الفقرة الثانية: توصيات ترتبط بتدبير مسلسل الإصلاح

يؤكد تقرير البنك الدولي في المادة 24 أن إصلاح النظام التربوي “يتطلب اختيارات صعبة وتجنيدا واضحا مساندا من طرف مراكز القرار، وعلى جميع مستويات الحكومة والمجتمع” ويحدد في نفس المادة مجالات الإصلاح التي هي:

– الأهداف ومحتوى مناهج التعليم؛

– صلاحية المنشآت؛

– التجهيزات والمرافق البيداغوجية؛

– دور المدرسين والآباء والجماعات المحلية؛

– تعبئة موارد أخرى للتمويل؛

– دور القطاعين العام والخاص في عروض التعليم والتكوين.

وإذا كنا سنعود إلى هذه المجالات فيما بعد لنقارنها بما تضمنه الميثاق الوطني للتربية والتكوين، فإننا سنقف من خلال هذه الفقرة عند بعض الخطوات التي أقرها خبراء البنك الدولي لتدبير مسلسل إصلاح التعليم لنقارنها هي الأخرى –فيما بعد- مع الخطوات العملية التي عرفها الواقع.

في البداية حدد تقرير البنك الدولي موقفا سلبيا من اللجنة المنبثقة عن البرلمان ومن أشغالها 1 ، فمما ورد في التقرير بهذا الصدد: وقد بدأ أخيرا نقاش في البرلمان حول ميثاق التربية الوطنية بتناول مشاكل التعليم بصيغة كاملة، وقد بدا أن هذا النقاش غامض لحد الآن، ولم تتبلور نظرة شاملة على المدى الطويل للتربية والتكوين) 2 . بعد هذا الوضوح لا نستغرب بأن يكون تقرير البنك الدولي سببا في حل اللجنة الوطنية وإلغاء أشغالها!.

المهم حسب التقرير: تمعين النظر في الأهداف العامة للإصلاح، والحصول على توافق حول هذه الأهداف)، هكذا انسجم البنك الدولي مع الخطاب السياسي الرائج آنذاك، بل هكذا كان تقرير البنك الدولي سببا في تحقيق ذلك التوافق، الذي فشلت محاولته الأولى سنة 1993.

وفي نفس السياق وبانسجام تام مع الخطاب السياسي الرائج قررت المادة 40 من التقرير أن الإجماع والانسجام الحكومي ضروريان قبل أن يتم فتح الحوار مع مختلف الأطراف المعنية). ولم ينته التقرير عند هذا الحد، بل عرض خطوات تفصيلية دقيقة فيما يتعلق بكيفية تدبير مسلسل الإصلاح فمن الأحسن -حسب خبراء البنك الدولي- إسناد صياغة هذه النظرة إلى مجموعة صغيرة من المسؤولين ذوي المستوى العالي، والذين يعملون تحت إمرة شخصية نشيطة ومحترمة على الصعيد الوطني، هذه المجموعة ستتلقى أجورا أو موارد مالية وبشرية من أجل القيام بالتحليل التقني الضروري، وطلب النصيحة من دول أخرى أو منظمات مهنية، واقتراح اختيارات كبرى) 3 .

ومن الآن نؤكد احترام الميثاق الوطني للتربية والتكوين لكل تلك الشروط والإجراءات، سواء على مستوى المضامين أو على مستوى الإعداد، مما يؤكد نعتنا للإصلاح التعليمي الحالي بصفة عامة، ولإصلاح التعليم العالي بصفة خاصة بالمفروض. وإذا كان بعض المهتمين استحسن بعض الإجراءات التي نص عليها التقرير فيما يتعلق بإعداد الإصلاح، من مثل التأكيد على ضرورة قبوله من مختلف الشرائح، حيث نص التقرير على أنه … لا يمكن أن تنجح إصلاحات في قطاع التعليم والتكوين كيفما كانت استحقاقاتها، إلا إذا قُبلت من طرف كل طبقات المجتمع والجماعات المعنية…) 4 فإننا نسجل –مع ذلك-ملاحظتين:

أولهما: أن التقرير حذر صراحة من مخالفة التوصيات يجب أخذ الحذر من أن يتحول مسلسل الاستشارة عن الالتزام المنوط به…) 5 . فهي استشارة معلمة إذن، وليست ملزمة، إذ لا تعدو أن تكون عبارة عن حملة واسعة من الترويج الاجتماعي لشرح أفضلية الإصلاح) 6 ، أما الالتزامات الكبرى، والاختيارات الحاسمة، فتحديدها يعود لخبراء البنك الدولي، والترويج لها يعود لمجموعة صغيرة من المسؤولين ذوي المستوى العالي)، وتطبيقها يعود لمساندة واضحة من طرف مراكز القرار) عبر توافق سياسي وإجماع حكومي). فأي شيء هذا؟ إذا لم يكن الهيمنة في أجلى صورها. والوصاية في أخطر أبعادها.


[1] نقصد اللجنة الوطنية الموسعة التي أنشئت سنة 1994 من أجل النظر في قضايا التعليم (انظر الباب الثاني).\
[2] تقرير البنك الدولي لسنة 1995. المادة 38.\
[3] نفس التقرير المادة 39.\
[4] نفس التقرير المادة 37.\
[5] نفس التقرير المادة 40.\
[6] نفس التقرير المادة 40.\