اختطافات اعتقالات مداهمات للبيوت محاكمات ضرب وقمع وعنف شرس..

يكاد الحديث عن الحرب المخزنية على جماعة “العدل والإحسان” يصبح حديثا يوميا يصبح ويمسي عليه المغاربة. فمنذ مايو 2006 تصاعدت حدة هذه الحرب حتى يكاد لا يمر يوم دون أن نسمع خبرا عن اعتقال أجهزة القمع المخزني لمجموعة من أعضاء “العدل والإحسان” هنا أو مداهمة بيت لعضو هناك. ثم اتخذت الحرب منحى تصاعديا خطيرا بالحدث الذي شهدته مدينة فاس يوم الاثنين 28/06/2010 حيث قامت أجهزة المخابرات باختطاف سبعة من خيرة أبناء الجماعة بالمدينة وسط جو من الإرهاب يذكر بفعل الصهاينة في فلسطين. وقد أماط هذا الحدث اللثام عن معركة أخرى تخوضها أجهزة المخزن على الجماعة بعيدا عن الأضواء وبسرية تامة لا يرصدها الباحث العادي بله المواطن البسيط. هذه الواجهة الحربية تركز أساسا على محاولة اختراق صف الجماعة من خلال استقطاب أعضاء من التنظيم نفسه أو زرع مندسين داخله. وللحقيقة والتاريخ فإن هذه المحاولات ليست وليدة الأمس بل باشرها المخزن منذ اللحظات الأولى لتأسيس الجماعة.

وإذا كانت المواجهة الأمنية والاستخباراتية أبرز تجليات وأدوات الحرب المخزنية على جماعة “العدل والإحسان” فإن المتابع يتساءل هل هي الوحيدة؟ هل حرب المخزن المغربي على الجماعة محصور في الجانب القمعي المادي وحده أم أنها حرب إستراتيجية تشمل مجالات متنوعة ومستويات مختلفة لا يشكل البعد الأمني إلا الجزء الظاهر منها فقط؟

لم يعد يماري أحد في أن الحرب على جماعة “العدل والإحسان” هي أساسا حرب على المشروع الدعوي والنهضوي المجتمعي الذي تحمله وتبشر به كبديل لواقع الفساد والاستبداد الذي يرزح تحت نيره المغرب منذ سنوات طويلة. ولا أدل على ذلك من أن هذه الحرب بدأت منذ انبثاق دعوة “العدل والإحسان” على يد الأستاذ المرشد “عبد السلام ياسين” في أوائل السبعينات من القرن الماضي ثم استمرت هذه الحرب بلا هوادة بكل الطرق إلى أن تصاعد أوارها واشتد لهيبها بعد مايو 2006. ولم تقتصر هذه الحرب على مجال دون آخر غايتها تطويق دعوة الجماعة ومنعها من الانتشار. وبشكل عام يمكن حصر مجالات مواجهة المخزن لهذه الدعوة في الواجهات التالية:

الواجهة الأمنية: وهي تجسد أبرز تجل لهذه الحرب

فقد عرفت الجماعة منذ تأسيسها إلى الآن الآلاف من حالات الاختطاف والاعتقال والتعذيب التي عمت كل الأعضاء على اختلاف فئاتهم ومستوياتهم التنظيمية بدءا بالمرشد العام ثم مجلس الإرشاد فسائر الأعضاء. ولم يسلم من هذه الانتهاكات الجسيمة لا التلاميذ ولا الطلبة ولا الأطر ولا أي من الفئات الاجتماعية المكونة لنسيج جماعة “العدل والإحسان” بل شملت حتى الأطفال والنساء على طول الرقعة الجغرافية للمغرب. أما التجلي الثاني للحرب الأمنية على الجماعة فقد فضحه الحدث الأخير الذي وقع بمدينة فاس ويتمثل في الجهد الاستخباراتي ضد الجماعة وعلى رأسه محاولات اختراق صفها الداخلي. ويهدف الاختراق تحقيق هدفين أساسيين:

*** ضمان سيولة في المعلومات عن المسئولين والأنشطة والتحركات، وهذا ما توظف فيه أيضا فضلا عن العامل البشري، كل التقنيات الحديثة من وسائل التجسس على الهواتف والبيوت والسيارات والعناوين البريدية الإلكترونية وغيرها كثير.

*** خلق طابور خامس قصد التهيؤ لخطوة أكبر وأكثر خطورة تنتهي إما بتفتيت التنظيم من خلال خلق تيارات متشاكسة داخله أو منشقة عنه إضافة إلى تشويه سمعة الجماعة والإخلال بنظامها الداخلي واختياراتها بدفع العناصر المندسة إلى القيام بممارسات وأفعال مخالفة للنهج السلمي المتزن للجماعة…

وفي كلتا الحالتين يستهدف الاختراق وحدة الجماعة وتماسكها ومصداقيتها داخل الصف وخارجه ليسهل على المخزن تدميرها واستئصالها.

عموما لم تتوقف ماكينة القمع المخزني، بكل مكوناتها،عن محاربة دعوة “العدل والإحسان” فقد تغير المسئولون عن أجهزة القمع ولم يتغير نهجها العدواني تجاه الجماعة ومؤسساتها وأعضائها ضاربة عرض الحائط بكل القوانين والأخلاق والنظم المحلية والعالمية.

الواجهة الإعلامية

هي الواجهة الثانية التي يسخر فيها المخزن إمكانات كبيرة ويوظفها بشراسة في حرب دعائية شاملة ضد “العدل والإحسان”. وقد انتدبت لهذه المعارك أقلام مأجورة كثيرة تبث الأراجيف و تنسج الأباطيل لتشويه صورة الجماعة و إظهارها بكل وجه قبيح يخالف حقيقتها و يعاكس منهاجها ودعوتها. وقد طالت الحرب الإعلامية كل مستويات الجماعة فكرا ودعوة ومسئولين وأنشطة ومواقف. فمن الكتاب من تخصص في نقد تصورات الجماعة وفكرها ومنهم من ركز على التعليق على الأحداث والوقائع لإظهار الجماعة بمظهر الإرهابي تارة وبمظهر الضعيف والواهن تارة أخرى. كما اتخذت الكثير من الكتابات منحى التحريض ضد الجماعة ودعوة الأجهزة القمعية لعدم التواني في جهودها لاستئصالها. وتتعدد الشواهد في هذا الصدد، بل إن بعض المعادين لدعوة “العدل والإحسان” لازال على حاله من الدس والإرجاف رغم انكشاف زيفه وانفضاح بهتانه أمام الناس ولكن: إنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور.

ولم تقتصر الحرب الإعلامية على قصف الجماعة بكل زيف وبهتان بل واكب ذلك وصاحبه منعها المستمر من امتلاك منبر إعلامي خاص بها توضح من خلاله تصوراتها وتشرح مواقفها وترد على مناوئيها بما تكفله كل النظم الحقة. فقد حاولت الجماعة الاستفادة من حقها الدستوري والقانوني في تأسيس مجلة أو جريدة إلا أن الرد كان دائما هو المنع والقمع. كما قام المخزن بحرمانها من كل منابرها الإعلامية وصادر كل محاولة لتأسيس أحدها، بل واعتمد كل الطرق غير القانونية في ذلك من مصادرة الأعداد عند الطبع والسطو على التجهيزات وقمع الصحفيين وغيرها. ويضم إعلام الجماعة المصادر من طرف المخزن كلا من مجلة الجماعة وجرائد:”الصبح” و”الخطاب” و”العدل والإحسان” ثم “رسالة الفتوة”. كما لازالت أجهزته تقوم بمحاولات حثيثة لمواجهة المنبر الوحيد المتبقي للجماعة للتواصل الخارجي وهو موقعها الإلكتروني:aljamaa.net الذي تعرض ولا زال لمحاولات كثيرة لقرصنته وإغلاقه أشهرها تمت السنة الماضية حيث منعت أيادي القمع الدخول للموقع من المغرب لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر.

يمكن أن نستنتج إذا أن الحرب المادية القمعية على الجماعة كانت مصاحبة بحرب إعلامية دعائية خبيثة وهذا أمر معروف في سلوك الأنظمة الاستبدادية حيث هناك تلازم دائم،في مواجهة الخصوم السياسيين، بين القهر والعنف من جهة والدعاية الإعلامية المضادة من جهة أخرى.

الواجهة القانونية

حاول المخزن منذ لحظة تأسيس الجماعة حرمانها من إطار قانوني يحتضن عملها وأنشطتها وقد تجلت هذه المحاولة في رفض تسليم وصل التأسيس النهائي لجمعية “الجماعة الخيرية الإسلامية”، الإطار القانوني لجماعة “العدل والإحسان”. كما تتالت المحاولات لتوريط الجماعة قانونيا وهو ما جسدته المحاكمات الماراطونية للآلاف من أبنائها وبناتها بتهمة الانتماء لجماعة غير قانونية وممارسة أنشطة غير شرعية. وقد باءت هذه المحاولات بالفشل حيث اعترفت الكثير من محاكم المغرب بقانونية الجماعة وشرعية اجتماعاتها وأنشطتها وعلى رأس المعترفين “المجلس الأعلى”. وبالرغم من ذلك لازالت السلطات بهذا البلد ترفض التعامل مع الجماعة بناء على هذه الأحكام وتتصرف تجاهها من موقع الخصومة السياسية وليس من موقع دولة القانون والمؤسسات.