لماذا تحاصر غزة؟

حوصرت غزة مباشرة بعد فوز لافت للمقاومة الإسلامية في الانتخابات التي خاضتها بعد إلحاح دولي وتشكيك في قبول المقاومة الإسلامية الانخراط في العمل السياسي، في إشارة من طرف خفي أن الإسلاميين لا أهلية لهم في العمل السياسي، وأنهم دعاة قتل وتقتيل وسفك الدماء وزعزعة أمن البلدان وسلامة المدنيين؛ فسارع “المنتظم الدولي” ووافقه النظام العربي الرسمي -محور الاعتدال- إلى عدم الاعتراف بحكومة منتخبة تقودها حماس بناءَ على نتائج الانتخابات.

فرض الحصار على غزة من طرف الاحتلال الإسرائيلي وبتواطؤ عربي ودولي لكسر شوكة المقاومة الفلسطينية التي أبلت البلاء الحسن في الدفاع المستميت عن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة واستشهاد قادتها وفي مقدمتهم الشهيد أحمد ياسين رحمه الله تعالى.

وإذا كان حصار قطاع غزة وتجويع أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني عاريا من أي سند قانوني ومرفوضا أخلاقيا؛ فلماذا الحصار وقد عبر من ينصبون أنفسهم أوصياء على العالم تحت اسم المنتظم الدولي عن لا شرعية الحصار وضرورة رفعه.

حوصرت غزة وستظل محاصرة لأنها ترفض الاعتراف بالاحتلال وشرعنة هيمنته على الأرض الفلسطينية وتهويد معالمها وتهجير الأهالي وإبادتهم بشكل ممنهج دون حسيب أو رقيب.

حوصرت غزة وستظل محاصرة لأنها -على صغر مساحتها- تمثل ساحة الاصطدام بين الشرعية القانونية والأخلاقية وبين مشاريع هيمنة الاستكبار الذي تمثل “إسرائيل” رأس حربته.

حوصرت غزة وستظل محاصرة لأنها بمقاومتها الإسلامية تمثل ضمير الأمة ورمز انبعاثها؛ وهي بهذا تهدد استقرار الأنظمة العربية الجاثمة على صدور شعوبها المقايضة بقاءها في السلطة وتوريثها بتمكين الاستكبار العالمي من مقدرات البلدان العربية وثرواتها.

حوصرت غزة وستظل محاصرة لأنها صفعت المستكبرين الذين تعودوا الاستخفاف بالشعوب المستضعفة وقالت لهم عمليا أن الموت جوعا وبردا ومرضا أهون على النفوس الأبية من مقايضة الحقوق بمساعدات غذائية مذلة للكرامة.

حوصرت غزة وستظل محاصرة لأنها تعطي نموذجا حيا لكل مستضعفي العالم أن للعزة والكرامة والتحرر سبيلا واحدا هو المقاومة والممانعة.

غزة رمز العزة

حوصرت غزة وكانت كلفة الحصار غالية، عنوانها الموت البطيء الذي توج بحرب شعواء أتت على ما بقي من أخضر في القطاع، ودمرت مرافقه الحيوية -المتهالكة أصلا- دون تمييز بين مؤسسات إغاثة أممية وبين مدارس وبين مآوي الأطفال والعجزة؛ كل ذلك بمباركة غربية وعربية جاءت شهادات قيادات الكيان الصهيوني لتكشفه.

لكن مقابل هذا الثمن الباهظ ربحت المقاومة الرهان ونجحت في تعبئة أهالي قطاع غزة فصمدوا وتحملوا، يجلي ذلك ارتفاع عدد الملتحقين بالقطـاع مقارنة بعدد من غـادروه -لتلقي العلاج في الغالب- خلال قصف الصهاينة الجنوني للقطاع أثناء عدوان 2009. صمود وبسالة أيقظت الضمير العالمي وحررته:

– كشفت غزة بصمودها فساد المنتظم الدولي وزيف الشعارات وازدواجية المعايير.

– كشفت غزة بصمودها زيف شعارات الحرية والمساواة وحقوق الانسان التي يتخذها المنتظم الدولي عصا يخضع بها رقاب من نافسها الزعامة، وطالب بحقه في السيادة، ويغض الطرف عن انتهاكات الأنظمة العميلة في حق شعوبها.

– كشفت غزة بصمودها عجز النظام العربي الرسمي عن الدفاع عن نفسه، فقد قُصف بيت نوم من كان يعتبر أمريكا شيطانا أكبر ليخنع ويقدم “جزيات” بالملايير مقابل شهادة حسن السيرة، وحوصر رئيس دولة فلسطين الوهمية وسمم وقتل، وطورد زعيم القومية كما يطارد المجرمون في أفلام هوليود واعتقل وحوكم وأعدم في رسالة لمن تسول له نفسه من حكام العرب أن يتعنتر على “الكبار”.

– حررت غزة بصمودها ضمير العالم من أكذوبة اضطهاد بني صهيون، فانبرى أحراره ورفعوا أصواتهم في مختلف عواصم العالم منددين بالمواقف الرسمية لحكامهم، وشاجبين التواطؤ مع كيان اكتشفوا عنصريته ودمويته وإرهابه وتقتيلهم للأطفال قبل الشيوخ بشتى الوسائل، تكون الصواريخ والقنابل الذكية -غربية الصنع- والرصاص الحي أرحمها.

– حررت غزة بصمودها الشعوب العربية والإسلامية فخرجت تقاوم الاستبداد المحلي الذي يضيق ذرعا بتحرك الشارع، فأعلنت في مسيراتها المليونية إفلاس النظام العربي وعجز الحكام عن حماية الأرض والشعب الفلسطينيين.

– حررت غزة بصمودها كبار المدافعين ردحا من الزمن عن الأطروحة الصهيونية، فانخرطت آخر من نجا من المحرقة الهتلرية المزعومة -وقد بلغت من الكبر عتيا- في قافلة الحرية تندد بسلوك الأحفاد وتدين أفعالهم الشنيعة.

– حررت غزة بصمودها كبيرة وعميدة الصحافيين في البيت الأبيض الأمريكي فحركت فيها الضمير وأعلنتها صريحة فصيحة أن على اليهود أن يعودوا من حيث أتوا، ويتركوا أرض فلسطين لأهلها.

قفوا إجلالا لأهالي غزة العزة

ظلت غزة عبر تاريخها سدا منيعا في وجه الغزاة، وهي مع المقاومة تستعيد كتابة تاريخ البطولات المجيدة، فلا عجب أن تستميت وتصمد هذا الصمود الفريد أمام أبشع احتلال عرفته البشرية، وأكبر تواطؤ دولي وعربي. لله در غزة كيف تقاوم همجية الصهاينة المدعومين بالحليف الاسترتيجي الأمريكي والأوروبي، وتقاوم خيانة النظام العربي الرسمي الذي يأبى إلا أن يئد المقاومة، وتقاوم خذلان الإخوة الأعداء الذين ربطوا مشروعهم السياسي بمشروع الاحتلال من خلال مفاوضات عبثية!

فتحية إكبـار لأرض غزة العزة والإبـاء، وتحية إجـلال لرجـال المقاومة الذين استرخصوا المهج نصرة للقضية، وتحية تقديـر لصمـود أهـالي غزة شيوخا ونساءً وشبابا وأطفالا. ففي غزة تلغى الفوارق العمرية ويتنافس الجميع في رسم أروع صور البطولة والتضحية؛ وصغـار غزة اليوم هم كبـار الأمة ومعلمو العـالم دروس الثبات والبسالة. يقول أبو القاسم الشابي:إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بـد لليل أن ينجـلـي *** ولا بد للقيد أن ينكـسـر