سألني أحد أقربائي ذات يوم هل أنت عضو في “جماعة العدل والإحسان”؟ أجبته: نعم. فقال لي: أنتم من ينظم وقفات تضامنية مع فلسطين؟ وحين رددت بالإيجاب عاجلني بسؤال جريء: وماذا تفعلون غير ذلك؟ أجبته باقتضاب، لأن الوقت لم يكن يسمح بغير ذلك، بأن عمل الجماعة ليس محصورا في ما ذكره من أنشطة بل يعم مجالات كثيرة ويعني فئات متنوعة من الناس.. إلخ.

لكني حين تأملت سؤال قريبي، في لحظة صفاء، تنبهت إلى أن هذا التساؤل رغم بساطة صياغته فهو يعبر عن همَ كل من سمع أو تابع أخبار “جماعة العدل و الإحسان” و دفعه الفضول والرغبة للتعرف عليها عن قرب والإطلاع على مشروعها وغاياتها وأدوات عملها. فظهر لي أن أحاول صياغة جواب يقرب عمل الجماعة إلى أذهان الناس وتصوراتهم دون إغراق في التفاصيل ما أمكن. وبشكل عام أرى أن ما تقوم به “جماعة العدل والإحسان” يندرج ضمن ثلاث مهام كبرى تحتضن التفاصيل الكثيرة لمشروع الجماعة وفعلها الميداني. وهذه المهام هي:

1 – مهمة التربية والتعليم:

تحرص “جماعة العدل والإحسان” على تعليم أبنائها وبناتها تعاليم الإسلام وفرائضه وشرائعه وحدوده وأخلاقه ومقاماته. ثم تربيهم على الالتزام به والاصطباغ بصبغته والتحلي بكمالاته في الخلق والمعاملة. فكل مجالس الجماعة هي مجالات للتربية والتعليم، المجالس الأسبوعية التعليمية والتربوية واللقاءات الشهرية ومجالس النصيحة والرباطات وغيرها. وقد خصت الجماعة المسألة التعليمية ببرنامج يوحد أهدافها من العملية ويعمم الحد الأدنى من العلم الذي ينبغي أن يحصله العضو المنتمي إليها. يضاف إلى هذا حث الجماعة أعضائها على اكتساب مستوى أعمق من العلم الشرعي وبذل الجهد للتخصص في فروعه.

أما التربية فتمثل في تصور “جماعة العدل والإحسان” علة وجودها وأساس عملها. فحين سأل الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، خلال الندوة الصحفية التي عقدها إبان رفع الحصار الغاشم عن سيادته، عن مشروع الجماعة المستقبلي أجاب: التربية والتربية ثم التربية. وترتكز التربية في منهاج الجماعة على ثلاثة أسس هي: الصحبة والجماعة ثم الذكر فالصدق. وتستهدف تحقيق التوبة الانقلابية الجوهرية في نفوس وحياة الأعضاء ثم مصاحبتهم في سيرهم داخل صف الجماعة للاستقامة على مقتضيات هذه التوبة وتطبيق يوم المؤمن وليلته الذي يجسد الحد الأدنى المشترك من الأوراد والأعمال التعبدية للمؤمن والمؤمنة. ثم يتدرج العضو تحت رعاية الجماعة في الترقي في مدارج طلب الكمال الخلقي والسلوكي والمعرفي والجهادي سعيا لنيل رضا الله عز وجل.

2- مهمة الدعوة:

تحتل الدعوة إلى الله عز وجل مكانة أساسية في برامج “جماعة العدل والإحسان” وفي سلوكها العملي الميداني. فالجماعة كما عرفها مرشدها: “جماعة تتوب إلى الله وتدعو الناس إلى التوبة”. وتنظر الجماعة إلى الدعوة نظرة شمولية، فكل أنشطتها التربوية والإشعاعية والتواصلية والاجتماعية وغيرها تنضوي تحت هذه المهمة الشريفة وهذا الواجب الشرعي العظيم. أما الغاية العامة من الدعوة فتتحدد في تحبيب دين الله للعباد وتقريب معاني محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم للناس تسهيلا لسبل التوبة إليه والالتزام بتعاليم دينه ونصرة دعوته. وتتنوع وسائل الدعوة التي تعتمدها الجماعة بتنوع مستوياتها والأهداف المسطرة لها والمستهدفين منها. غير أن أبلغ أساليب الدعوة وأكثرها تأثيرا وبلاغا هو الدعوة بالحال والقدوة التي يجسدها سلوك أبناء وبنات الجماعة في علاقتهم بالناس داخل المجتمع.

كما يندرج تحت هذه المهمة النبيلة الحضور في الشأن العام والمحلي. فالجماعة، من خلال مؤسسات الدائرة السياسية، حاضرة في الواقع الاجتماعي المغربي بشكل بارز وواضح رغم الجهود الجبارة التي تبذلها أجهزة المخزن لتطويق حضورها ومحاصرة فاعليتها من خلال منعها من المساهمة في قضايا شعبها والتواصل المباشر معه.

3- مهمة الإعداد لمستقبل الإسلام:

تؤمن جماعة العدل والإحسان إيمانا راسخا ويقينيا بأن المستقبل للإسلام، إن شاء الله، وأن العزيز الوهاب ناصر دعوته ومعز دينه ولوكره الكافرون والمنافقون، وعلى أساس هذا الإيمان تقوم الجماعة، منذ تأسيسها، بالتهيؤ لهذا المستقبل الواعد وإعداد الشروط الواقعية لتحققه في الأرض. ولم تكتف، عكس ما يروج خصومها، بالانتظار والتمني بل إنها تحث الخطى وتبذل الجهود تلو الجهود لتحقيق هذه الغاية. ويتركز هذا الاستعداد على ثلاث مستويات:

* إعداد الإنسان المجاهد، وعاء الصدق والبذل والرحمة والقادر على حمل لواء الإسلام وتبليغ بشارته للناس وتأليف القلوب حولها والتعبير عنها بأفصح حال وأطيب مقال. الإنسان المستوعب لكليات وتفاصيل مشروع الجماعة والمستأمن على مستقبل الأمة. الإنسان الذي تنور قلبه بنور القرآن وتحرر عقله من أوهام الخرافة والإلحاد وانعتقت إرادته من أسر الهوى والفتن والإعجاب بالجاهلية.

* تهيئ المشاريع والبرامج البديلة لواقع الفتنة. فتغيير الواقع ليس نزهة عابرة ولا أمنية معسولة بل هو مكابدة للباطل في كل تفاصيل الحياة ومجالات الفعل المجتمعي، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا وتربويا. لأجل ذلك تخصص الجماعة جزءا هاما من عمل مؤسساتها المختلفة لإعداد بدائل في شتى المجالات لواقع الفتنة الموبوء بفعل الفساد والاستبداد. بل إن هناك مؤسسات متخصصة في هذا الشأن كمكاتب الدراسة التابعة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان.

* تطوير شبكة التواصل مع شرائح واسعة من الفضلاء من أبناء هذا البلد المخلصين لوطنهم والتواقين لإصلاح أحواله ووضعه على سكة العدل والحرية ونبذ الفساد والاستبداد. فجماعة العدل والإحسان ليست كما يسوق مناوءو ودعوتها وخصوم شرعيتها، تنظيما منغلقا على ذاته ومتعاليا على غيره من الفاعلين. وما أكثر الشواهد من فكر الجماعة وسلوكها العملي التي تبرز انفتاح الجماعة على وسطها المجتمعي وامتداد شبكة التواصل مع معظم الاختيارات السياسية والفكرية والمجتمعية التي تؤثث الواقع المغربي. لقد تبنت جماعة العدل والإحسان منذ انطلاق دعوتها خيار الحوار والتواصل مع مختلف الفرقاء السياسيين والاجتماعيين. ولعل العنوان الأبرز لهذا الخيار مناداتها منذ أكثر من عشرين سنة بضرورة اتفاق كل الغيورين على “ميثاق وطني جامع” للخروج بالبلد من المآسي التي تنخر كيانه وتهدد بتمزيق وحدته وتفتيت بنيانه. فالجماعة تعتقد أن حجم الضرر الذي حل بالمغرب في كل المجالات أضخم من أن يتمكن طرف واحد من مداواته أو تغييره نحو الأفضل مهما بلغت قوته أو إمكاناته بل لا بد من تكاثف الجهود وتوحدها على المشترك واحترام الاختلاف وتدبيره بآليات ديمقراطية واضحة.

* ترسيخ الانتماء للعمق الإسلامي والعربي ثم الإنساني وتقوية الارتباط به. فـ”جماعة العدل والإحسان” لا تتوانى في التضامن مع قضايا الأمة الأساسية، وعلى رأسها قضية فلسطين الحبيبة، وبذل كل ما تستطيعه في سبيل ذلك. فالجماعة كانت، وما تزال، حاضرة في كل المحطات التي تطلبت نصرة قضايا المسلمين والوقوف إلى جانب مظلوميتهم ومنها المؤتمرات الدولية التي عقدت لهذا الغرض والمؤسسات التي أنشئت لهذه المهمة. كما يشهد الشارع المغربي، من أقصاه إلى أقصاه، بالحضور المتميز للجماعة في كل الأشكال التضامنية التي نظمت على تراب المغرب إما بدعوة من الجماعة نفسها أو بشراكة مع باقي الفاعلين المجتمعيين.

عموما لا تتسع هذه العجالة للتعمق أكثر في تفاصيل هذه المهام التي تختزل المشروع العظيم لـ”جماعة العدل والإحسان”. ومن أراد الإطلاع بعمق على هذه التفاصيل فما عليه إلا أن يدرس فكر الأستاذ المرشد “عبد السلام ياسين”، حفظه الله، أو الانضواء تحت لوائها ليعمه ما يعم أبناءها وبناتها من فضل الجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله وإحياء دينه في قلوب الناس ومعاشهم، وتنسم معاني الإيمان والإحسان والأخوة في الله عز وجل.