لم تكن رسالتيْ كل من “هيلين توماس” و”تالي فحيما” إلا رصاصتين جديدتين تدقان الصدر الصهيوني، والذي أصبح عاريا ومعرضا للسهام والبنادق بعدما كان هو مصدر توجيهها وتصويبها، وأصبحت آلة الدك التي اخترعها تسير في غير المنحى التي خطط لها.

هيلين توماس الصحفية الأمريكية المعروفة، والتي كانت تشغل منصبا دائما بالبيت الأبيض كعميدة للصحفيين في جل المؤتمرات التي كانت تجرى بالبيت الأبيض لما يزيد عن ستين سنة، فجرت بعيد إقدام الجيش اليهودي على اقتحام سفينة مرمرة التركية في أسطول الحرية وقتل مجموعة من المتضامنين الأتراك وترويع الآخرين، فجرت قضية الغطرسة اليهودية وسكوت اللوبي الأمريكي عن هذه الغطرسة، وذلك بقولها أقول لهم انقلعوا واخرجوا من فلسطين).

تالي فحيما ناشطة سلام يهودية تعيش بأم الفحم من أصل مغربي، خدمت في الجيش الصهيوني، وانتمت لحزب الليكود اليميني، تنقلب على الخط اليهودي لتواجهه، بل وتوجه له ضربة وصفعة قوية حين أعلنت إسلامها تأثرا بشيخ الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني المحتل الشيخ رائد صلاح.

الحدثان اللذان قادتهما سيدتان إحداهما من المعسكر الداخلي والأخرى من معسكر الدعم، يشكلان على المدى القريب ضربة نوعية للكيان الصهيوني في العمق، ويزيدان من تفاقم الهلع والحصار الذي أضحت بوادره تزداد يوما بعد يوم، بل لقد أصبحت تنهال عليه كما تنهال الشهب على مردة الشياطين.

الرسالة التي يمكن استقصاؤها من تصريح عميدة الصحفيين الأمريكيين هيلين توماس، هو أن التأييد الذي كان يحضى به الكيان الصهيوني لدى المثقفين والسياسيين والمتنفذين في الساحة الدولية، خصوصا أن هيلين توماس ليست شخصية سياسية عادية، بدأت هذه الجبهة تتراجع وتُراجع رؤيتها للكيان الصهيوني، ومعلوم لدى العام والخاص أن الدولة الأمريكية تضم مجموعة من الهيئات السياسية والاقتصادية والثقافية والتي تقدم أكبر دعم للكيان الصهيوني، وبالتالي فإن زعزعةً تأتي من داخل المعسكر المؤيد والمدافع، سيكون لها أبلغ الأثر على المدى المنظور، خصوصا وأن الصحفية هيلين وراءها مجموعة من القراء والمدافعين والمعجبين، رغم تراجعها عن مقالتها، لكن يبقى الأمر محرجا للتيار المؤيد ومشككا وقاسما، ولقد سمعنا إبان إقدام العسكر الإسرائيلي على إطلاق النار على سفينة أسطول الحرية تدمرا في أوساط بعض السيناتورات الأمريكيين، مما قد يعجل بفك الترابط الوطيد وكشف رموزه، ويفسح المجال أمام مجموعة أخرى من الأحرار لتعبر عن رأيها الحر بخصوص الغطرسة والاحتلال الصهيوني.

الرسالة الثانية والتي جاءت مدوية، خصوصا بعد صراعها الطويل مع الحكومة الصهيونية، وجهت ضربة للداخل الصهيوني مزلزلة و مزعزعة، ذلك أن إقدام الناشطة فحيما على إشهار إسلامها في مسجد بأم الفحم أمام مجموعة من القوى الإسلامية بالداخل الفلسطيني المحتل، يهدد العقيدة الصهيونية في صميمها، فرغم تشبعها بالفكر العقدي الصهيوني خلال مسارها وحياتها وعيشها بـ”إسرائيل”، ورغم انتمائها لحزب الليكود اليميني المتطرف، ورغم تجنيدها في الجيش الإسرائيلي، لم تصمد عقيدتها الصهيونية المزيفة، فلقد أكدت تالي فحيما أن سبب إسلامها كان مجرد رؤية الدكتور رائد صلاح وأن رؤيتها له زعزع كيانها الداخلي رغم أنه لم يكلمها ولو بكلمة، التصريح جاء ليؤكد أن الموجودين داخل “إسرائيل” إنما تحميهم الترسانة العسكرية، وأن المستوى العقدي مهزوز من الداخل، مما ينبئ على أن مواجهة عسكرية ثالثة بارزة قد تخلق الهلع والتشتت في النفسيات اليهودية مما سيعمل على تفكيك التوازن والترابط، الشيء الذي سينبثق عنه دعوات محلية وداخلية لضرورة إيجاد حل للمشكل والمأزق الصهيوني على أرض الميعاد المزعومة، وأن الخيار العسكري الذي كانت تنادي به التيارات الدينية المتشددة لم يعد حلا يضمن السلامة والأمن لليهود في الأراضي المحتلة.

لقد أضحى واضحا أن الجبهات الداخلية التي كانت تساند وتساعد الكيان الصهيوني وتدعمه، سارت معرضة هي كذلك للتفكك والانحلال، خصوصا مع التمادي الصهيوني، فلم يعد التأنيب والعتاب والتوبيخ يأتيها من خارج الدول الداعمة ومن المنظمات الحقوقية والهيئات الإنسانية، بل تعداه لتتزعزع في العاجل القريب أيادي الدعم والتأييد.