بعد صدور كتاب “الحكومة الملتحية” لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق السيد عبد الكبير العلوي المدغري، أثير نقاش قوي وردود أفعال متباينة كون الرجل “لا ينطق عن الهوى” وإنما هو رجل يعبر عن رؤية ومزاج المخزن في كيفية التعاطي مع الحركات الإسلامية، فالكتاب كما هو معلوم صدر قبيل الانتخابات التشريعية لعام 2007 بحيث أنه استبق جميع التوقعات والأراجيف الكاذبة التي سوقتها بعض مراكز البحث الأجنبية حول تصدر الإسلاميين للانتخابات والفوز الكاسح المنتظر. جريدة المساء أجرت حوارا مع مؤلف “الحكومة الملتحية” عبر حلقات، أجرى الحوار الزميل إدريس الكنبوري، وكان هذا الصحفي حقيقة أهلا لهذا الحوار بحيث نجح أن يستخرج المكنون في صدر خادم الأعتاب الشريفة، وصاحب فتوى “السلطان ظل الله في أرضه”. الحوار تطرق إلى دور عبد الكبير العلوي المدغري في احتواء جزء مهم من الإسلاميين إلى حضن المخزن على عهد الحسن الثاني رحمه الله، أو ما تسميهم فيما بعد الباحثة مليكة الزغل بـ “إسلاميي المخزن”. في هذا الحوار افتخر السيد الوزير كونه استطاع أن يُدخل جميع الإسلاميين المغاربة إلى القصر الملكي وقدمهم إلى الملك الحسن الثاني فقبلوا يده جميعهم، ولما سأله الكنبوري عن العدل والإحسان هل قبلت يد الملك، أجاب السيد الوزير بأن جماعة العدل والإحسان لم تكن حاضرة في هذا اللقاء،ولما سُئِل عن كيفية حصول السيد الوزير عن المعلومات من داخل الجلسات واللقاءات التي عادة ما تحاط بالسرية والتكتم. كان جواب السيد الوزير وضاحا… فضاحا (مع تشديد الضاد للمبالغة طبعا ولمن ألقى السمع وهو شهيد): إننا نحصل على المعلومات من داخل هذه اللقاءات عن طريق بعض الأفراد المنتسبين لهذه الجماعة أو تلك .. واستطرد السيد الوزير فاضحا دوره الحقيقي ضمن منصب سيادي قائلا: هناك رجال مواطنون يحبون وطنهم ضمن هذه الجماعات والحركات، وهم من يتكفلون بنقل هذه المعلومات!!

فهل هؤلاء الأعضاء الذين ينشطون ضمن الحركات الإسلامية، والذين يرفضون التعامل مع الأجهزة الأمنية للتجسس على تنظيماتهم، ليسوا مواطنين؟ فما هي إذن معايير المواطنة الحقة في فهم خدام المخزن؟ فهل الجاسوس الذي خان الأمانة وركن إلى “الذين ظلموا” ورضي أن يكون خصيما لـ”الدعوة إلى الله” يعتبر مسلما حقا يتحلى بأخلاق الإسلام مثل الأمانة والصدق والاصطبار مع الذين آمنوا – حسب الإسلام كما تفهمه الحركات الإسلامية – بله أن يكون مواطنا؟ أو ليست المواطنة هي أن يجد المواطن مجالا أوسع للحرية يعبر فيه أن فكره ورأيه وهواه وميولاته ويوطن نفسه على مشروع مجتمعي يراه مناسبا و”منقذا من الضلال”؟

والسؤال المهم: هل تقبل الحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني التي لا تستند على المرجعية الإسلامية المطلقة أن يكون ضمن تنظيماتها السياسية وتشكيلاتها الاجتماعية جاسوسا يبلغ للأجهزة الأمنية تقارير الاجتماعات واللقاءات وما تم تقريره في هذه اللقاءات؟؟

فالجواب بالطبع هو: لا، ويكفي أن نستذكر أن كلمة “بوليسي” و”مشتبه” كانت كافية لتقديم أي طالب حامت حوله الشبهات لمحاكمة جماهيرية يتكفل بها مناضلو النقابة الطلابية “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” في عز أيامها.

والسؤال الأهم: هب أن الأجهزة الأمنية استطاعت أن تخترق العدل والإحسان، فماذا يمكن أن تجنيه من هذا التنظيم الذي له خصوصية تميزه عن باقي التنظيمات والتشكيلات الأخرى؟ ويمكن أن نضيف: لماذا اتجه اهتمام الأجهزة الأمنية إلى التجسس على التنظيمات الموازية للجماعة والتي لها سلطة إنتاج الأفكار وإصدار القرارات مثل الدائرة السياسية وغيرها من التنظيمات التي يحبل بها جسم الجماعة؟

ينبغي التأكيد أن التجسس على الجماعة لم يكن وليد اليوم بل هو ديدن الأجهزة الأمنية منذ السنوات الأولى لبداية تشكل الجماعة تربية وتنظيما وزحفا، وهذه أمر طبيعي كما يجب أن نعلم، غير أن ما وقع في فاس ليلة 28 من الشهر الماضي والذي لا تزال ملابساته غير واضحة من جهة أجهزة الدولة ما دام الأمر يتعلق باختطاف مواطنين خارج شرعة القانون، فالحدث هذي المرة جاء في سياق محاصرة الجماعة وإحكام السيطرة على تحركاتها وأنشطتها الموازية، هنا ينبغي الاستفهام عن النهج الجديد المتبع من لدن أجهزة الدولة في التعاطي مع أكبر تنظيم سياسي بالمغرب، حتى لا نقول أكبر تنظيم إسلامي بالمغرب لأن الشعب المغربي كله مسلم بمن فيهم الذين يحاربون العدل والإحسان، فالصراع هنا يكتسي طابعا سياسيا صرفا. فافهم!

يحسن بنا أن نذكر بالشعار الذي عصم الجماعة من الاختراق ووقاها من الأضرار التي لحقت التنظيمات والتشكيلات السياسية الأخرى، الشعار هو : لا للسرية، لا للعنف، لا للتعامل مع الخارج، هذه اللاءات الثلاث كافية للتعرف عن فكر الجماعة ومشروعها الذي تطرحه، فيمكن لأي كان أن يعرف فكر الجماعة من لسان أعضائها في جلسة في مقهى أو مرافق العمل أو أي مكان أو حتى في العالم الافتراضي مثل فايسبوك وتويتر وبعض المدونات والمنتديات الالكترونية، ويمكن للملاحظ أن يشبع فضوله المعرفي من تكرار نفس الأسئلة على عينات من الأعضاء في الجماعة حتى يلملم المعنى الكامن هنا وهناك. كما أن الجماعة ما فتئت تكرر أنها جماعة تدعو إلى الله، بمعنى أن جلساتها التربوية مفتوحة للجميع، وكذلك لقاءاتها لاسيما في زيارة بعض القيادات لبعض المناطق بالمغرب غالبا ما يراد بها التواصل مع الشعب. كما أن بيوت القيادات هي أيضا مفتوحة للجميع دون استثناء. بمعنى أن الجماعة لا تخشى على نفسها من آفة الاختراق ما دامت تطرح أفكارها على مرأى ومسمع من الجميع، ولهذا السبب تم منع الأبواب المفتوحة في كثير من المدن المغربية منذ عام2006 في إعلان واضح من الدولة لبداية حصار جماعة العدل والإحسان والذي لا زال مستمرا ومسترسلا إلى يومنا هذا، وفي هذا الإطار يأتي حدث اختطاف الأعضاء السبعة في مدينة فاس.

أكيد أن أجهزة الدولة واعية كون اللقاءات التربوية التي تعقدها الجماعة والتي عادة ما تكون مفتوحة للجميع لا يمكن لأي كان أن يظفر بشيء مما تريده الأجهزة الأمنية، فالمدة الزمنية التي يستلزمها البرنامج التربوي كقراءة القرآن والتدبر في آيات الله والتوجه للقبلة لذكر الله وما يتطلبه من تربيع الرجلين وفي فضاء ضيق جدا، مضافا إليها مدة زمنية لا تقل عن ساعة في قيام الليل وبعدها يأتي برنامج ذكر الله.. ولنتصور لو كان الجو صيفا مثل أيامنا هذي !! فهذا يتطلب مجهودات “جد مضنية” لمن كانت نيته تسجيل المعلومات التي تريدها الأجهزة الأمنية، فلا معلومات ولا أجر ولا ثواب… فشعار الجماعة هو التربية أولا والتربية ثانيا والتربية دائما…. وكون الدولة واعية بهذا الأمر فإنها أصبحت تراهن على الأعضاء في بعض التنظيمات الموازية للجماعة كما وقع في فاس حسب تصريح الناطق الرسمي السيد فتح الله أرسلان لقناة الجزيرة، فالشخص الذي رضي أن يتعامل مع الأجهزة الأمنية وهو محام، فقد تم ضبطه وفصله من التنظيم، ويبدو أن الجماعة استطاعت أن تتغلب على الدولة في حرب التجسس، والسبب لا يعود بالدرجة الأولى إلى فطنة الأعضاء وذكائهم كما يبدو للبعض، بل إن الأمر راجع إلى طبيعة التنظيم نفسه، فكثير من الناس من يعتقد أن أعضاء الجماعة يقدسون قياداتهم، وهذا برأيي غير صحيح، فهناك احترام وتقدير وتعظيم يلقى جذوره في طبيعة هذه العلاقة التي تربط القيادة بالقاعدة، علاقة تجسدها أصول التربية المغربية على المستوى الثقافي والتاريخي، استطاعت الجماعة أن تمحو عنها الغبار وتضمها إلى المعمار الفكري الذي أثله مرشدها في مشروعه المتكامل، بصرف النظر عن اختلافنا واتفاقنا في هذي النقطة أو تلك، إنه مشروع منقوع في التربة المغربية من حيث المفردات التي يرددها الأعضاء في الجماعة ويتمثلونها في التخاطب اليومي وهي مفردات ليست مستعارة من المشارقة كما لدى الحركات الإسلامية الأخرى. مضافا إلى هذا كله أن المشروع المجتمعي الذي تمتلكه الجماعة وكذا الحب الذي يجمع القاعدة بالقيادة هو الكفيل وحده بأن يحفظ الجماعة من كل محاولات الزيغ والتيه أنى كان مصدرها ومأتاها.

إن عملية اختراق تنظيم مثل جماعة العدل والإحسان لن تؤتي أكلها آجلا أم عاجلا. لقد ذكرنا بعض الأسباب وآثرنا ألا نذكر البعض الآخر، ما دام يبقى في حدود المشترك بين جماعة العدل والإحسان والحركات الاجتماعية الأخرى ذات الصبغة العقائدية.

إن جماعة العدل والإحسان تحارب وتحاصر لأنها تمتلك مشروعا مجتمعيا مختلفا عن المشروع الذي يصفق له جميع الفاعلين السياسيين الرسميين، كما أنها تمتلك مشروعية شعبية غير متوفرة لدى الأحزاب السياسية، هذه حقيقة “غفل” عنها السيد عبد الإله بنكيران في تصريحه في مؤتمر أحد الأحزاب الإدارية، ومع ذلك نال ما ناله الطبل ليلة العيد. مضافا إليها مشروعية أخلاقية، لأنها لم ترض لنفسها أن تكذب على الشعب بمشاركة انتخابية غير مضمونة ولو تعلق الأمر بالمشاركة ضمن “حكومة ملتحية” كما بشر بذلك عبد الكبير العلوي المدغري. لقد اعتبرت الجماعة انتخابات 2007 عملية لتسويق الوهم، وهذا ما حصل فعلا وأرقام المقاطعة للانتخابات خير دليل على ما آل إليه الوضع الاجتماعي والسياسي بالمغرب. فجماعة العدل والإحسان تؤدي الثمن غاليا لأنها رفضت أن تكون مع الخوالف وتقدم شهادة الزور على ما يسمى بالمشروع الحداثي الديمقراطي فتخسر شرعيتها.

تجدر الإشارة إلى أن القمع المسلط على الجماعة لا يزيدها إلا قوة، فمقاومته بالطرق السلمية كما عودتنا الجماعة هو جهاد في سبيل الله، وينبغي أن نذكر في هذا الصدد تصريح الأستاذ عبد السلام ياسين فور رفع الحصار عنه عام 1995 ليوم واحد بعدما صلى مع الناس الجمعة في مسجد بنسعيد في مدينة سلا حيث قال : لو كان هذا الحصار فيه خير للدعوة فنسأل الله أن يطيل فيه !!

لكن هذا القمع وهذه الخروقات التي تتعرض لها جماعة العدل والإحسان لا ينبغي أن تقابل بالصمت المطبق من لدن الشرفاء والفضلاء في البلد، لأن هذا القمع المسلط على الجماعة أكثر من أربع سنوات إنما هو مسلط على الجميع آجلا أم عاجلا، فالتنديد به هو التنديد بما قد يطال الآخر، فالدفاع عن جماعة العدل والإحسان في هذي الأيام هو دفاع عن النفس أولا، فأن تكون مواطنا حقا هو أن يتنعم جميع الناس بالمواطنة الحقة، والاختلاف لا يفسد للود قضية، وهنا ينبغي أن نذكر بما وقع في تونس الخضراء قبل أن تحمر بنار الاستبداد الذي أتي على الأخضر واليابس، ففي بداية الأمر قيل بأن النظام التونسي يحارب “الظلاميين”، أي حركة النهضة التي يتزعمها المفكر راشد الغنوشي، وكان بعض اليساريين ظهيرا للسلطة في حربها على الإسلاميين وعلى نقابتهم الطلابية، وبعدها جاء الدور على اليساريين، واسألوا المناضل اليساري محمد مواعدة الذي ندم وقدم ثوبته أمام المشاهدين في برنامج تلفزي، وبعدما انتهى النظام من اليساريين جاء الدور على الحقوقيين، واسألوا الدكتور منصف المرزوقي، وبعد الحقوقيين جاء الدور على الصحفيين والمدونين والإعلاميين بشكل عام.

كنا نتحدث عن المطالبة بالحرية للمعتقلين الستة وإطلاق سراحهم، أضحينا نتحدث عن المطالبة بالحرية للمعتقلين السبعة وإطلاق سراحهم….. ما قدو فيل زادوه فيلة!!

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

نقلا عن هسبريس.