بعيدا عن مشاعر اليأس والإحباط التي تنتاب العديد من المغاربة هذه الأيام، نخبا فكرية وفاعلين سياسيين ومثقفين ومناضلين حقوقيين وإعلاميين وغيرهم، يمكن بقليل من التفاؤل وبصيص من الأمل الادعاء بأن المغرب يعيش هذه الأيام مقدمات في حاجة إلى الكثير من الدفع والتفعيل لتتحول إلى مخاض حقيقي.

تستند هذه الدعوى إلى عدة عناصر، أسردها بشكل مقتضب، فليس القصد تناولها بالكثير من التحليل والتقييم، وإنما القصد إبرازها بما يفيد وجود -أو على الأقل يساعد على ذلك- مقدمات لمخاض فكري وسياسي بالمغرب:

أولا: النقاش حول انتخابات 7 شتنبر 2007 وإفرازاتها، الذي كان أهم ما فيه البحث عن الأسباب، وليس فقط الوقوف عند المظاهر. لقد تم الحديث في هذا الصدد عن أمرين في غاية الأهمية، أولهما عبارة عن تقييم لتجربة ما سمي بـ”التناوب التوافقي”، ومما أثير أن تلك التجربة حملت بوادر الفشل في منطلقاتها الخاطئة، فهي لم تنطلق من إطار دستوري يحدد ما يكفي من الضمانات لنجاح التجربة، كما لم تنطلق من تعاقد سياسي معلن وواضح، ولا من سياق انتخابي حر ونزيه. فمن شأن الانتباه إلى هذه المنطلقات الخاطئة أن يفيد في بناء المستقبل. والأمر الثاني الذي لا يقل أهمية هو أن العديد من المقالات والتقارير والتصريحات أشارت، إما صراحة أو ضمنا، إلى أن من أهم أسباب هذا الذل والهوان الذي حصدته بعض الأحزاب السياسية في انتخابات 7 شتنبر الارتباط غير المشروط بالمؤسسة الملكية، وهذا يعني الشيء الكثير بالنسبة للمناضلين الديمقراطيين الغيورين على أحزابهم ووطنهم، كما يعني الشيء الكثير بالنسبة للمؤسسة الملكية التي تسعى بكل الأشكال إلى نفي أي علاقة لها بمظاهر الفشل والإحباط…

ثانيا: حدث مدينة القصر الكبير، وما أثاره من تفاعلات، تمثلت أساسا في انتفاض عدد كبير من سكان المدينة ضد مظاهر الفحش المنافية لطهارة الإسلام وأخلاقه، وبعض ردود الفعل التي خلفها ذلك الغضب الشعبي من بعض المثقفين والناشطين الحقوقيين، الذين أصدروا نداء من أجل الدفاع عن الحريات الفردية، واعتبروا ذلك الانتفاض الشعبي نوعا من الكراهية التي تذكر بمحاكم التفتيش، ودعوا إلى الاحترام التام لأذواق ومعتقدات وآراء واختيارات الأفراد الخاصة كيفما كان نوعها!!

كما أن نداء الحريات الفردية يقابل نداء آخر سبق لحركة التوحيد والإصلاح أن وجهته، يتعلق الأمر بنداء العفة والكرامة، الذي هو عبارة عن دعوة لكل الغيورين من أجل وقف مظاهرا لتفسخ الأخلاقي التي انتشرت في الآونة الأخيرة بشكل لم يسبق له مثيل، وتكمن أهم الملاحظات بخصوص نداء الحريات الفردية في كونه أغفل بشكل تام انتهاكات السلطة لهذه الحريات، كما أن من الموقعين عليه من لا يشك في ولائه للإسلام وأخلاقه، وفي المقابل يغيب عن التوقيع بعض المتبنين للمرجعية العالمية لحقوق الإنسان دون أي تحفظ عقدي أو أخلاقي يذكر..

هذه التفاعلات والملاحظات بخصوص ذلك النداء تحيل إلى نقاش هام وضروري يرتبط بهوية المغاربة واختيارهم العقدي، وتجليات هذه الهوية والاختيار، ويرتبط بالحقوق والحريات الفردية، ومعنى هذه الحقوق والحريات بالنظر إلى عقيدة المجتمع ومرجعيته…

ثالثا: إصدار مبادرات، لا تختلف فقط من حيث الجهات التي أصدرتها ولكن أيضا من حيث وزنها واتجاهها. من هذه المبادرات ما قد يشكل أساسا لحوار وطني المغرب في أمس الحاجة إليه، ومنها ما قد يشكل فقط فرصة أخرى للاعتبار والاستبصار. فبالإضافة إلى نداء الحريات الفردية، ونداء العفة والكرامة، ونداء الحوار الإسلامي الإسلامي الذي وجهه الأستاذ مصطفى معتصم، هناك مبادرة هامة لجماعة العدل والإحسان تمثلت في وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”، التي كُتب حولها الشيء الكثير، وإذا كان بعض الملاحظين سجلوا بخصوص تلك الوثيقة بعض المميزات كتجدد الخطاب السياسي والموقف الإيجابي من الديمقراطية والدعوة إلى الحل الجماعي… فإن العاملين بالجماعة، والمتشربين لخطها التربوي والفكري والسياسي، يعلمون علم اليقين أن ذلك ليس جديدا. والجديد في اعتقادي والذي لا يقل أهمية عن الوثيقة هو التفاعل معها الذي كان في عمومه إيجابيا، عكس المبادرات السابقة للجماعة التي كانت تلقى رفضا مبدئيا وردودا في كثير من الأحيان لا تستند إلى أي أساس موضوعي. مرد هذا التفاعل الإيجابي هو طبيعة المرحلة التي يمر منها المغرب، والاقتناع التام بأن النظام المخزني بامتداداته السياسية والاقتصادية والمدنية أصبح يعرقل فعلا كل إصلاح وتنمية.. وهناك مبادرة “من أجل حركة لكل الديمقراطيين” التي أعلنها بعض من يدورون في فلك المؤسسة الملكية، في مقدمتهم فؤاد عالي الهمة، هذه المبادرة تشكل تحولا، وتمثل احتياطا كثيرا ما لجأت المؤسسة الملكية إلى مثله؛ فيما يخص التحول، فبعد أن استعملت المؤسسة الملكية أحزاب المعارضة السابقة لتأمين الاستقرار المطلوب لانتقال الملك بشكل سلس من الملك الحسن الثاني إلى ابنه محمد السادس، ولتثبيت الملك الجديد على عرش أسلافه، وبعد هذه النتائج المخيبة للآمال في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، يتم التوجه الآن إلى التخلي عن تلك الأحزاب، بعد تحميلها مسؤولية كل ما حدث، وتشكيل بدائل عنها، وما تعرفه بعض الأحزاب من هزات هذه الأيام تعبير عن هذه الحقيقة. فمن المهم جدا الانتباه إلى هذا الأمر من قبل الأحزاب السياسية، خاصة أحزاب المعارضة السابقة، والأكثر أهمية رسم اختيارات واستراتيجيات لتجاوز ذلك دون تكرار أخطاء الماضي. أما الاحتياط فهو لجوء المؤسسة الملكية لتجنيد بعض خدامها لتشكيل أحزاب وحركات بديلة، كلما بدا لها انسداد الأفق السياسي، لبث نوع من الأمل في المغاربة، وحثهم على المشاركة العامة. ولجوء الملك محمد السادس لنفس “الاحتياط” الذي كان يلجأ إليه والده يبين بالملموس هشاشة التمييز بين عهد قديم وجديد، ويكشف حقيقة ما تم الترويج له من مشروع حداثي وديمقراطي، هذا المشروع الذي يفترض فسح مجال الحريات أمام القوى الاجتماعية بعيدا عن أي حركات مصطنعة، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن التجربة أثبتت بما يكفي عدم نجاعة ذلك “الاحتياط”، فجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، والاتحاد الدستوري، والتجمع الوطني للأحرار، وجمعية “2007 دابا”.. كل تلك التجارب لم تستطع تحقيق مشاركة عامة، وإذا كتب لقليل منها بعض النجاح، فإنه نجاح محدود، يخدم فقط رهانات المؤسسة الملكية، ولا يتجاوز اللحظة…

من شأن النقاش حول هذه العناصر وغيرها أن يشكل مقدمات لمخاض فكري وسياسي، المغرب في أمس الحاجة إليه، ومسؤولية ذلك تقع على كل الغيورين على وطنهم من سياسيين ومثقفين وجمعويين وإعلاميين. وليس المقصود بالنقاش دخول حرب المبادرات والمبادرات المضادة، والنداءات والنداءات المضادة، والافتتاحيات في الجرائد والافتتاحيات المضادة، وإنما المقصود النقاش العميق الذي يكون هدفه أكبر بكثير من مجرد الاستهلاك الإعلامي. موضوع هذا النقاش أمران اثنان في غاية الأهمية أولهما المشروع المجتمعي للمغاربة، وثانيهما آليات تدبير الاختلاف، فأصدقاء الملك من حقهم أن يدافعوا عن المشروع الملكي، ومن حقهم أن يختاروا أي صيغة لذلك إلا استغلال النفوذ وإمكانات الدولة، ومن حقهم أن يقولوا عن ذلك المشروع ما شاؤوا، وإن كان لابد من التذكير أن الديمقراطية والحداثة تقاس بالممارسة وليس بالشعارات الطنانة، لكن بالمقابل لا ينبغي التضييق على المشاريع الأخرى بأي شكل من الأشكال، ولا ينبغي أن يحاصر أصحابها تحت أي ذريعة من الذرائع، ولتكن المنافسة بين المبادئ والأفكار في تدافع حضاري سلمي، هذا هو التحدي الذي يواجه أصحاب مبادرة “حركة لكل الديمقراطيين” ، فهل هم على استعداد لذلك؟ هل هم على استعداد ليدخلوا ساحة المنافسة بعيدا عن كل الامتيازات المادية والمعنوية؟ وبعيدا عن حصار المنافسين وحرمانهم من حقوقهم السياسية والتنظيمية؟ هل يريد أصحاب تلك المبادرة طرح مشروعهم للتنافس والتمحيص أم يريدون فقط الزج ببعض النخب في شكل جديد من “التجميع” و”التنميط” الذي لن يخدم المغرب في شيء؟…