أنا أزهد العالمين في مجرد التخمين في طيف عناوين الرسائل التي يحتمل، ولو توهماً، أن يكون النظام المخزني المغربي قد قصد، ولو تنكيتاً، بعثها في قناة تسوُّرِ السطوح وتسلُّق الجدران وقلْعِ الأبوب لاختطاف سبعة قياديين من جماعة العدل والإحسان في مدينة فاس فجر الاثنين 28/6/2010.

أنا في حذلقة تحليل أغراض هذا الإسراء المخزني بالمخابرات المغاوير ليلاً إلى الأحياء الشعبية وهذا الفتح البطولي للبيوت الآهلة الآمنة النائمة من الزاهدين. وما إضرابي حتى عن مجرد تخيل المراد المخزني بمترتب عن مانع ذي بال، ولا عن خشية وقوعي تحت طائلة الوبال، وإنما:

1- عن علم مسبق بانعدام وجود مُرْسَلٍ إليهم حقيقيين ماثلين وذوي إقامات ثابتة يصح أن نتكهن بكتابة عناوينها على الرسائل المخزنية حتى تُوجه إليهم بقصد إذا استثنينا جماعة العدل والإحسان وقلة قليلة من الحقوقيين الشرفاء الكرماء الأوفياء.

2- عن استناد إلى حقيقة استحالة ورود فكرة إرسال ولو حركة حرف واحدة إلى أي جهة، كائنة من كانت، على خاطر النظام المخزني، هذا على فرض الوجود العيني لهذه الجهة، أما وواقع الحال هو ما عليه من انعدام أي جهة حتى في الوجود الذهني لهذا النظام، فإن توقع نية الإرسال لدى المخزن هو من جنس مستحيلات “الغول والعنقاء والخل الوفي”.

3- عن تأمل التاريخ والحاضر المخزنيين المستلقييْن على قفاهما من شدة الضحك حتى بدت النواجد تعجباً ممن تركبه الغفلة وتسوقه الطيبوبة وتجرجره الوداعة إلى مهاوي التصديق بكون السلوك المخزني للنظام المغربي من الحكمة والدهاء والسياسة بحيث يحتاج إلى قارئ بارع يستنطق ما وراءه. وهل كان “التدبير المخابراتي للاختلاف السياسي” في يوم من الأيام رسائل مشفرة؟

النظام المغربي يطبق حرفياً وصية الاستمرار، ولا يخجل، إن لزم الأمر، من ضرب شعاراته العهدية بالحديد والنار. فلا غرو أن يخلو سلوكه من لغة الرسائل، ويطفح سجله الجديد/القديم بالبصق في وجوه المواطنين أفراداً ومؤسسات، وتلفيق التهم لهم جهاراً، وحبك المؤامرات الاستخباراتية البارعة في إمطار من لاحت منه شمّة معارضة بوابل من خرافات الخروقات القانونية وكيلها له بالمكيال الأوفى، والدوس على حرمات الدين بتبذير المال العام في الاحتفاء بالمثليين الدوليين، والإبداع في أشكال ريادة خيانة المسلمين والعرب بالتطبيع مع الصهيونية الدموية المارقة عبر التمكين الاستخباراتي والسياسي والاقتصادي والثقافي والدعائي لها.

معذرة إن صارحت القارئ الكريم وحدثته باللغة المباشرة المضربة عن القراءة المخدرة العبثية لما بين سطور الدونكشوطية المخزنية المشيحة بوجهها عن مطالبة الشعب المغربي لها بالكف عن التمادي الفج في التصابي السياسي الذي يتبدى في أجلى مظاهره من خلال تكرار تجربة سنوات الرصاص عينها. فهل كانت النية المبيتة لإعادة سيناريو الماضي الأسود هي السبب الكامن وراء تثبيت النظام المخزني لشرطَيْ عدم تسمية المسؤولين المباشرين عن الملف والإفلات من العقاب عند إقراره تخريجة الإنصاف والمصالحة؟

مهما تكن المسألة، فإن موافقة التناوبيين على الشرطيْن إياهما جناية لا تغفرها الدماء المغتصبة والنفوس المغدور بها، وخطيئة سياسية يؤدي ثمنَها الفادحَ الشعبُ المغربي، وتأشير بمداد تاريخ نضالي أبقى باب الانتهاكات الجسيمة مفتوحاً على مصراعيه، وصك غفران شجع النظام المغربي على المضي قدماً في تبييض ساحة الجريمة الملطخة وفي تطوير إخراج التنفيذ من خلال تبرئة ذمة فعل الدولة المستقبلي من المستحقات التاريخية والسياسية والقانونية.

ورموز السلطة المخزنية لا يبرحون المباهاة بهذا الإنجاز الكبير في الاستنطاقات أو عند تهديدهم بمقاضاتهم في المحاكم على شططهم في استعمال السلطة وعلى خروقاتهم للقوانين، والتي صارت بتعمدها وتكرارها وسفورها منهجاً وسياسة. هم لا يخفون استهانتهم بالقضاء والقانون، ويعلنون بالعبارة لا الإشارة، بالتصريح لا التلميح، أن نهاية المطاف إنصافٌ ومصالحة وجلسات استماع وتعويضات وإعلان طي في الإعلام الرسمي والحزبي.

لو كان الأمر غير الذي أذكر، أكان أحدهم يجرؤ على مداهمة البيوت ليلا واختطاف مواطنين منها بعد العبث بممتلكاتهم وترويع ذويهم وجيرانهم من ساعة إعلان تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة وحتى أواسط سنة 2010؟ ففي أي سنة إذن سينفذ الطي النهائي لملف سنوات الرصاص؟ أم إن لكل ملفٍ هيئةَ إنصاف ومصالحة تكمن له في نهاية درب ما بعد أربعين أو خمسين أو ستين سنة… ليولد ملف جديد معروف الخاتمة في مسلسل عبثي غير متناه؟