النساء ويطال من جهة أخرى الرجال والنساء معا.

ففيما يتعلق بالظلم الذي طال النساء، لا يسع المجال هنا لنتحدث عن الحيف الذي طالهن في هذه القضية على مدى تاريخ طويل ظل يحكمهن فيه عرف جاهلي لم يتم تعديله حسب مقتضيات الشرع، سنكتفي فقط بمناقشة الظلم الذي يطالهن في ظل الدولة “الحديثة”. وهنا يطرح السؤال عن المنطق الذي تم اعتماده لحصر “ذوي الحقوق” في الذكور دون الإناث، هل هو منطق : “الإسلام دين الدولة” الذي تنص عليه ديباجة الدستور والفصل السادس منه ؟ أم منطق : “دولة الحق والقانون” ؟

أما بمنطق الدين، فإن الإسلام قد كفل للمرأة حق الملكية وحق التصرف في أموالها. كما أعطاها حق الإرث، أما وابنة وأختا وزوجة وجدة. وهنا نقف موقف استغراب أمام إعطاء الأسبقية لعرف يقصي المرأة من حقها في التعويض عن أراضي الجموع، على مقتضيات الشريعة الإسلامية التي تنص على حق المرأة في الإرث. وأحكام الإرث واضحة وتحدد نصيب المرأة حسب الصفة التي ترث بها، فقد ترث في حالات مثل نصيب الرجل وفي أخرى أكثر منه وفي أخرى أقل منه.

إذن فالدين لا يعارض بتاتا أن تنتفع المرأة، بأي صفة من الصفات، من عائدات أراضي كانت لأجدادها وأجداد أجدادها. ومما يثير شديد الاستغراب في هذا السياق، أن وزارة الداخلية التي لجأت إلى أساليب متعددة لمواجهة مطالب النساء السلاليات وحرمانهن من حقهن، طلبت مؤخرا فتوى من المجلس العلمي حول رأي الشرع في حق المرأة من الأراضي السلالية. وهنا يطرح السؤال عن مغزى طلب فتوى من هذا النوع : أهو حرص على الانضباط بأحكام الشريعة، التي لا يخفى على أحد أنها لا تحرم المرأة من حق الإرث ؟ أم هو البحث عن ذريعة ذات صبغة “دينية” تسوغ هضم حق مشروع لآلاف من النساء المسكينات ؟ ويبدو أن الاحتمال الثاني هو الأرجح، لأنه وفقا للفتوى المطلوبة، أكد المجلس العلمي، منذ يناير الماضي، على الحق الشرعي لهؤلاء النساء في الاستفادة من أراضي أجدادهن… ورغم ذلك مازالت عراقيل عدة توضع أمامهن وتحول دون استفادتهن من نصيبهن من العائدات.

وأما بمنطق القانون، فمن المفروض أن الدستور المغربي يعتبر المرأة مواطنة كاملة الأهلية كأخيها الرجل، وقد وقع اتفاقيات دولية في هذا الشأن. ناهيك عن مدونة الأسرة التي يفترض أن فلسفتها هي تعزيز مكانة المرأة في المجتمع ورفع الحيف عنها. لكن بدل الانسجام مع هذا المنطق لجأت وزارة الداخلية لأساليب عدة للتصدي لمختلف الأشكال النضالية التي قامت بها النساء السلاليات بدل معالجة جوهر المشكل الذي هو اعتماد عرف مضى زمانه وانقضى. من بين هذه الأساليب، اللجوء إلى التشكيك في انتماء النساء إلى السلالات التي تم فيها تعويض إخوانهن وأقاربهن من الذكور. ثم أسلوب الوعود المتتالية بحل المشكلة دون أن يتلو هذه الوعود أي إجراء عملي، فضلا عن إصدار قرارات صورية بحق النساء في الاستفادة من الأراضي، تبقى حبرا على ورق، لا تصحبها خطوات إجرائية تيسر عملية الاستفادة، الشيء الذي يجعل حقوقهن تضيع من جديد في متاهات العقبات الإدارية وبين مكاتب السلطات المحلية ودهاليز التسويف والانتظار. كل هذا بدل أن يتم اللجوء لتغيير ظهير 1919 وفرض حقوق هؤلاء النساء بطريقة واضحة وبقوة القانون. فهل ينسجم هذا الحيف مع منطق دولة الحق والقانون ومع مبادئ الدستور؟ وهل يتماشى مع التهليل والتزمير الذي أعقب تعديلات مدونة الأسرة، راسما صورة عن مغرب يصون حقوق المرأة ويكفلها ؟ أم أن دور المدونة هو تلميع الصورة الخارجية للمغرب وتبقى دار لقمان على حالها في أرض الواقع ؟

أما عن الظلم الذي عم المرأة والرجل معا فهو التلاعب الذي طال تفويت هذه الأراضي من طرف الجهات المسؤولة، والذي ابتدأ منذ الثمانينات. فالأصل أن هذه الأراضي مخصصة فقط للانتفاع وغير قابلة للتفويت أو التمليك. إلا أن هذا الحق – حق الانتفاع – تم تأويله من طرف مجلس الوصاية بطرق شتى جعلته يفوته لكبار الملاكين كما للقطاع العام بأبخس الأثمان ودون وجه حق. كما تمت عبر سنوات اقتطاعات غير قانونية من هذه الأراضي لفائدة مقربين من الدولة. وهي عمليات تتم بتواطؤ بين الجهات المختصة ورؤساء الجماعات القروية والملاك العقاريين لهضم حقوق هذه الفئات التي يتم في النهاية إكراهها على ترك أراضيها والذهاب للعيش في مدن الصفيح، عيشة لا تتوفر على أدنى شروط العيش الكريم.

هذا إذن مثال يضاف إلى أمثلة أخرى لاستضعاف المواطن المسكين في هذا البلد، وتجريده من حقوقه عن طريق التلاعب بالقانون واستغلال مساحات الفراغ القانوني أو التعسف على القانون. وهو مثال يؤكد بالملموس أن المرأة تظل الضحية الأكبر لمخططات الظلم والتهميش. وأن قضيتها هي بالأساس قضية إرادة سياسية تريد لها أن تبقى مجرد ورقة تستغل كلما لزم الأمر لتلميع الصورة. عدا ذلك فهي في الهامش، تارة باسم قراءات فقهية متشددة، تارة باسم القانون، وتارة أخرى باسم أعراف مضى عهدها وانقضى.

إنه مثال جديد طفا على السطح، وماخفي كان أعظم، ليؤكد أن الاكتفاء بتعديل شكلي للقوانين لا يمكن أن يحل قضية المرأة. إن ما حدث من تلاعبات بالموضوع يؤكد أن هذه القضية لا يمكن أن تحل إلا في إطار شامل، يشمل كل المجالات وعلى رأسها المجال السياسي.

ولعل الجانب الآخر الذي يؤكد على شمولية القضية هو انعكاسات هذا الحرمان الذي طال النساء على جوانب أخرى من حياتهن، فقد زاد من حالة الفقر والأمية والإحساس بالدونية لدى جل هؤلاء النساء. بل كان له انعكاس على ارتفاع نسب الطلاق والاستغلال كما في حالة النساء “الكيشيات”. فحسب المعمول به في “كيش الاوداية” فإن المرأة المتزوجة برجل من نفس “جماعة الكيش” لا حق لها في التعويض، وتنتفي عنها صفة الانتماء بمجرد هذا الزواج. مما أدى إلى حدوث بعض الحالات التي يتفق فيها الزوجان على الطلاق لكي تنال المرأة حقها لكن إذا لم يحصل ذلك، فإن الرجل يرفض عودة المرأة إلى بيت الزوجية وتظل هاته الأخيرة عرضة لظلم أبشع من ذي قبل.

غير أن نهوض الجيل الحديث من السلاليات للمطالبة بحقوقهن واستماتتهن في ذلك وعدم تراجعهن يؤشر عن تطور إيجابي في العقليات التي نهضت لتفعل ولم تنتظر أن يفعل بها. أدركن أن الحقوق تنتزع ولا تمنح، فنهضن لانتشالها من بين أيدي من ألفوا هضم الحقوق وتشييد بروج على أشلاء المستضعفين.