يبدو أنه لا نية للسلطة في طَيِّ ملف التعسف في حق ممثلي المغاربة العائدين من “أسطول الحرية”، ولا رغبة لها في الاِنشغال بمسؤولياتها تجاه هذا الشعب بَدَلَ الاِستمرار في التنكيل برجالاته وأبطاله، كأن ما كابده هؤلاء الأشراف من بطش الصهاينة في فلسطين المحتلة لم يكف المسؤولين السياسيين والأمنيين، فقرر هؤلاء إكمال ما بدأه أولئك.

مناسبة هذا الكلام هو حادثة سير بسيطة، كانت تبدو عادية في مسرح الحدث، حصلت في مدينة الرباط يوم الأحد الماضي 13 يونيو 2010 بين الأستاذ المهندس حسن الجابري، عضو لجنة العلاقات الخارجية لجماعة العدل والإحسان وعضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للمهندسين المغاربة، راكبًا سيارتَه، وراكبِ دراجة نارية، يعمل شرطيا، انتهت بتفاهم حِبِّي بين الطرفين بعد أن دفع حسن الجابري تعويضات مادية مقابل الأضرار وتسديد فواتير الأدوية، ومضى كُلٌّ منهما في حال سبيله.

غير أنه بعد يوم واحد من هذه الحادثة العادية اتصل راكب الدراجة -بعدما تعرض لضغوط أمنية كما سيظهر لاحقا- بالمهندس الجابري ليخبره بتراجعه عن التسوية الحبية ورغبته في تسجيل الحادثة بمصلحة حوادث السير، وهو ما تم حين حضرا معا وقاما بعمل الإجراءات اللازمة، وحين همّ حسن الجابري بمغادرة المؤسسة الإدارية، في حدود الساعة الثانية بعد الزوال من يوم الاثنين 14 يونيو، وجد أمامه ممثلي أجهزة الاستعلامات الذين طلبوا منه مرافقتهم، لينطلق التحقيق والاستنطاق، في ولاية الأمن بالرباط، ليس في ظروف وملابسات الحادثة، ولكن في ظروف وملابسات الرحلة الأولى لـ”أسطول الحرية”، وظروف وملابسات الاستعدادات لرحلته الثانية! وقد استمر التحقيق من الثانية من بعد زوال يوم الإثنين إلى الثانية بعد منتصف الليل، ليستدعى في اليوم التالي إلى التحقيق مجددا من التاسعة صباحا إلى التاسعة والنصف ليلا، كما استدعي المهندس الجابري، اليوم الأربعاء 16 يونيو، إلى ولاية الأمن بالرباط “لاستكمال التحقيق”!

وفي كل مرة كان مجموعة من قياديي وأعضاء الجماعة يعتصمون أمام مبنى ولاية الأمن بالرباط في انتظار خروج الأخ الجابري.

وكان المهندس حسن الجابري، عضو لجنة العلاقات الخارجية للجماعة، قد شارك في قافلة أسطول الحرية ضمن سبعة مغاربة، رفقة قياديين آخرين من جماعة العدل والإحسان هما عبد الصمد فتحي عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية ومنسق الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، والمهندس لطفي حساني عضو الهيئة العربية الدولية لإعمار غزة، إضافة إلى الدكتور عبد القادر اعمارة البرلماني عن فريق العدالة والتنمية، والحقوقيتان البلجيكيتان من أصل مغربي فاطمة المرابطي وكنزة اليزناسي، والصحفية وسيمة بن صالح.

يذكر أن السلطات المغربية، وخلافا لكل الدول العربية وغير العربية، كانت قد منعت استقبال الوفد المغربي بمطار محمد الخامس بالدار البيضاء، ومنعت عائلات ومحبي الوفد من الوصول إلى المطار منتهجة أسلوب التعنيف والترهيب والتخويف، وهو ما استغربه واستهجنه الجميع ظانين أنه تصرف منفرد وتهور أمني محلي، قبل أن يأتي هذا الحدث الجديد ليؤكد -لمن يحتاج ذلك- أن محاصرة ومحاربة الشرفاء المغاربة خيار رسمي ونهج مركزي للسلطة المخزنية المغربية.

وأمام هذا التصرف السلطوي المخزني الجديد حُقّ لنا أن نتساءل وإن كان الجواب معروفا سلفا: هل هو عَرَضٌ جانبي من أعراض الإدمان على الظلم، لم يجد له الظالمون مُسَكِّنًا أنجع ممن لم يَفُتَّ في عضدهم صهاينة الأراضي المحتلة؟ أم إنه ليس من مشكلات في هذا البلد يُتَصَدَّى لها إلا التفرّغ للتنكيل بأعضاء وقيادات جماعة العدل والإحسان؟