مشهدان رئيسيان يمكن أن نتلمس منهما الواقع المغربي، المشهدان لم يبتعدا في الزمان ولا في المكان، أحدهما قاده شفاهة وقراءة السيد عباس الفاسي رئيس الحكومة المغربية داخل قبة البرلمان القبة التشريعية، والآخر يومين بعده قاده عيانا وواقعا وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة أمام مقر البرلمان.

المشهدان وإن كانا من حكومة واحدة وفي زمان واحد غير أنهما يُقعدان لواقع مغربي معيش، تسعى الحكومة إلى إبراز الوجه الأول، لكن تأتي تصرفات وزرائها ونوابها ومنتسبيها ليؤكدوا للمجتمع الصورة النمطية للوجه الثاني السائد عيانا المسكوت عنه بيانا.

المشهد الأول وسط قبة البرلمان أعطى الصورة الإيجابية عمّا يقال بأنه مسعى أعضاء الحكومة للرقي بالواقع المغربي حيث أكد السيد الفاسي على أن الحكامة الجيدة تعتبر مدخلا رئيسيا لإقرار التنمية في البلاد، ومحاربة الرشوة والفساد، وتخليق الحياة العامة، ودعم شفافية التدبير الاقتصادي، وتقييم السياسات العمومية، ومراجعة نظام الرخص والامتيازات، ومحاربة المخدرات، وتخليق التدبير المحلي.

المشهد الثاني أمام قبة البرلمان أعطى الصورة السلبية التي تفند ما يراد له أن يمرر من مزاعم أن أعضاء حكومتنا يسهرون على تخليق الحياة العامة ورفع الجور والظلم عن الإنسان المغربي وتأهيل الحياة السياسية وقطع العلاقة مع الماضي.

مشهد أول يحكي عن المغرب المنشود، ومشهد ثان يبرز المغرب الموجود، مشهد أول يُدار أمام الشعب وأمام الإعلام ليغيب المشهد الثاني الذي تتقمصه الكواليس وتفضحه عديد الفلتات.

رئيس حكومة يمجد من حكومته ويبرز دورها وجدّها وتفانيها ويشيد بقانونها ويستهوي الناس بإصلاح قضائها، وناطق رسمي يهين شعبا ويهين سلطة الداخلية ويقول بالواضح العلني أن دعوات التخليق إنما هي كلام يلاك تستهلكه الطبقة المنهوكة الغافلة المُغَفلة وأن قضاءنا عار عن المصداقية بعيد عن الإصلاح والتخليق.

ما معنى أن يتدخل وزير في حكومة الفاسي وناطقها الرسمي ليفك ابنه من أصفاد رجل الشرطة بعد أن شج هذا الابن رأس طبيب بسلاح أبيض أمام الناس وأمام القبة التشريعية التي يتشدق منها وزير الاتصال فم الحكومة ولسانها، ما معنى أن يتجمهر حوله الجمهور والناس ثم لا يعبأ بأحد ويضرب بالقانون عرض الحائط ليدلل ابنه على حساب شعب وقانون وسلطة.

قد يخطئ الوزير وغيره، وقد تعتريه نزعة الأبوة أو السلطوية، لكن أن تسكت الحكومة عن قولها للمخطئ قد أخطأت أو أسأت أو تجاوزت، كل الحكومة، دليل على أن المغرب بلد التقارير الكاذبة الزائفة الفاضحة، دليل على أن الفساد والإفساد سمة ملتصقة لا تمحوها الشعارات ولا الخطب ولا التقارير، صفة لاصقة بكل حكومة متجذرة في الأعماق مستفحلة، وأن كل الترهات من دعوى الديمقراطية والتنمية والعهد الجديد خطابات تمزق وتفتت الفضلاء وتستمر بالبلاد في الفساد والإفساد وتبقي أصحاب المصالح المندسين على رقاب الشعب وأمواله وخيراته.

ليست هذه الحادثة الأولى في مغربنا ومن طرف مسؤولينا نتصيد بها ونكيل ونتهم، وليست هذه حدثا عارضا نعده كبوة فرس، بل هو أمر مطرد، اليوم الناطق الرسمي باسم الحكومة يهدد شرطيا لأنه أدى وظيفته، وتلك ابنة وزير سابق للداخلية تصفع دركيا أمام أعين الناس بعدما أرسل لينظر في حالة استدعاء في مقهى بمدينة تمارة، وثالث ابن وزير يدهس مواطنا في شارع الرباط، وآخر ابن جنرال… أما أنت أيها المواطن المسكين فإياك أن تنظر إلى شرطي نظرة شذراء وإلا طبق عليك قانون إهانة الموظفين والمسؤولين… إياك أن تتجاوز الخطوط الحمراء وتسب وتشتم فيمن على رؤوسهم وضعت قدسية “المسؤولين”.

أمام هؤلاء تسكت التقارير الحكومية عن النطق، إلا لتقول إنما نُصاغ ونُخط لكي نوحي إلى الشعب أننا على طريق الديمقراطية، إنما نحن تمويه وكذب وافتراء يتخفّى وراءه المفسدون، إنما نحن سواد على بياض يُقدم للمحافل الدولية على أننا دولة قانون الشعبُ يصلى لظاه والمترفون المفسدون فوقه وأعلاه.