أكتب هذا الكلام بمناسبة هذه الهجمة المخزنية الأخيرة في مدينة فاس، التي تم فيها اختطاف قياديين بارزين في جماعة العدل والإحسان بالمدينة، بطرق موغلة في أخلاق الجبن والخسّة والظلم التي تمتاز بها الدولة المخزنية، ولا سيما في وجهها البوليسي الإرهابي القبيح.

فشرعية استعمالِ القوة والعنف التي تتمتع بها الدولةُ ينبغي توظيفُها في تتبع المجرمين الحقيقيين، مهما تكن ألوانهم وقبائلهم وأسماؤهم وشعاراتهم، لا في ترويع الأبرياء المسالمين، وإرهاب المواطنين الآمنين، والصِيَال على الضعفاء البائسين.

الأصلُ في إمكانيات الدولة البوليسية أن توجّهَ لخدمة المواطنين، لا لظلمهم وقمعهم وإخضاعهم وإكراههم والتطاول على حرماتهم والدّوْس على كرامتهم.

هل من ضميرٍ لهؤلاء الذين خطّطوا لهذه العملية وأمروا بتنفيذها؟

هل لهؤلاء الذين يتصرّفون وكأنهم فوق جميع القوانين من حسّ وطني؟ هل لهم من غيرة على هذه البلاد ومصالح مواطنيها؟

لا أعتقد، لأن تاريخَ الدولة المخزنية القريبَ علّمنا أن الاستبداد فاقدٌ لشيء اسمه الضميرُ والشعورُ الوطني والغيرةُ على المصلحة العامة.

في “عهد تازمامرت”، وما هو ببعيد، اختُطف مواطنون ضعفاء عاجزون مسجونون من سجنهم، وسُلّموا لعصابة من القتلة السّفاحين الذين طُمست هويتهم الإنسانية وقـُتل فيهم كلُّ شعور إنساني، لِيُشرفوا على قتلهم البطيء في ظروف لا توصف من شدة وحشيتها وفظاعتها وخروجها على كل القيم الإنسانية. وقد شاء الله، جلت عظمته، الذي يحيي ويميت، أن ينجوَ من جحيم “تازمامرت” أفرادٌ شهود، ليحكُوا للعالم عن هذه القسوة وهذه البشاعة التي طبعت الدولةَ المخزنية المغربية المستبدة.

لقد كَذَب من قال إن “عهد تازمامرت” قد ولّى. فكل الدلائل والوقائع والممارسات تشهد على استمرارية هذا العهد وإن بأشكال متطورة، وشعارات مختلفة.

ما يزال الاستبداد هو هو، لا ضمير له، ولا شعور، ولا غيرة، ولا إنسانية.

ما تزال الأصول والقواعد والمبادئ والأعراف هي هي، وما يزال الجوهر على حاله لم يتغير قيد أنملة.

من هو رئيسُ هؤلاء الذين يَختطفون المواطنين دائسين على كل المساطر القانونية، ومستخفين بالمؤسسة القضائية؟

من يُراقب هؤلاء، ومن يتابعهم، ومن يحاسبهم؟

من يحميهم ليكونوا بمنأى عن أي حساب أو عقاب؟

بل من يُزكي أفعالَ هؤلاء المجرمين الرسميين، ويدافعُ عنهم، ويبرر سلوكاتهم الشاذة؟

بل من يصنعُ لهم الغطاءَ القانوني، ليسوّغ فعلاتهم الدنيئة، وانحرافاتهم الحقيرة؟

الكلُّ في خدمة الاستبداد، وحتى أولئك الذين يظنون أنهم بعيدون جدا عن هذه الممارسات البوليسية الحقيرة الظالمة، هم في الحقيقة، وبشكل من الأشكال، من خدّام الاستبداد.

لقد ثبت، مرات ومرات، أن أجهزتنا الأمنية لها حصانةٌ غير معلنة ضد أية رقابة على أفعالها، من أية جهة كانت هذه الرقابة، ومع ذلك فلم يحرك أحدٌ من المشاركين في “اللعبة” السياسية المخزنية ساكنا للاحتجاج والإصرار على إرجاع الأمور إلى طبيعتها.

لقد تحدثت تقاريرُ عديدة، وبالحجج الدامغة، عن انتهاكات واسعة لحقوق المواطنين تمارسها السلطات الأمنية، ثم ماذا كان؟ لاذ الجميع بالصمت، أقصد اللاعبين لعبةَ المخزن، في ساحته وبشروطه ووفق قواعده. لاذوا بالصمت، وإن كان لا بد من الكلام، فهو كلام لا يسمن ولا يغني، لأنه كلام في القشور لا يجرؤ أن ينفذ إلى الجوهر. ثم هناك طبعا المتكلمون من أجل التبرير والتأويل والتسويغ، وكذلك من أجل الدعاية لدولة الجبر والقمع والمنع والتعليمات.

ها قد وقعَ ما وقع في فاس، وها هي ذي المساطرُ قد خُرقت أمام أعين الجميع، وها هي ذي المحاضر قد لُفّقت تلفيقا لا غبار عليه، وها هي ذي أطوار المحاكمة الصورية قد تبدأ غدا أو بعد غد، ثم أخيرا ستصدُرُ الأحكام الظالمة، ثم ندخلُ في دوامة الاستئناف، إلى آخر المسلسل المخزني المعروف. ثم ماذا بعد؟

إلى متى هذا الظلم المفضوح؟ إلى متى هذا السكوت؟ إلى متى هذا الاستخفاف بحرياتنا وحقوقنا وكرامتنا وأرواحنا؟

أعتقد أن الوقت قد حان ليتداعى أهلُ الفضل والمروءات، الغيورون على هذه البلاد، العاملون بحق وصدق من أجل عزتها ونموها وأمنها واستقرارها، للنظر في هذا الواقع الوبيء، واقعِ الظلم والاستبداد والاستخفاف بكل العهود والقوانين، والعملِ من أجل تجاوزه إلى فرض احترام القانون والمؤسسات، وكسر عصا البطش والقمع والعنف والإرهاب، وإبطالِ الممارسات البوليسية خارج حدود القانون، ووضع لبنات دولة عادلة جديرة بالاحترام، ترعى مصالحَ مواطنيها، مهما تكن آراؤهم واختياراتهم وتوجهاتهم.

أعتقد أنه قد آن الأوان لنصيح جميعا وبأعلى صوت: لا لدولة القمع والمنع والاستبداد. نعم لدولة العدل والحريات والمؤسسات المسؤولة.

لا لدولة البوليس المنفلت من عِقاله. نعم لبوليس الدولة المنضبط بالقانون وحقوق الإنسان.