توشك الاِمتحانات على الاِنتهاء وفي الاِمتحانات عبرة للمعتبرين؛ فهي، وأجواؤها ونتائجها من نجاح وإخفاق، تذكر الناس بيوم عظيم يلقون فيه ربهم، فتعلن النتائج وتنشر الصحف، فمن مستبشر بنتيجته مُبَاهٍ بها أقرانه وخلانه: هاؤم اقرؤا كتابيه، إني ظننت أني مُلاَقٍ حسابيه، ومن مخفق غرته الدنيا وشغلته الأماني وغره بالله الغرور يتحسر، وَلاَتَ حين حسرة: يا ليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه.

هذه محطات تَلْتَقِطُ منها القلوبُ الحية إشاراتٍ ربانيةً مضمونُها أن الحياة الدنيا دارُ عَمَلٍ لهذا الإنسان مثلما كان الموسمُ الدراسي مجالَ تحصيل للتلميذ والطالب، وأن الناس يُحَصَّلُ ما في صدورها يوم القيامة في الاِمتحان الأكبر مثلما يُحَصَّل ما في عقول التلامذة والطلبة في امتحانهم الأصغر.

إشارات ربانية ينبغي أن تذكرنا جميعا أن امتحانًا أعظم ينتظر كل فرد منا يوم القيامة، لئلاَّ تمضي بنا الحياة الدنيا وتشغلنا همومها وفتنها ومطالبها. فمن طالب شواهد، ومن طالب عمل، ومن طالب منصب ومال، ومن طالب زوج وأولاد ومسكن، ومن ومن واللائحة تطول…

الأماني لا تنتهي، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب”.

نعم، إلا من تاب.

يتوب الله على من رجع وأصلح، ويتوب الله على من أدرك أن هذه الحياة لهو ولعب وتفاخر بالأموال والأولاد، ويتوب الله على من تاب من قريب فاغتنم خمسا قبل خمس، ولم يجعل حياته تسويفًا وتأجيلا:

يا غافلا يتمادى ** غدا عليك ينادَى

فقد أوصانا الحبيب الرحيم صلى الله عليه وسلم: “من فُتِحَ له باب خير فلينتهزه، فإنه لا يدري متى يغلق عنه”. وأبواب الخير لا تحصى ولا تعد؛ فالشباب من أبواب الخير فلنعمره بالطاعة والتقرب إلى الله وتحصيل ما ينفع المرء في بدنه وعقله وما ينفع أمته والإنسانية جمعاء، والوقت من أبواب الخير ولعل فائض الوقت في فصل الصيف هو فرصة لا تعوض نبحث عن أنفع السبل في استثمارها وعمارتها بما ينفع. ومن لم يجعل لعطلته برنامجا محدد المعالم والأوقات تسربت منه الساعات والأيام والليالي سريعا وفاته خير كثير.

أقر الله عيون جميع المسلمين بأبنائهم وبناتهم وجعلنا وإياهم من الناجحين في الدنيا المفلحين في الآخرة، آمين والحمد لله رب العالمين.