تحدث إكناسيو راموني مرة في لوموند ديبلوماتيك عن أكاذيب الدولة، فجاء عنه أن الدولة لا تتوانى عن مناورات لاختلاق الأكاذيب لتسميم العقول من طريق عمل أجهزة المخابرات، والدولة كلما زاد استبدادها وفسادها تزايد معدل الكذب في سياستها للعامة والجمهور، فهي “مضطرة” لأن تكذب لأكثر من سبب: “مضطرة” أن تكذب أولا تبريرا لفشلها، و”مضطرة” لأن تكذب ثانيا إلقاء باللائمة على الأحرار الأبرياء من نقادها ومعارضيها، و”مضطرة” لأن تكذب ثالثا تزييفا على الدوام لحقائق الأشياء، فإن الأشياء والوقائع إذا عرضت على ما هي عليه ظهرت الحقيقة وانكشف الغطاء عن السوءات كما يقال.

و سوءات الدولة المستبدة لا تتوقف عند اختلاق الكذب لمداراة شنيع أفعالها، وسوء تدبيرها ونهبها، بل قد تستظهر الدولة المستبدة بالسيف وأربابه كما يعبر ابن خلدون في مقدمته لتمكين الولاء بالقوة للمتغلبين، وشأن هذا الطريق أن لا يغرس إلا ولاء مكذوبا ومزيدا من الكراهية الممزوجة بالخوف من بطش رعاة دولة التخويف وترويع الآمنين.

ولئن كان من مهام الدولة الديمقراطية الحديثة تأمين مواطنيها مما يمكن أن يدخل عليهم أسباب الخوف والجوع، فإن الدولة عندنا-والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه- تحرص على توسيع دائرة الفقر وزرع الرعب في قلوب “رعاياها” متناسية أن ولاء الناس لوطنهم لا يكون من طريق الترويع والترهيب، بل من طريق تمكينهم من حقوقهم وعلى رأسها حرية التعبير، فإن الإنسان الحر لا يكون إلا بإعلان ما يعتقده خصوصا إذا كان من صميم ما يمس سياسته وإنسانيته، فحاجته لإبداء رأيه قد لا تنزل عن حاجته للمأكل والمشرب والمسكن.

إن الولاء للوطن لا يكون إلا حين تنشأ الروح الوطنية في النفوس، وكيف يرجى لهذه الروح أن تبرعم في النفوس وتزهر، والدولة مصرة على أن تأخذ ولا تعطي، وفي المغرب ملايين من الناس الذين يعطون كل يوم من جهودهم ودمائهم وعرقهم وإخلاصهم، ملايير تتقاضاها الدولة من المواطن، لأنه المنتج الحقيقي للثروة وهو المولد الأصيل للطاقة التي تدور بها عجلة الحياة، وفي الأخير يجازى بتكميم الأفواه ومداهمة البيوت وانتهاك الحرمات بما لا مزيد عليه.

إن جماعة العدل والإحسان – والتي كما يعرفها الجميع – جماعة معارضة، لا تحتاج إلى الاعتراف بها إلا مثلما تحتاج الشمس لمثل هذا الاعتراف، تؤكد باستمرار أن نقد الفعل السياسي لا يكون إلا بتفكيك مقدماته لا بالخوض في نتائجه وتفاصيله، ولعل هذا ما يزعج أصحاب الشأن الذين فشلوا في ترويض هذه الجماعة المعارضة، فاختاروا طريق العاجز الذي أثبتت التجارب في الداخل والخارج أن المقاربة الأمنية أفشل من أن تضع حلا لمنطق الأفكار القوية والجريئة، بل إن المقاربة الأمنية صنعت من حيث لا يحتسب الصم العمي من صناع القرار السياسي “جماعات التكفير والهجرة” التي قضت مضاجع العالم بعنفها الذي لم يكن إلا رد فعل على عنف الدولة وتقديرها السخيف للأمور. فقد أثبتت التجارب أن السجون لا تقضي على الأفكار الأكثر سوداوية، بل تزيدها قتامة إذا جامعها سوء المعاملة وإهدار الكرامة الإنسانية، وليقرأ من شاء من “الأمنيين” الأميين كيف نشأت جماعة شكري مصطفى العنيفة في أقبية السجون وليس خارجها.

إن الذي جرى في الأيام القليلة الماضية من أمر اختطاف مغاربة منتمين لجماعة العدل والإحسان، ولم أشأ أن أقول مواطنين مغاربة، لأن اختطاف الناس يضاد فكرة المواطنة،فليس عندنا مواطنون بالمعنى المتقدم للكلمة، لأن المواطنة التزام وعقد يحكمه القانون واحترام كرامة الإنسان وحرياتهم وليس “البلطجة” المخزنية.

إن السياسة هي المهنة الحقيرة كما قال تشرشل التي يمارسها الشرفاء وغير الشرفاء، والواقع أن واقعة الاختطاف هي ممارسة للسياسة أيضا ولكن بدون شرف، إذ الشرف يقضي بالتزام القانون أولا ثم بالتزام الأخلاق الإنسانية مع الخصوم كما الأصدقاء، لأن الاختلاف في تقدير الأشياء لا يدعو إلى التفكير في الإلغاء بأي سبيل كان.

إن الاختطاف يعيد للذاكرة صورة الإرهاب الفائق Hyperterrorisme الذي يمارسه القيمون على تطبيق القانون”صورة حاميها حراميها”، صورة ظنها كثيرون أنها قد عفى عليها الزمن بفعل التوهيم الإعلامي الرسمي الذي ما لبث يسوق لكذبة الإنصاف والمصالحة، ولكن الزمن المغربي في نسخته الجديدة والمفهوم الجديد للسلطة يأبى إلا أن يؤكد أنه وفي للاستمرارية وتقاليد القهر وأن عنف الدولة ظاهر وجوبا ولا حاجة إلى تقديره.

إن العودة لأسلوب الاختطاف عودة للماضي الذي اكتوى المغاربة الشرفاء بلظاه(يساريون وإسلاميون على حد سواء)، وأقسموا أن يحموا المغرب من تكراره، إنها سابقة لاحقة غاية في الخطورة… العودة للاختطاف عودة لطاعون السياسة الذي يواري قسوة الروح السياسي لا رحمته، وهذا معنى ما قاله أنطونان أرتو من حيث كان هذا الطاعون هو انكشاف قاع القسوة الكامنة التي تتمحور عن طريقه على فرد أو على شعب كل الإمكانات المنحرفة للروح.

وإن من أقصى مظاهر التفاهة انحراف الروح، ذلك أن التدمير يتحول إلى بناء، والتخويف يتحول إلى تأمين، والبطش يتحول إلى سؤدد، فتنقلب سائر المفاهيم، ويضيع المعنى، فلا سبيل إلى إمساك خيطه من جديد، ويستحيل الكلام بالنهاية إلى اللغو لتحكم الجهل وإطباق التوقح، وهو البلاء بعينه، وصدق المتنبي حين قال:

ومن البليّة عذل من لا يرعوي *** عن جهلِهِ , وخطاب من لا يفهمُوعندي أن”جماعات المخلصين” من “المؤمنين” بالمقاربة الأمنية وعنف الدولة ممن يقعون تحت خطاب أبي الطيب ممن لا يرعوي عن جهله وزاد عليه”مزية “من لا يفهم”.

إنه لمن الهذيان تصديق ما ذهبت إليه الروايات الرسمية وما تناسل عنها، ذلك أن الرواية ينقصها كثير من الذكاء، فجاءت فجة مجافية للعقل والمنطق، وجدير بالذكر أن الاختلاق يحتاج إلى ضرب من الذكاء على كل حال وإلا كان عمر نتاجه وصناعته قصيرا جدا. وإن مقتضى العقل أنه حتى في حال اتهام الناس في “دولة القانون” فإن مساطر استدعائهم للمثول أمام القضاء بعيدة عما قرأنا عنه من مشاهد”البسالة” التي أبدتها عناصر الشرطة القضائية في اقتحامها للبيوت وتكسيرها للممتلكات وسرقتها لأمن الناس المسالمين الذي لا يقدر بثمن.

إن المغرب اليوم بحديثه عن حقوق الإنسان والتنمية البشرية وبرامج التحديث والعمران الذي يساوقه عمليات الاختطاف ومداهمة البيوت وترويع الآمنين وتخريب “العمران” يدشن نموذجا فريدا في التقدم لكن إلى الوراء هذه المرة.

عن موقع هسبريس.