الأغنية المصورة التي يتداولها الناس بلفظها الأصلي “الكليب” منتشرة انتشارا كبيرا في المجتمع المغربي الحالي، خاصة وسط شبان المدن. يبلغ الانتشار ذروته في الصيف، إذ يكاد كل بيت يحضن في جُل الأوقات مُشاهِدا لقناة تلفزية تقدم الأغنية تلو الأغنية، يفصلهما بين الفينة والأخرى إشهار لمُطرب، أو راقصة، أو “ألبوم”، أو أغنية. وقد تركب القطار أو الحافلة فتلقى شبانا تحلقوا حول الحاسوب يغنون مع بطل “الكليب” بصوت مسموع غير عابئين بأحد، أو شابة تشاهد مطربها المفضل على شاشة هاتفها المحمول، وقد ترى كل هؤلاء في الشارع وفي الإدارة وفي أي مكان. وقد تصادف أحدهم يلتهم “ساندويتشا” بكفّ، بينما يمسك بالكف الآخر جهاز التحكم عن بعد قافزا من محطة تلفزية لأخرى، لاهيا عن البلاد والعِباد وربِّ العِباد.

هذه البَليّة الطارئة على مجتمعنا تنُمّ عن حدوث تحوّل كبير في سُلوك الفرد ونمَط تفكيره، وتنذر بحدوث تحولات أخرى في المستقبل أشد فتكا بنفسه وصحته وعقله.

شكل فني حديث آسِر

الأغنية المصوَّرة شكلٌ فني حديث يضمُّ في آن الصوتَ والصورة: صوت المغني والآلات الموسيقية بقدر ما من الحُسن والطرب، والصورة الفاتنة الجميلة الواقعية أو المركبة. تستولي هذه الأغنية المصورة على الإنسان بكليته، وتأسِره أسْرا، وتفعل الأفاعيلَ في قلبه لأنها تخاطب أنفذ جوارحه إلى القلب: السمع والبصر. وقد أكد الله سبحانه وتعالى هذه الرابطة التي تصل القلب بهاتين الحاستين بقوله في محكم كتابه العزيز: إنّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كُلُّ أولئك كانَ عنه مَسؤولا. وبقوله عز من قائل: قل أرأيتم إن أخذ اللهُ سمعَكم وأبصارَكم وختمَ على قلوبكم.

تأسِر الأغنية المصورة الفردَ سيّما المكدودَ أسْراً لأنها تنقله إلى عـوالِم لمْ تطأها قدماهُ من قبل: شارع جميل بمتاجره الباذخة في شرق العالم أو غربه، شاطئ شاسع ذو رمال ذهبية، تل مخضرّ فيه من النباتات والورود ما يخلب الألباب، مطعم عائم وسط المياه الزرق، سطح برج يعانق السحاب، جبل شاهق يطل على البيوت والخلائق، خيمة في جزيرة…

تأسر الأغنية المصورة الفتى والفتاة بصفة خاصة لأنها تثير الموضوع الذي يَسكُـنهما منَ الرأس إلى القدم، وهو الحب، داخل فضاءٍ مؤثث بأشياء ثمينة جميلة يحلمان بها: “فيلا” أنيقة منفسحة بمسبح، وزوج وسيم فاتن ولهان لا شغل له إلا الشريك (وأعني بالزوج الرجل بالنسبة للمرأة والمرأة بالنسبة للرجل)، وسيارة فخمة، وأطفال كالورود نضارة، وخدم وحشم…

إن الأغنية المصورة الرائجة حاليا، وإن خلت من مشاهد السروال اللاصق وما شفَّ ووصفَ وفضح، وهيْهات، فإنها قلـّما تخلو من حركات وأعمال وأقوال وإيحاءات ومواقف ورؤى وأوضاع يأباها الشرع، وترتفع عنها المروءة، ويدفعها الحياء. وهي سموم نفّاذة قد لا يُشعر بها في الحين، لكنها تعمل عملها على المدى البعيد، فتفتك بفؤادي وعقلي الفتى والفتاة على حد سواء. ذلك أن المشاهدة المتكرِّرة تجعل النفسَ في البدء تألف هذه الصورَ المستنكرة من ذي قبل، المستقبحة طبعا وأصلا، المرفوضة عقلا لبُعدها عن الواقع في أنظف الأحوال. وبفعل التكرار والاجترار لا يلبث ستار الحياء الذي كان يفصل النفس عن تلك المنكرات أن يتخرّق، ولا تلبث سلطة العقل والمنطق إزاء تلك المرفوضات أن تضعف. ثم تصبح الصور بعد زمن أمرا مقبولا لا تثير رؤيتُها أيَّ رفض أو استنكار. وما زالت تتكرر مرة بعد أخرى، بين الإخوة والأزواج، وفي حضرة الأقارب والوالدين، والشيخ والجدة، أثناء الأذان ويوم الجمعة وفي رمضان، حتى يلتقطها الخُلـُق، ويسرقها الطبع، ويتبناها العقل؛ فتصير اعتقادا راسخا، وفكرة شائعة مقرّرة.

إضعاف الإنسان ومسخ المجتمع

هذا عن الموضوع. أما عن الشكل، فالأغنية المصورة تشحن ذاكرة الإنسان، وتملأ فكره وخياله، وتُبدد وقته، وتشتت هَمَّه، فإذا هو ذو قدرة ضعيفة على الحفظ والتذكّر، وعجز كبير عن الخَلـق والإبداع، نظرا للكمّ الهائل من الصور والمشاهد والنبرات الموسيقية التي تدخل دماغه في وقت قصير. ومهما كان المرءُ رقيقَ المشاعر حادّ الذهن، فالأثر بالغ: إذ لا أقلَّ من أن تطِن أذنُه ليلا عندما ينصرف إلى النوم بما سمع من موسيقى وغناء في النهار.

إن رؤية الأغاني المصورة بكثرة وفي كل وقت وحين -وأسطر تحت عبارة “بكثرة وفي كل وقت وحين”-، وإن كانت ذات كلمات طيبة وألفاظ رشيقة ولحن شفيف جميل، تملأ الذاكرة والفكر، وتخدر الأعصاب، وتكدر صفو القلب. إذ القلب مثال مرآة منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة فتتراءى فيها صورة بعد صورة ولا تخلو عنها) 1 .

تُضعف هذه الكثرة الإنسانَ أيا كان دينه بإضعاف جواهره: القلب والدماغ. وما عجز أطفالنا وشباننا -ولا أعَمّم- في التعبير الكتابي بالمدارس، وضعف حضورهم الذهني، ونفور معظمهم من الدرس والتحصيل، كما يصرح بذلك الآباء والمدرسون والمنظرون ولا يكفون، إلاّ نتيجة هذا الغزو المصوَّر الصاخِب العاتي للقلوب والأدمغة. وبديهي أن هناك أسبابا أخر ربما أكثر أهمية لهذا الضعف، لكن يظل هذا الطوفان المصوّر سببا من الأسباب.

أما الأغنية المصورة الصائلة في جلُّ الفضائيات العربية والقنوات التلفزية المحلية، فلا يملِك عاقل سَويّ، مهما جادل وتنكّر للدين، أن يُنكِر فراغ مضمونها، وضيق أفقها، وخِسَّة رسالتها. إذ تكاد لا تخرج عن نطاق الجنس الواضح، والعُري البدائي، والرقص المثير، والتغنج التجاري، والتخنث، واللهو، والصخب، والعربدة، والقسوة، والأنانية، والتعظم، والمباهاة، والتكاثر، وتقديس الدنيا وتغييب الآخرة، في “ديكور” مُحتقِر للمرأة متكالب على جسدها ساخِر من الإنسان، وضمن فلسفة مُقدِّسة للمادة عابدة للمُتعة، كافرة بالرب جلّ وعَلا. “فن” (قلْ : عَفَن) مُصور يعتبر المرأة بضاعة لا بد منها لتزيين المنتوج الفني، ويعتبرها أنفس أداة وأنسب قناة لتسويق القيم والأفكار التي يعتنقها.

كانت السينما سبّاقة إلى نشر الفواحش والموبقات وهدم ثوابت الإسلام فجاءت الأغنية المصورة لتقضي على ما تبقى من مروءة وحشمة وما بقِي يميزنا عن الدواب، معتمدة على الأثر الكبير الذي تترُكه الموسيقى في النفس البشرية. هجْمَة سافِرة على المرأة منبع كل خير، المرأة المَدرَسة، وعلى الأسرة المسلمة نواة المجتمع وما يميزها من حَياء وعِفة وتماسُك عن الأسرة غير المسلمة، الأسرة الغربية بصفة خاصة، السائرة إلى الهاوية بما غيَّبت من دين، وأباحت من شذوذ، ومسَخت من فطرة.

وإنه لمِنَ الغباء أن يظن أحدُهم أن هذا التيار الجاهلي العاهر الذي يغزو الإنسان في حَله وترحاله أمْلتهُ ضرورة مواكبة العصر، وتلبية رغبة الشباب المتطلع إلى الجديد، واحترام ذوقه الفني إلى آخر ذلك من الأراجيف. بل إنه مشروع وضعه أعداءُ الإسلام وعلى رأسهم اليهود كما في “بروتوكولاتهم” بعناية ودقة، وجيء به بعد دراسات علمية وتجارب وأبحاث -لا يسعُ المجالُ الاستشهادَ بها- أثبتت شدة تأثر الإنسان بما يَرى ويَسمع. المشروعُ هو “عالمية التلفزة” ليُسمع في كل بقعة وفي كل بيت صوتُ الشيطنة، ولتبصر صورُ الدعاية للقيم الحضارية الدوابية يُزينها الفن وتجلوها الألوانُ عَروسا مُغرية.) 2


[1] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، دار السلام، طبعة 1: 2003، المجلد الأول، ص: 883.\
[2] عبد السلام ياسين: سنة الله، مطبوعات الهلال، وجدة، ط.1، ص: 263.\