سيوف التمزق تُشهر على امتداد العالم الإسلامي

تشهد الساحة الفكرية في البلدان الإسلامية، أقصد تلك التي يدين غالبية سكانها بالإسلام، فشو ظاهرة جديدة في البحث والتنظير ترمي، عن وعي أو غير وعي، إلى تقسيم شعوبها، وتمزيق مجتمعاتها، وتجزيء أراضيها، وتفكيك الصلات بين أفرادها. عنوان هذه الظاهرة ومبدؤها، منبعها ومرجعيتها، أفقها ومجالها هو أن “لا أحد يملك الحقيقة”. شعار يلوكه طالب الدراسات العليا المبتدئ، والبحاثة المعروف، والمفكر الزعيم الساطع النجم.

أكاد أسمع المثقف الديموقراطي يقول مستنكرا مندهشا: إن هذه المقولة تلخص فكرا وفلسفة هما أرقى ما وصلت إليه الإنسانية، وهي منطلق البحث العلمي الرصين، وأساس الفكر العقلاني المستقل، وسمة وركيزة المجتمع الحداثي المستقر المزدهر. وهي فوق كل هذا وذاك، جوهر وروح الديموقراطية التي نصبو إلى العيش في كنفها، وبداية الانعتاق الحضاري الذي ننشده. لذا يتحتم أن ننزلها منزلة الهواء الذي نتنفسه، بأن نجعلها فاتحة وخاتمة تعليمنا وإعلامنا، وأن نتخذها شعارا لنا جميعا، صغارا وكبارا، نساء ورجالا، بنحتها على جدران أبواب المدارس والجامعات، ومداخل المصانع والإدارات، فنجتنب بذلك فواجع الفكر الوحيد، ونسد منافذ التعصب والإكراه، ونجتث جذور الطائفية والعنف.

كلام له مفعول السحر وأثر المغناطيس.

أقول نعم، إن هذه الغايات هي من النبل والجلال بحيث لا يملك كل ذي عقل إلا أن ينهض لتحقيقها، وإن مقولة “لا أحد يملك الحقيقة” مبدأ يجب غرسه وتوطينه، وإن اقتضى الحال، إصدار القوانين والأحكام لردع كل معترض عليه، وصد كل متربص به، لكن، وهنا ينتفض المثقف الديموقراطي، ويثور غضبا الكاتب التقدمي الحداثي المتحزب يمينا أو يسارا، يجب غرسه في تربته وإقحامه في مجاله، أي في ما اختلفت فيه الأمة لا في ما أجمعت عليه، وفيما تفرقت فيه الجماعات لا فيما توحدت بشأنه، وفيما فيه سجال وجدال لا فيما حسم فيه السجال والجدال، في المتغيرات لا في الثوابت، في الفروع لا في الأصول.

فالأمة الإسلامية مجمعة على أن الله جل شأنه حقيقة بل أول حقيقة، وأن القرآن العظيم الذي أنزله حقيقة بل كبرى الحقائق، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم، مبعوثه إلى الناس كافة، حقيقة بل آخر حقيقة؛ تدرك ذلك بالفطرة والسليقة دون تأثر بخطيب أو بكاتب، أو انجرار وراء حزب أو جمعية. هذه الثوابت تشكل هوية المجتمعات الإسلامية ووعيها، وتنظم حياتها وتسكن تطلعاتها. وإذا كان هناك من بني جلدتنا من لا إيمان لهم بالخالق عز وجل، ولا معرفة لهم بما أنزله في محكم كتابه العزيز، ولا خبر لهم برسوله إلى الناس كافة صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر طبيعي يؤكده وجود هؤلاء حتى في ذروة انتشار الإسلام ومجده، وتبرره مخلفات الصدمة الاستعمارية، ويشفع له الحكم بغير ما أنزل الله، فتلك فئة، وبعض مثقفينا الديموقراطيين اللائكيين في طليعتهم، تمثل الشذوذ الذي لا يخل بالقاعدة.

إنه لضرب من الخيال ووهم من الأوهام أن يحاول المفكر الديموقراطي الحداثي تطبيق هذا الشعار وممارسة هذا الفكر في واقعنا الثقافي الإسلامي، ويسعى بدافع الحق في الاختلاف وحرية الرأي، المقدسان عنده فوق كل مقدس، إلى جر الفرد المسلم، عالما كان أو أميا، من العامة أو الخاصة، إلى مناقشة ما يعتبره هذا الأخير منزها عن كل نقاش، وما يراه حقيقة تسمو فوق كل الحقائق. يعضد هذا القول فشل المستعمر الشمالي المنتصر على كل الجبهات، المتفوق في كل الميادين، المسخر لكل طاقاته ووسائله، المجند لكل خبرائه وأسلحته، في محو عقيدة المسلمين من أفئدة المسلمين؛ وفشل الداعية ابن الأرض والإسلام مولدا، ابن النصرانية واللائكية تربية وتعليما، في نفس المهمة. ودونك على سبيل المثال، الفوز الكاسح للجبهة الإسلامية للإنقاذ في أول انتخابات حرة جرت في جزائر المليون شهيد، التي مكث فيها الفرنسيون يُبشّرون وينصّرون ويفرنِسون مدة قرن وربع القرن، والتفاف الجماهير حول المقاومة الإسلامية الباسلة في الشيشان التي رزحت عقودا تحت نير الحكم الشيوعي المادي الملحد الفاتك برقاب الدعاة المسلمين، وظهور الحركة الإسلامية في تركيا كأكبر قوة “سياسية” في البلاد، رغم ما تعرض له الأتراك، منذ ثمانين عاما وما يزالون من مسخ ديني وثقافي ولغوي ومن بطش للَّحاق بركب الحضارة الأوروبية اللادينية.

إن عدم الالتفات إلى هذه الحقيقة وهذا الواقع في بلاد الإسلام، أو النظر إليهما من حالق، بالاستمرار في رفع شعار رفع من قبل فمجّته الأسماع، وبالإصرار على جلب فكر وثقافة جُلِبا من قبل فأعرض عنهما الكل، ليعد انتحارا فكريا، وتنكرا لهُوية، وتجنيا على لغة، وهزيمة حضارية، وتبعية عمياء.

أعود إلى وصف هذه الظاهرة/الفلسفة القائمة على نفي امتلاك الحقيقة عن الجميع، بعد استطراد طويل أملته ضرورة تهدئة المثقف الديموقراطي المكلوم بما جاء في أول فقرة من المقال، وأدعوك أيها القارئ الكريم وأيها المفكر الحداثي التقدمي، أنت الخبير بأحوال الثقافة والمثقفين والكتابة والكُتّاب، إلى التأمل في بعض ما آلت إليه أوضاع الفكر والأدب في ديارنا.

لقد صار من حق كل كاتب أن يقول ما يشاء وكيفما يشاء دون مراعاة لخصوصية ما يكتب بشأنه أو احترام لشروط البحث في موضوع دراسته. والظاهرة أفشى وأنكى عندما يتعلق الأمر بالكتابة في القضايا المرتبطة بالدين الإسلامي. وإذا انبرى أحد، في حالة الإسلام بخاصة، للتذكير بأن للموضوع مختصين وللإفتاء ضوابطا قذفك الباحث بأن الإسلام لا كهنوت فيه، وأنه ليس حكرا على أحد، وأن “لا أحد يملك الحقيقة”. قِرْنُ هذا في طول اللسان والخوض في ما لا يعرف، وأكبر منه تأثيرا على العقول والنفوس، المفكر الذائع الصيت، أو الكاتب المعروف صاحب العمود اليومي أو الأسبوعي في الصحيفة أو المجلة، العارف بسياسة جزر القمر والمجتمع السيريلانكي وتاريخ البيرو.

لقد أضحى المثقف يهرب من إبداء رأيه والجهر بما يؤمن به ويكتفي بطرح الأسئلة حتى لا يتهم بالتعصب والإرهاب الفكري وادعاء امتلاك الحقيقة. حتى إن طائفة من الكتاب الإسلاميين انجرفت مع التيار الهادر الهائم خلف القوّالين المُعمِّمين المشكِّكين في كل شيء، التماسا لأن يكون لها موقع قدم في ساحة الثقافة والنقاش الفكري وعلى شاشة التليفزيون.

زيد من المفكرين يؤكد في مقدمة كتابه أن غايته ليس تقديم الأجوبة عن الأسئلة التي سيطرحها، ويعتبر أنه لا توجد هناك حقيقة فوق حقيقة السؤال. وعمرو من الباحثين يرفع عقيرته أن لا أحد يملك الحقيقة، وأن مهمة المثقف هي البحث عن الأسئلة لا عن الحلول، والإشارة إلى أماكن الخلل ومواطن الزلل لا تقديم العلاج، وأن عليه أن يظل سلطة مضادة، عصيا على الاستقطاب والتبعية. أما المثقف الأكاديمي، صاحب عشرات الكتب المطبوعة، ومئات المقالات المنشورة، والمشرف على عدد من البحوث الجامعية المحفوظة، فإنه ينتفض معترضا على من صاغ جملة على نحو التوكيد في كتابه أو دراسته أو مقالته، بأن البحث لا يؤمن بالغيبيات، ولا يعترف بالمسلمات، ولا يلتفت إلى اليقينيات، وأن الثقافة والكتابة هما خلخلة للمفاهيم، وزعزعة للقناعات، وتقويض للموروث، وتدنيس للمقدس.

يشتغل الكاتب الفلاني بالبحث في الاختلافات والخوض مع الخائضين بدافع حب الظهور ونيل الحظوة باطنا، والانخراط في النقاش والبحث عن الحقيقة – التي لا يملكها أحد (!) – ظاهرا، وينبش المفكر العلاني في قمامة التاريخ ليخرج للساحة الثقافية دراسة نفيسة تشكك في ما كتبه الأولون وتوارثه السابقون وتطرح السؤال وتسعر الجدال. وتتكدس في المكتبات والأكشاك كتب بعناوين رئيسية أو فرعية تكاد لا تتغير مثل انهيار اليقينيات، مشاغبات ثقافية معاصرة، عكس التيار، الأسئلة المغيبة، الأسئلة المحرمة، المسكوت عنه…

يقرأ المرء مؤلفات لكاتب تألق نجمه في سماء الفكر ولا يجد شيئا نافعا أو جديدا عدا إثارة الأسئلة أو إعادة إثارة الأسئلة التي ألقاها آخرون من قبل. لقد صار المرء يجد نفسه أمام أبحاث – أسئلة، ودراسات – أسئلة، ومقالات – أسئلة، وحوارات – أسئلة. يوشك السؤال أن يصير غاية في حد ذاته لا وسيلة.

تقلع الأشجار وتدمر الغابات، ملجأ الكثير من الحيوانات المهددة بالانقراض، متنفس الإنسان المكدود المنبوذ ومصدر رزقه الوحيد في بقاع شتى، في إفريقيا الجوع والأوبئة الفتاكة وبرازيل الأطفال المشردين، لصناعة ورق البحوث والردود عن البحوث، وورق الكتب والكتب التي تضيف، والكتب التي تشطب والكتب التي تقارن، والكتب التي تحقق والكتب التي تدقق، والكتب التي تنقد والكتب التي تنقد النقد، والكتب التي والكتب التي…

تُخرب البيئة ليكتب المثقف في “برجه العاجي” عن الله والوجود، يحسب أنه بالكتابة والتفكير النظري التجريدي سيعرف حقيقة الكون والألوهية، غير آبه أو غير عالم بقول الخالق الكريم في محكم كتابه “الرحمان فاسأل به خبيرا”، جاهلا بأنه سبحانه يستدل عليه بأوليائه الخبراء به العارفين به، العابدين له في السر والعلانية، الخاضعين الطائعين، لا بالتفلسف التائه والتفيهق التافه.

يُهدد الإنسان في مستقبله على الأرض، ليكتب في غرفته المكيفة، هذا المفكر التقدمي وذاك الأديب الحداثي عن الأديان والمذاهب بجزيرة كذا في القرن العاشر، وعن البشرية في القرن الثالث والعشرين، عن طريقة وصف شعر المرأة في الأدب الهندوسي، عن كيف قص الكاتب الفلاني والروائي العلاني رحلتهما إلى المكان كذا وعما إذا كان سفرهما حقيقة أم خيالا، وعن أول من وصف البحر ولماذا وكيف وفي أي سنة بالضبط، وعن أسماء وأوصاف الملابس التي كان يتدثر بها الإغريق وعن وعن …

ُيلوث محيط الإنسان فيشقى ويفتقر الإنسان بينما يسعد ويغتني الكاتب الأديب بنيله إحدى الجوائز الإقليمية أو العالمية، أو يفخر بظهور اسمه على واجهة المكتبات وفي وسائل الإعلام، لأنه حكى ووصف بعين/كاميرا مصوري المشاهير (paparazzi) مغامراته مع الرجال والنساء، فوق الأسِرّة وتحتها، في المراحيض العمومية والحافلات، ووراء الصخور مثلما تفعل الكلاب، وقص ما شابه ذلك أو ما لا يخرج عن نطاق ذلك في روايات ومجاميع قصصية يتعفف الذباب من الوقوع عليها. وإذا ما أبدى أحد المثقفين الشرفاء، من ذوي المروءة والمشاعر الإنسانية تقززا، أو امتعاضا، أو فقط اعتراضا لطيفا على هذه النتانة الأدبية، اتهم بهبوط الذوق والجهل بقيمة الفن ورسالة الأدب، وشُهر في وجهه سيف حق الاختلاف وحرية التعبير، بناء على المقولة الجاهزة المقدسة “لا أحد يملك الحقيقة”.

تصرف أموال يحرم منها اليتيم دون مأوى والعائل المعدم والعجوز طريحة الفراش لدعوة هذا المفكر وذاك الأديب اللذان لا تربطهما أية صلة بشعوبهما لمؤتمرات فكرية وندوات أدبية تعبد فيها الفصاحة من دون الله، معظم من يحضرها من المتأدبين المبتدئين، أو المتطفلين المنبهرين بما لا يعرفون أو ببديع الكلام، أو ممن لا شغل لهم البتة، يتحدث فيها عن “واقع وآفاق” الأدب النسوي أو أزمة الفلسفة في ظل العولمة، أو تناقش فيها القصيدة الحديثة التي يلتقي في السطر الواحد منها الحجر والقمر، والمرأة والمرآة، والكأس والفأس، والأسود والأبيض. وإذا كنت في حال مناقشة الشعر مثلا من الذين يسمون الأشياء بأسمائها، وامتلكت الشجاعة وقلت إنك لم تفهم شيئا، تعبيرا عن رغبة صادقة في المعرفة والاستفادة، لا استفزازا أو تواضعا زائفا، رموك بضعف الخيال وبلادة الحس، ووصفوك بالتحجر والتعصب للشكل القديم وادعاء امتلاك الحقيقة وعدم القدرة على قراءة ما بين السطور، كأنها العِرافة لا القراءة، والسحر لا الشعر.

بعد عقود من النقاش والحوار والمصاولة الفكرية، ينسحب هذا المفكر الديموقراطي من جمعية كذا أو اتحاد كذا يتأبط حقيقة واحدة هي أن لا أحد يملك الحقيقة. وتنشق بعد أعوام مريرة من العطاء الفكري والتنظير السياسي والمكابدة الميدانية جماعة من المثقفين المناضلين عن الحزب الأم، مدشنين عهدهم الجديد بالهجوم على الرموز المؤسسين، متشبثين بحقهم في ممارسة الاختلاف وحرية الرأي، وتتكاثر الأحزاب والجمعيات كالفطر، انطلاقا من العبارة المقدسة. قوم يغيضهم أن يظهر شخص أو تبرز جماعة أو تسود فكرة. عقدة نفسية.

جُلِب الشعار/الفلسفة، عصارة الفكر الديموقراطي من الغرب اللائيكي وانتشر في المدارس والجامعات تحت سلطة دعاة اللادينية المُقلدة الساخرة من كل شيء، وزاد انتشارا بقوة الصوت وتأثير الصورة في إعلامنا التليفزيوني المتخلف، في برامج اللجاجة والتفاهة، وعلى موائد الصياح والصياح المعاكس حتى غطى سائر حقول المعرفة وكافة مناحي الحياة.

لعلكم تتساءلون: إلى أين؟

إلى الخراب الشامل والإفلاس التام. إلى اللاشيء في التعليم واللاشيء في الاقتصاد واللاشيء في الاجتماع واللاشيء في الفن واللاشيء في الحكم.

إن هؤلاء يعملون عبر دعوتهم إلى إقامة مجتمع يكون فيه نقد كل شيء أمرا مقدسا، والهدم فضيلة، والتشكيك خلقا عظيما، على إشاعة الفوضى لا ثقافة الاختلاف، ونشر الاضطراب لا روح الاستقرار، والدفع باتجاه التمزق والإفلاس لا التوحد والازدهار.