يبدو المشهد مألوفا ككل مرة، فكأن الأدوار موزعة ومعدّة سلفا باتفاق أو على غير اتفاق: جيشٌ صهيوني يقترف المجازر بدم بارد وببربرية متناهية ليست مستغربة على قتلة الأنبياء والرسل، وأنظمةٌ عربية فاقدة للسيادة والشرعية تندد وتشجب، وإن هي رفعت السقف تنادت لمؤتمر يلملم أشلاء إرادة عربية مهشمة منخورة، ومنتظمٌ دولي متفرج في أغلب الأحيان، يحتفظ لنفسه بنفس المسافة بين الضحية والجلاد، أو هو في أحسن الأحوال إن أحرجته “الجرأة” الصهيونية ووحشية الجريمة يندد باحتشام أو يعبر عن أسفه وصدمته، ويدعو كل الأطراف إلى ضبط النفس، وشعوبٌ عربية مسلمة تنزل إلى الشارع ببقية مشاعر عروبة وإسلام أو بعاطفة إنسانية تردد الشعارات، وتُسَيِّرُ المظاهرات، تندد بأمريكا الإمبريالية “عدوة الشعوب مثيرة الحروب” أو بـ”إسرائيل” وبالصهيونية وبالنازية، وبمجلس الأمن وبالجامعة العربية وبالأنظمة الرجعية… ترغي وتزبد وتنفس على بعضٍ مِن قمعٍ يومي تعيشه، ثم تعود إلى قواعدها لتغرق في دوامة الحياة والكدح وراء لقمة العيش لتضيع القضية، وليسدل الستار عن فصل من فصول هذه التراجيديا العربية.

تنسى الشعوب سريعا، وتُرمى القرارات في سلة المهملات بأرقام متسلسلة. والأنظمة العربية تُطَبِّعُ جهارا أو من تحت الطاولة، وإن انكشفت اللعبة صدرت الجامعة العربية أمينها ليزايد على الدول وعلى الشعوب وعلى المقاومة وعلى أمريكا وعلى الرباعية الدولية ثم يشبع “إسرائيل” سبا وتقريعا. و”إسرائيل” وسط كل هذا تسوق الإبل، لا يزيدها خنوع العرب وانبطاحهم إلا استقواء، ولا يزيدها الموقف الدولي “الإنساني جدا” إلا تماديا وطغيانا. إلى هنا -كان- المشهد مألوفا رتيبا قاتلا محبطا كل مرة.

لكن على الجبهة الأخرى مشهد آخر، مقاومة تكفر بالدجل العربي المسمَّى “سياسة” و”استراتيجية” و”موازين قوى” و”مبادرات عربية” و”معطيات إقليمية ودولية” و”جامعة عربية” و”نظام رسمي عربي”، تؤمن بالزناد وبالجهاد وبالحديد الذي يفل الحديد، وتؤمن أن الصراع مع اليهود الصهاينة صراع عقيدة ووجود لا صراع أمن وحدود، وتؤمن أن العدو الصهيوني لا يفهم إلا لغة القوة وصليل السلاح، وأن الأرض تنتزع ولا تعطى. والشواهد تتوالى كل يوم: بالأمس فرارهم من جنوب لبنان، واليوم فرارهم من غزة، لتبرهن أن الجهادَ لبُّ المعادلة والمقاومةَ والصمودَ سرُّ النصر، رغم تخذيل المطبعين وتخويف المخوفين.

فقد بدأ يتشكل شارع عربي مسلم موحد الوجهة والمشروع والراية، يعي مسؤولياته ويعي حجم الأمانة وأبعاد القضية، ويعلم أن الطريق إلى تحرير فلسطين تنطلق من تحرير النفس من أغلالها المادية ومن أسر شهواتها ومن تكالبها على الدنيا، ويدرك جيدا أن الكثرة الغثائية لا اعتبار لها في ميزان التاريخ أو في مسيرة التغيير، ويوقن أن تحرير فلسطين يبدأ بتحرير الشعوب من هذه “الأقفال التاريخية” المسماة أنظمة عربية، وأن من يفصل بين التحرر من نير أنظمة الاستبداد الجاثمة على قلوب ملايين المسلمين في العالم وتحرير فلسطين لم يدرك جوهر القضية بعد. ومن لم يدرك أن هذه هي البداية قبل الرهان على الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنتظم الدولي يخسر المعركة قبل أن يخوضها.

ولأن العدو هو العدو فالعدوان على “أسطول الحرية” هو كالعدوان على غزة وكمجزرة قانا وكتدمير الضاحية، وكاكتساح بيروت وكمذبحتي صبرا وشاتيلا ودير ياسين، لا اختلاف إلا في التفاصيل، بل لا يزيد مع مرور الأيام إلا شراسة ووحشية وفاشستية ونهما إلى امتصاص الدماء وعلوا وفسادا في الأرض. والمنتظم الدولي والعربي لا يزداد إلا صمتا وتواطؤا، مبادرة تجر مبادرة ومؤتمر في ذيل مؤتمر، وقرارات أرخص من الحبر الذي كتبت به، ومفاوضات مباشرة وغير مباشرة ولجان بعد لجان، ودبلوماسية عربية عرجاء أضاعت القضية في السراديب والردهات. بالأمس كانت قضية قومية عربية مصيرية، قضية أمة شاملة، وهي الآن نزاع “فلسطيني/إسرائيلي” خاص، وسلام عليك يا عروبة ويا قومية ويا إسلام.

فلسطين هذه الأرض التي باركها الله من فوق سبع سموات وضيعها العرب بخذلانهم، حتى صارت تسمى “إسرائيل”. فلسطين مهبط الوحي وأرض الرسالات ومسرى خاتم النبوات. فلسطين هذه التي شاءت إرادة الله أن تجعلها أرض رباط إلى قيام الساعة ومدرسة للجهاد، بوصلةٌ ومنارةٌ تحدد الوجهةَ وطبيعةَ الصراع ومغزاه وكنهَه، تضيع العِبرة إن لم نَعِ الدرس ونستوعب أنها أرضُ معاد وميعاد. هكذا نؤمن وهكذا يوقن من يؤمن من يهود، هكذا يخبر الوحي قرآنا وسنة وما سلم من صحف إبراهيم وموسى، وهكذا تتحدد أرضية الصراع التي هي العقيدة والدين. وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا*فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً*ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا*إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا*عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا*إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا*وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.

وصدق الحبيب المصطفى إذ يقول: “لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله”، وفي رواية لمسلم: “لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله. إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود”.

إن الإيمان بأن صراعنا ضد اليهود الصهاينة هو معركة أزلية، معركة حق ضد باطل، نورٍ ضد ظلام، إسلامٍ ضد جاهلية. ودعك من المسميات التي تخفي انهزاما والتباسا لأن القضية متى توضّحت حدّدت الأمة الوجهة وطبيعة المعركة، وما ينتظرها من تحديات ومصاعب. وتيسر لنا أن نضع مجزرة كمجزرة الحرية على بشاعتها في سياقها أي إنها فرصة تاريخية أخرى -ولن تكون الأخيرة أبدا- ينبغي أن نستثمرها لفضح وحشية اليهود الصهاينة وهمجيتهم وتعطشهم لسفك دماء الأبرياء ولتعريتهم أمام عالم غربي أصم لَمَّا تنفتحْ آذانه بَعْدُ ليرى الحقيقة الساطعة أن اليهود أعداء البشرية. فـالتحدي اليهودي للإسلام يتمثل في قدرة اليهود على تقمص الأجسام الجماعية للأمم. وهم بعد تقمص أمريكا في طريقهم إلى تقمص أوربا والعالم. فالتحدي أمامنا ليوم الفصال يوم “وعد الآخرة” ليس أن نحارب العالم بعد أن تكون الروح اليهودية قد استولت عليه، لكن التحدي في أن نقاتل اليهود وراء كل شجر وحجر قتال البأس بينما نستخلص من الروح اليهودية هذه الجسوم الجاهلية، ندفع شرها بخير الإسلام، ونذهب ظلمتها بنور الإسلام، ونُسكت نبَاحها لتسمع دعوة الإسلام) 1 .

إن مهمة المسلمين التاريخية الجسيمة هي تحرير العقل الغربي وروحه من شيطنة اليهود الصهاينة التي تسكنهم حتى النخاع.


[1] كتاب سنة الله: الأستاذ عبد السلام ياسين.\