من رواد هذا التصور

– د. حاكم المطيري

ونجد ممن كتب في هذا التصور سواء بالإشارة أو بالتفصيل ممن اطلعت على كتبهم الدكتور حاكم المطيري في كتابه: “الحرية أو الطوفان: دراسة موضوعية في الخطاب السياسي الشرعي ومراحله التاريخية”.

في هذا الكتاب قسم الدكتور تاريخ الأمة إلى ثلاثة مراحل رئيسية، وأعطى لكل مرحلة ملامحها التي تميزها عن الأخرى، وهذه المراحل هي:

المرحلة الأولى: مرحلة الخطاب السياسي الشرعي المنزل: ويقصد بها المرحلة التي تمثل تعاليم الإسلام كما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وتبدأ تاريخيا بقيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها إلى وفاة آخر خليفة صحابي وهو عبد الله بن الزبير سنة 73هـ مع ما تخللها في آخرها من انحراف يعد بداية نهاية هذه المرحلة 1 .

ومن المميزات التي أعطاها لهذه المرحلة وضوح المبادئ التالية:

1- ضرورة الدولة للدين، وأنه لا دين بلا دولة.

2- ضرورة إقامة السلطة، وأنه لا دولة بلا إمام.

3- ضرورة عقد البيعة، فلا إمامة بلا عقد.

4- أنه لا عقد بيعة إلا برضا الأمة واختيارها.

5- لا رضا بلا شورى بين المسلمين في أمر الإمامة.

6- أنه لا شورى بلا حرية.

7- أن الحاكمية والطاعة المطلقة لله ورسوله.

8- تحقيق مبدأي العدل والمساواة.

9- حماية الحقوق والحريات الإنسانية الفردية والجماعية وصيانتها.

10- وجوب الجهاد في سبيل الله.

المرحلة الثانية: مرحلة الخطاب السياسي الشرعي المؤول: يؤرخ الكاتب لهذه المرحلة من 73هـ إلى 1350هـ تقريبا. وأشار بأن ملامح هذه المرحلة بدأت منذ تحول الخلافة من شورى إلى ملك عضوض. واستدل على ذلك بحديث الخلافة: “تكون النبوة فيكم …” 2 . ومن أبرز ملامح هذه المرحلة:

1- مصادرة حق الأمة في اختيار الإمام وتحول الحكم من شورى إلى وراثة.

2- مصادرة حق الأمة في المشاركة والشورى.

3- غياب دور الأمة في الرقابة على بيت المال.

4- تراجع دور الأمة في مواجهة الظلم والانحراف.

بعد ذكر الكاتب لهذه الملامح، يورد مجموعة من الأسباب أدت إلى ظهور هذا الخطاب المؤول وهي:

– نظرة أصحاب هذا الخطاب إلى حوادث التاريخ نظرة جزئية.

– خلطهم بين مفهوم الخروج السياسي ومفهوم الخروج العقائدي.

– شيوع أحاديث الفتن دون فهم لمعناها الصحيح.

– شيوع روح الفردية بسبب الفهم الخاطئ لأحاديث اعتزال الفتن.

– شيوع روح الجبر من جهة والإرجاء من جهة أخرى.

– الغلو في تعظيم طاعة السلطان.

المرحلة الثالثة: الخطاب السياسي الشرعي المبدل: يقول الكاتب موضحا لما تتميز به هذه المرحلة: إذا كان الخطاب المؤول في المرحلة الثانية قد حافظ على بعض مبادئ الخطاب المنزل كإقامة الملة بتحكيم الشريعة وصيانتها، وحماية الأمة بإقامة الجهاد والذود عنها، والمحافظة على وظيفة الخلافة حتى وإن كانت صورية لكونها رمزا لوحدة الأمة، فإن الخطاب في المرحلة الثالثة قد تجاوز ذلك كله، وبدأ التراجع في أواخر العصر العثماني باستجلاب القوانين الوضعية من أوربا، ثم بوقوع الأمة الإسلامية كلها تحت الاستعمار الغربي 3 . وأهم ملامح هذه المرحلة:

1- إثبات عدم شرعية الخلافة.

2- إثبات مشروعية التحاكم إلى القوانين الوضعية.

3- إثبات عدم مشروعية الجهاد.

وفي الأخير يشير إلى مرحلة رابعة يخلص إليها بناء على ما تقدم، وإن لم يعنون لها، هي مرحلة الإصلاح التي لا تتم إلا عن طريق الحكم والسلطة، يقول: إن الأمة الإسلامية والعربية على وجه الخصوص اليوم أحوج ما تكون إلى ثورة فكرية تنسف مفاهيم الخطاب السياسي المؤول والمبدل، وتعمل على إحياء مفاهيم الخطاب السياسي الشرعي المنزل… إن إحياء هذه المفاهيم السياسية الشرعية كفيل بإحداث ثورة إصلاحية سياسية كبرى، سواء أبادرت إليها الحكومات أم قامت بها الشعوب. إن على الحركة الإسلامية أن تدرك أن جميع الحركات الإصلاحية في العالم كله إنما حققت مشاريعها الإصلاحية عن طريق السلطة، ولا سبيل إلى تحقيق الإصلاح أو نهضة أمة إلا بإصلاح السلطة نفسها، فبصلاحها يتحقق إصلاح المجتمع ونهضته، وكل جهد يبذل في غير هذا الاتجاه لا يمكن أن يحقق الإصلاح العام للمجتمعات الإسلامية، وإن عاد على بعض الأفراد بالخير والصلاح. ) 4

– د. محمد قـطـب

ينطلق محمد قطب في كتابه: “كيف نكتب التاريخ الإسلامي”. قبل الحديث عن تاريخ الأمة وما وصل إليه من أوج، وما وقع فيه من انحدار وانحسار، بالحديث عن الجاهلية وعن الإسلام، وذلك بوضعه مقارنة بينهما حتى تتجلى الجاهلية بمفهومها وخصائصها رمزا للشر والباطل، ويتجلى الإسلام بحقيقته وخصائصه رمزا للخير والحق، فإن كانت الجاهلية هي الجهل بحقيقة الألوهية واتباع غير منهج الله، فإن الإسلام هو المعرفة الحقة بالله واتباع منهج الله، هذا من جهة، ومن جهة أخرى حتى تتجلى حقيقة الدور التاريخي الذي قام به الإسلام بالنسبة للمسلمين، والذي يمكن أن يؤديه للبشرية كلها على امتداد الزمان 5 . بعد هذا التوضيح فيما يخص الجاهلية والإسلام ينتقل الكاتب للحديث عن تاريخ الأمة فيحدده في أربع مراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة البعثة وصدر الإسلام: يقصد الكاتب بهذه المرحلة عهد النبوة والخلافة الراشدة، فقسم البعثة أي عهد النبوة قسمين:

– الفترة المكية: امتازت بالتربية على الإيمان التي كان مقر مدرستها دار الأرقم ابن أبي الأرقم، وببناء الجماعة المسلمة التي كان رابطها الأساسي المحبة في الله، ذلك الرابط الذي يعلو فوق كل رابط آخر من دم أو عشيرة أو لغة أو لون أو جنس.

– الفترة المدنية: تعتبر الثمرة المباشرة للتربية الإسلامية، والصورة المثالية للمجتمع المسلم، والتطبيق المثالي للإسلام.

أما عهد صدر الإسلام أي الخلافة الراشدة فيعتبره الامتداد الواقعي لفترة البعثة النبوية، والامتداد الواقعي لتطبيق الإسلام في صورته المثالية في واقع البشرية. يقول عن هذه المرحلة: إن الأجيال الأولى وخاصة الجيل الأول الفريد –قد لا تتكرر مرة أخرى في واقع الأرض، ولكنها تبقى مع ذلك رصيدا واقعيا لهذه الأمة في جميع أجيالها، يحفزها على محاولة العودة إلى التطبيق المثالي للإسلام. وهذه المحاولة ذاتها عمل إيجابي مثمر، ولو لم يصل إلى كل النتيجة المطلوبة 6 .

ويورد الكاتب لهذه المرحلة خاصة صدر الإسلام مجموعة من السمات وهي:

1- أنه مجتمع مسلم بكامل معنى الإسلام.

2- أنه المجتمع الذي تحقق فيه أعلى مستوى المعنى الحقيقي “للأمة”.

3- أنه مجتمع أخلاقي، يقوم على قاعدة أخلاقية واضحة مستمدة من أوامر الدين وتوجيهاته.

4- أنه مجتمع جاد.. مشغول بمعالي الأمور لا بسفسافها.

5- أنه مجتمع مجند للعمل.. في اتجاه تلمس فيه روح الجندية واضحة، لا في القتال في سبيل الله فحسب… ولكن في جميع الاتجاهات.

6- أنه مجتمع متعبد.. تلمس روح العبادة واضحة في تصرفاته، ليس فقط في أداء الفرائض، والتطوع بالنوافل ابتغاء مرضاة الله، ولكن في أداء الأعمال جميعا.

من خلال هذه السمات يخلص الكاتب إلى نتيجة مفادها أن الإسلام دين واقعي قابل للتطبيق في الواقع بكل مثالياته.

المرحلة الثانية: مرحلة المد الإسلامي: وهي مرحلة من تاريخ الإسلام امتدت في الزمن حسب الكاتب قرابة عشرة قرون، من القرن الأول إلى القرن العاشر الهجري. وشملت بقعة واسعة من الأرض، منها ما بقي فيه الإسلام حتى اليوم، ومنها ما انحسر عنه – في أوربا خاصة-، وتشمل في التاريخ السياسي “الخلافة الأموية” كلها، و”الخلافة العباسية” كلها، وقسما من “الخلافة العثمانية” التي بدأ في عهدها الانحسار.. وتشمل كذلك أعرض تاريخ لأية أمة من أمم الأرض في التاريخ كله، برغم ما فيها من هزات وذبذبات، ورغم الانحرافات التي ظلت تتزايد حتى أودت بدولة الإسلام. ويقف الكاتب خلال هذه المرحلة عند حدث مهم سماه بالانحراف الخطير، يقول: حين نبدأ بالفترة الأموية فسنجد في سياسة الحكم انحرافا عن الصورة المثالية التي طبقت في فترة الخلفاء الراشدين، ويقسم هذه المرحلة إلى ثلاث مراحل وهي:

1- فترة الحكم الأموي، ومن أبرز معالمها:

– تحول الحكم من الخلافة إلى الملك العضوض. كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: “الخلافة بعدي ثلاثون عاما ثم يأتي الملك العضوض”،رواه الإمامان أحمد والترمذي. ويرجع حدوث هذا الانحراف إلى مجموعة من الأسباب تمثلت في الفتنة التي أحدثها عبد الله بن سبأ، وانتهت بمقتل عثمان رضي الله عنه، ثم قيام النزاع بين علي ومعاوية، وظهور الخوارج الذين دفعهم تفكيرهم المعوج إلى محاولة قتل أطراف النزاع جميعا، كأنما كان ذلك سيحل المشكلة –بل كان سيزيدها تعقيدا-، كل ذلك كان من أسباب التمكين لهذا النظام الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ملك عضوض.. فقد هزت الفتنة وجدان المسلمين هزا عنيفا حتى تمنوا أن ينتهي الصراع على أية صورة، وأن يعود المجتمع المسلم إلى الاستقرار، ولو على حساب بعض المثل الإسلامية الرفيعة، وكان هذا من الأسباب التي دعت فريقا من أجلة الصحابة رضوان الله عليهم أن يتحاشوا الدخول في الصراع مؤيدين عليا ومعاوية، خشية أن يزيد تدخلهم من حدة الصراع بدلا من أن يحسمه.

من جانب آخر كان الفتح الإسلامي –الذي لا مثيل له في سرعته في التاريخ كله- قد أدخل الإسلام شعوبا بأكملها… لم يتح لها بعد فرصة التعمق في الإسلام، أو تلقي التربية المتكاملة الجوانب، التي تجعلها حريصة على مثل الإسلام الرفيعة لا تفرط فيها..

هذان العاملان معا: الخوف من اتساع الفتنة والرغبة في إطفائها على أية صورة، وحداثة عهد العدد الكبير من الناس بالإسلام، هما اللذان مكنا للحكم الأموي العضوض 7 .

– الاستبداد السياسي ومحاولة إسكات الناس بالقوة عن مراقبة أعمال الحاكم، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وصرفهم بالعنف عن أداء واجبهم الإسلامي في هذا الشأن، الذي تعلموه في فترة الخلافة الراشدة، وهو أن الحكم مهمة مشتركة بين الراعي والرعية، وليست أمرا يستقل به الراعي دون الرعية… وقد كان لهذا الأمر آثار خطيرة في حياة الأمة إن لم تظهر في العهد الأموي، فقد كانت أوضح في العهد العباسي والعهد العثماني 8 .

– البحبحة في بيت المال وهو انحراف ثالث وقع فيه الأمويون ثم ظلت رقعته تتزايد في العهود التالية. يستدل الكاتب على هذا الانحراف بالرجوع إلى الخلفاء الراشدين ليبين كيف كان تعاملهم مع بيت المال نموذجا يُحتذى في العفة والعدل والحرص على أن يعود مصلحته على المسلمين جميعا. أما الأمويون فقد أباحوا لأنفسهم الإنفاق من بيت مال المسلمين لشراء الأنصار وتثبيت الملك، متأولين ذلك بأنه من باب تأليف القلوب 9 .

تلك مجمل الانحرافات التي وقعت في العهد الأموي.

وفي مقابل ذلك يكن الكاتب لتلك الفترة الفضل في ذلك الانسياح الإسلامي الذي كان شيئا فريدا في التاريخ… نشر المسلمون من خلاله حضارة حقيقية شاملة شامخة 10 .

2- فترة الحكم العباسي: الانحرافات الثلاثة التي وقعت من بني أمية بقيت وزادت سوءا، ثم جدت انحرافات جديدة من أبرزها:

– الترف الذي كان يغشى قصور الملوك والوزراء ثم التجار والأغنياء ثم أفراد الشعب في المدن في النهاية 11 . هذا الترف في جانبه المالي، وهناك ترف آخر اعتبره الكاتب بمثابة الفتنة أصابت العصر العباسي هو الترف العقلي الناتج عن التأثر بالثقافة الإغريقية من فلسفة ومنطق.

– التصوف الذي جاء كرد فعل لكثير من الانحرافات في آن واحد. رد فعل للترف المدمر.. ورد فعل كذلك لجفاف الدراسات الفقهية، وجفاف علم الكلام 12 .

وحين تراكمت هذه الانحرافات بحسب الكاتب وبلغت مداها خلال أربعة قرون أو خمسة، جاء الصليبيون ثم جاء التتار كعقاب رباني للأمة على تفريطها في أمر دينها..

وهنا قد يظن ظان أن الإسلام قد انتهى ولم يعد له وجود، ولكن الحقيقة لم تكن كذلك 13 .

ويكن كذلك الكاتب لهذه الفترة مزايا من أبرزها الحركة العلمية والحركة الحضارية وكانتا من أشهر ما عرفت به هذه الفترة.

3- فترة الحكم العثماني: يذهب الكاتب إلى كون هذه الفترة فترة عجيبة حقا، لما حوت من المتناقضات. فهي فترة مد وانحسار في آن واحد، مد عسكري هائل وانحسار فكري وحضاري في ذات الوقت. حماسة دينية ملتهبة، وانحسار في الوعي بحقائقه ومراميه.

ومن أبرز ملامح هذه الفترة كما يوردها الكاتب هي جميع الانحرافات التي تراكمت من العهد الأموي والعباسي مع انحرافات أخرى نتجت عن الأولى، من أشدها تحول الدين تدريجيا إلى تقاليد تراعى إلى حد التقديس، ولكنها خاوية من الروح 14 . وبالرغم مما أصاب العهد العثماني من انحرافات كذلك يكن له الكاتب قسطه من الفضل حيث كان العثمانيون دما جديدا بالنسبة للواقع الإسلامي المتفكك المترهل الذي أوصل إليه العباسيون المجتمع في نهاية أيامهم. وكانوا أيضا عبقرية حربية فذة، وعبقرية سياسية كذلك… وحافظوا على وحدة العالم الإسلامي من التفكك لعدة قرون.

المرحلة الثالثة: مرحلة بدء الانحسار: يناقش الكاتب في هذه المرحلة الأسباب التي أدت إلى الانحسار، وما ترتب عنه من نتائج، والخسارة التي سببها للبشرية. أما الأسباب فيقول عنها: لقد أصاب الأمة –حكامها ومحكوميها- جملة من أمراض استعرضنا فيما مضى أهمها، كما أصابتها فتن مزلزلة من الداخل وغارات من الخارج، لو تعرض لها أي نظام أرضي لتهاوى واندثر، كما اندثرت الإمبراطورية الرومانية تحت طرقات قبائل الهون والقوط المتبربرة… وكما تهاوت الشيوعية في روسيا في وقتنا الحاضر تحت طرقات الجوع… وفي النهاية، حين تراكمت الأمراض بغير علاج هوى الجسم الذي كان قويا، ورقد “الرجل المريض” ينتظر نهايته 15 . وأما النتائج فلخصها في التخلف الذي أصاب جميع الميادين.. السياسة والحرب والعلم والحضارة والفكر والأخلاق.. ويتساءل الكاتب: هل التخلف كان نتيجة الإسلام؟ فيجيب: أما الإسلام ذاته –ذلك النظام الرباني- فلا يتخلف أبدا. إنما يتخلف البشر عن تحقيقه في واقعهم فيوصفون عندئذ بأنهم متخلفون.. ويظل الإسلام هو الإسلام 16 .

المرحلة الرابعة: خيوط المستقبل: من خلال هذه المرحلة يستبشر الكاتب محمد قطب خيرا، ويتطلع إلى جولة ممكنة للإسلام في المستقبل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن ذلك في أحاديث كثيرة. يقول: إن الواقع البشري اليوم –كما أسلفنا- هو حصيلة انحسار الأمة الإسلامية عن الساحة. من هذا الانحسار برزت أوربا الجاهلية… ووقع ذلك كله حسب السنن الربانية، وحسب وعد الله ووعيده. واليوم تحدث بوادر تدل على أن الصورة في طريقها إلى التغير… لقد بدأت بوادر الانهيار في الدولة العثمانية منذ القرن الثاني عشر الهجري. ولكنها عاشت قرنين من الزمان قبل أن يحدث الانهيار الأخير. واليوم تبدو بوادر الانهيار في الجاهلية المعاصرة، ولا يعلم أحد على وجه اليقين متى يحدث الانهيار. أما وقوعه -حسب السنة الربانية- فأمر محتوم 17 .

ويشير الكاتب تحت عنوان أفرده للحديث عن الصحوة الإسلامية إلى أن الصحوة الإسلامية هي قدر الله الغالب، في وجه كل الجهد الذي يبذله أعداء الإسلام للقضاء على هذا الدين، وهي من الأسباب التي هيأها الله لبقاء الإسلام حيا بعد أزمته الأخيرة. ويشير أيضا بأنها جاءت من جهة بعد الجهد الذي بذلته الصليبية الصهيونية في القضاء على الإسلام.. وجاءت من جهة أخرى في الوقت الذي تؤذن فيه الجاهلية المعاصرة بالانهيار.

ويختم كتابه بهذه الكلمات التي تبعث الأمل وتحفز على العمل، يقول: وفي المعركة الثانية كما في المعركة الأولى يواجه الإسلام دولا وشعوبا عندها من القوة المادية أضعافا ما عند المسلمين. ولكن الذي يقرر الغلبة في النهاية ليس هو القوة المادية –وإن كانت هذه مطلوبة بقدر الطاقة- إنما هو ما ينفع الناس. فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

والذي ينفع الناس في الدنيا والآخرة معا هو المنهج الرباني، الذي تكفل الله فيه بالهداية والطمأنينة والفلاح والبركة والتمكين في الأرض: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا.. ولا بد أن يكون هذا المنهج ممثلا في واقع بشري يراه الناس. 18

الخاتمــة

عندما يعاد بناء التاريخ الإسلامي بتحقيق الخلافة على منهاج النبوة، فتعاد عرى الإسلام كما كانت: حكم إسلامي راشد وشورى وعدل وإحسان، عندئذ يستأنف الإسلام حركته في إنقاذ الإنسانية مما حل فيها من أمراض. وذلك بإعطاء الإنسان الفكرة الصحيحة عن نفسه بأنه ليس حيوانا متطورا كما تزعم الداروينية، بل إنه إنسان مكرم، والجانب الروحي فيه هو أغلى ما فيه وأعلى.

وبإعطائه الفكرة الصحيحة عن حياته بأنها ليست مجرد لهو وزينة وتفاخر بين الناس وتكاثر في الأموال والأولاد، وإنما هي مجال عمل الإنسان ليعرف ربه ويقتحم العقبة إليه. وبإعطائه الفكرة الصحيحة عن الكون بأنه ليس خالقا، وإنما مخلوقا سخره الله تعالى له ولخدمته ومصلحته.

بهذه الفكرة الصحيحة للإنسان عن نفسه والحياة والكون يرقى إلى معرفة ربه، ويسعى إلى أداء وظيفته في عمارة الأرض مع إخوانه من بني جنسه.


[1] الحرية أو الطوفان، ص:13، د. حاكم المطيري.\
[2] نفس المرجع، ص: 107.\
[3] نفس المرجع، ص: 243.\
[4] نفس المرجع، ص: 317.\
[5] كيف نكتب التاريخ الإسلامي، ص: 33، محمد قطب.\
[6] نفس المرجع، ص: 88.\
[7] نفس المرجع، ص: 110-111.\
[8] نفس المرجع، ص: 112.\
[9] نفس المرجع، ص: 113.\
[10] نفس المرجع، ص: 120.\
[11] نفس المرجع، ص: 126.\
[12] نفس المرجع، ص: 130.\
[13] نفس المرجع، ص: 131.\
[14] نفس المرجع، ص: 159.\
[15] نفس المرجع، ص: 168.\
[16] نفس المرجع، ص: 170.\
[17] نفس المرجع، ص: 222.\
[18] نفس المرجع، ص: 258.\