إن المتتبع لمسار القمع المخزني في حق ״جماعة العدل و الإحسان״ يلاحظ أنها تشكل استثناء في مواجهة السلطات المخزنية للأصوات المناوئة لها، ويتضح هذا الاستثناء من خلال انعكاسات ونتائج هذه المواجهة على الطرفين، المخزن من جهة والأطراف المعارضة من جهة أخرى .

وبغض النظر عن منطلقات وخلفيات المعارضين، ومدى علو أو نزول سقف معارضتهم، فإنه يمكن حصر نتائج هذه المواجهة وما استقرت عليه في الواقع الحالي في ثلاث نتائج متباينة، وإن كانت كلها تصب في ترتيب المشهد السياسي الراهن على الشكل الذي يريده المخزن، وهو ما استطاع بالفعل تحقيقه إلى حد بعيد، إلا ما استثني واستعصى على المخططات المخزنية كما هو الحال بالنسبة لـ″جماعة العدل و الإحسان״.

ونشير فيما يلي، بشكل مجمل ودون الخوض في التفاصيل، إلى هذه النتائج، كما نراها، وهي كالتالي׃

الوأد في المهد أو الموت في الطريق

وذلك أن بعض الأطراف لم تكن تملك من المقومات أو من الرؤية الكافية ما يؤهلها لسلوك المسار الصحيح الذي يجنبها الوصول إلى هذه النتيجة، والتي يلاحظ أنها غالبا ما تصدق على التيارات التي تتبنى العنف كمبدإ في العمل، أو التي تنكفئ في السرية فيصعب التعرف على تصوراتها، ويسهل القضاء عليها وخنقها في الظلام بما ينسب إليها من تهم لا تستطيع إقناع أحد بعكسها، لأنها – وبباسطة- لا يعرفها أحد إلا من خلال ما يُعَرِّفُها به خصومها، ومعلوم أن عين السخط لا تبدي إلا المساوئ. لكن نهجا كهذا والمتمثل في القضاء المادي المباشر على الخصم دون السعي إلى تغيير قناعاته الداخلية، أو على الأقل مواجهته معنويا على مستوى العقيدة والفكر والتصور، هو الأسوأ، لأنه غالبا ما تظل هذه الأفكار والتوجهات تتنفس تحت الرماد.

الاحتواء والمخزنة وتغيير المبادئ

وهذه هي النتيجة الأعم في الراهن السياسي المغربي، والأقل كلفة داخليا وخارجيا والأكثر مصلحة بالنسبة للمخزن، بحيث تجنبه الإحراج، وتؤمن له التوافق والتناغم مع سياساته وتوجهاته.

ولأجل الوصول إلى هذه النتيجة استعملت وتستعمل السلطات كل أساليب الترغيب والترهيب والمساومة على المبادئ، أو بعبارة أخرى: سياسة العصا والجزرة أو هما معا. ويبدو أن العقلية المخزنية قد حصَّلت من الخبرة في هذا المجال ما جعلها توظف عدة أشكال من أجل احتواء الأصوات المعارضة، بما في ذلك المشاركة في تدبير الشأن العام، والتي حولتها إلى طُعم أو شَرَك تصطاد به كل من يخوض في معمعانها، إلى درجة أعلن معها أحد الفضلاء ممن ينتمون إلى هذه المكونات التي صدقت عليها هذه النتيجة، أن حزبه دخل لينقذ الدولة فخسر نفسه ـ حسب تعبيره

التحجيم والحد من الفعالية

وذلك أن بعض الحساسيات السياسية التي تتبنى إيديولوجيات معارضة أو راديكالية إلى حد ما، والتي تحمل عوامل ضعفها في ذاتها، ولا تجد توجهاتها رواجا في الأوساط الشعبية، فهذه تترك لتناقضاتها التي تحشرها في زاوية ضيقة من زوايا المشهد السياسي والاجتماعي، ولا يحتاج الأمر معها إلى مجهود كبير لتبقى تحت السيطرة ولا تتجاوز بمعارضتها الخطوط الحمراء.

لكن عندما يتعلق الأمر بـ”قوة هادئة” تسير بخطى ثابتة وبوتيرة تصاعدية داخل جميع الشرائح الشعبية، مهتدية بتصور واضح ومنهاج متكامل للعمل، مع رفض مبدئي لأهم قواصم العمل السياسي؛ كالعنف والسرية والاستقواء بالخارج. أضف إلى ذلك ما تحمله من العوامل الصحية الأخرى التي تحميها من أي تقوقع أو انكماش على الذات، وما أثبتته تجربة المواجهة معها لسنوات طويلة من عدم إمكانية القضاء عليها، وعدم جدوائية ترويضها أو احتوائها داخل العباءة المخزنية..

لكل ذلك وغيره فإن الخطة التي يبدو أن المسؤولين قد لجأوا إليها لمواجهة مثل هذا التيار الاستثنائي، الذي تعبر عنه بوضوح ״جماعة العدل والإحسان״، تتلخص في أن׃ “ما لا يدرك كله لا يترك جله”، وأن من استعصى قطع يده فلا أقل من تقليم أظافره. وهذا ما كشفت عنه الهجمات الأخيرة للمخزن على الجماعة، والمستمرة منذ 24 ماي 2006، والتي تبين بالملموس أن الحد من فاعلية الجماعة ورسم نطاق محدد لتحركاتها سواء على مستوى الواجهة الداخلية لأعضائها أو الخارجية، هو الهدف المباشر لهذه الحملة.

أ‌- على المستوى الداخلي للجماعة׃

اعتمدت السلطات الأمنية عدة أساليب قمعية، كان من أبرزها التركيز على منع انعقاد مجالس الجماعة وتفريق أفرادها وتعسير اجتماعاتهم ومتابعة أعداد كبيرة منهم بتهمة ״عقد مجلس عمومي دون ترخيص أو دون تصريح״. والغرض من ذلك هو استنزاف معنويات أعضاء الجماعة والمراهنة على فتور نشاطهم بسبب توالي المتابعات والمحاكمات والمضايقات المتكررة.

يضاف إليه استنزاف آخر مادي يتمثل في إثقال كاهل الجماعة بكثرة الغرامات والمصادرات، والتضييق على عدد من الأعضاء في أرزاقهم وأسباب عيشهم.

لكن المشكل الذي يعترض هذه السلطات، والذي لايدخل غالبا في حساب الساسة، هو أنها تواجه جماعة تتجاوز الروابط المادية إلى الروابط المعنوية بين أعضائها قلبيا وروحيا وعقليا. وبالتالي يبقى المنع المادي، في هذه الحالة، ضعيف الجدوى، بل إن من شأنه أن يعطي نتائج عكس ما يتوقعه المخزن على معنويات الأعضاء، والتي قد تزيدها مثل هذه الضربات قوة بما تعمقه من الإحساس النفسي لدى أفراد يجمعهم تنظيم إسلامي، بتشابه حالهم مع بداية الدعوة الإسلامية وما عرفته من ابتلاءات، وتضييق على المجالس الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، وليس يخفى على أحد ما لذلك من تنشيط للنفوس على العمل والحركة والاستعداد للتضحية. وهو ما نلمسه من خلال تزايد عدد المتابعين والمتابعات من أجل عقد مجالس الجماعة. بل إن من شأن مثل هذه الحملة أن تنفض غبار الفتور عن من وجده من نفسه. ورب منحة في طيات محنة.

على المستوى الخارجي

كما هو معلوم فإن بداية هذه الحملة قد انطلقت مع إعلان الجماعة عن تنظيم “الأبواب المفتوحة” لتعريف عموم الشعب بمشروعها، مما يحيل على حرص السلطات على قطع أي تواصل للجماعة مع أفراد المجتمع، وترهيب كل من تسول له نفسه التعاطف معها أو الانخراط في صفها أو حتى الاستماع لطروحاتها.

لكن تطابق رأي عموم المغاربة، كما عبرت عنه وتعبر نسب المشاركة الهزيلة في كل الانتخابات، سواء التي سبقت الحملة على الجماعة والتي تلتها مباشرة في شتنبر سنة 2007 والتي جاءت بعد ذلك، مع موقف الجماعة الذي اعتبرها باللاحدث، يعطي إشارة قوية على أن مواقف الجماعة هي الأكثر قربا من الشعب والأكثر تعبيرا عن نبض المواطنين، رغم كل أنواع الحصار، وأن السلطات المخزنية لا تعدو أن تكون بمثابة حاجز يحبس خلفه المياه التي يمكن أن تصب في أية لحظة في حياض الجماعة.

ونختم بما ابتدأت به هذه الحملة، وهو التصريح الشهير لوزير الداخلية السابق الذي أعلن فيه: “أن “جماعة العدل والإحسان” بتكثيفها لأنشطتها تكون قد وضعت نفسها خارج القانون”. وهو ما أعطى فرصة لإعادة طرح سؤال قانونية الجماعة وحقها في العمل، وجر المواجهة مع المخزن إلى ساحة لا يحسد عليها وهي الساحة الحقوقية.

وبالفعل أصدرت الجماعة من خلال هيئتها الحقوقية تقارير رصدت من خلالها مختلف الخروقات الحقوقية التي تتعرض لها الجماعة في إطار هذه الحملة، مبيّنة انتهاك السلطات المخزنية للقوانين الوطنية و الدولية على السواء.

أضف إلى ذلك أن المتابعات التي تمت في هذا الإطار، قد ساهمت في تعزيز الموقف القانوني للجماعة، إذ إن أغلبها قد تراجع عن تهمة “الانتماء لجمعية غير قانونية”، واكتفى بتهمة “عقد تجمع عمومي بدون ترخيص أو تصريح”، وهذه التهمة بدورها لم تصمد أمام الدفوعات القانونية التي تقدم بها محامو المتابعين والمتابعات من أعضاء الجماعة، وهو ما ظهر في اختلاف المحاكم وتضارب أحكامها في نفس النازلة بين البراءة والإدانة.

إن ملاحظة مآل التجارب العالمية التي جعلت من القمع أسلوبا لها في تعاملها مع القوى السياسية المعارضة، في كل المجتمعات سواء القريبة أو البعيدة منا زمانا ومكانا، وكذلك التجربة المغربية فيما سمي بـ”سنوات الرصاص”، والذي يبدو أن ذخيرة أصحابه لم تنفذ بعد، واضطرارها في نهاية المطاف إلى فتح ملفات الماضي، والحديث عن جبر أضرارها، يدفعنا إلى التساؤل:

هل سنجد أنفسنا في المستقبل نكرر نفس الأمر، لنتحدث عن جبر أضرار “سنوات الرصاص الثانية”؟

ألم تستفد وتنتبه الأطراف الساكتة عما يجري أن جَزَر الثعالب ما هو إلا طعم للأرانب؟