لم تنتبه الإدارة الأمريكية إلى أن قافلة الحرية كانت اختبارا لجدية الوعود التي وعد بها الرئيس أوباما العالم الإسلامي. فقد تزامن إبحار هذه القافلة نحو غزة مع مرور سنة على خطاب أوباما في القاهرة.

في ذلك الخطاب التاريخي، توجه أوباما إلى العالم الإسلامي بكلمة مفصلة استغرق الإعداد لها مدة طويلة، فاستخدم لغة جديدة وأسلوبا هادئا ومصطلحات غير معهودة عن إدارة بوش المحافظة، ووعد المسلمين بسياسة جديدة وأعلن رغبته في إقامة علاقات جيدة مع العالم الإسلامي على أساس الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة.

مرت سنة على ذلك الخطاب، وبقيت عبارات أوباما مجرد أماني وأفكار لا تتجاوز منابر الخطابة، بل إن سلوك الإدارة الأمريكية كان، في مرات عديدة، مناقضا للغة ذلك الخطاب. وبذلك تحقق ما تخوف منه العديد ممن انتقدوا الخطاب حينذاك مؤكدين أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد حملة علاقات عامة لتحسين صورة أمريكا، التي وصلت آنذاك إلى أدنى الدرجات مع ما يترتب عن ذلك من مظاهر العداء والعنف ضد المصالح الأمريكية في المنطقة.

وخلال هذه السنة، استمر حصار غزة الذي أنهى هذه الأيام عامه الثالث، واستمرت معه معاناة أهلها الذين يفوق عددهم المليون و800 ألف نسمة، يقطنون في أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، ومحرومون من أبسط ضرورات الحياة، حيث لا يصلهم إلا بما يقارب ثلث الاحتياجات من المواد الغذائية، ونصف سكان غزة يشربون مياها ملوثة.

واستمر، كذلك، الوجود العسكري الأمريكي في العراق وأفغانستان رغم الوعود بالانسحاب في أقرب وقت، وشهدت هذه السنة عدة عمليات عسكرية استهدفت المدنيين والأبرياء.

واستمر تراجع الإدارة الأمريكية عن دعم مسلسل الدمقرطة في المنطقة لأنها تعلم بأن رياح الديمقراطية ستحمل، لا محالة، إلى الحكم تيارات تعتبرها عدوا لمصالحها الآنية والاستراتيجية ومهددا لمصالح شريكها الأبدي الذي تدعمه هذه الإدارة دون شروط وبلا حدود. والمقصود، بطبيعة الحال، الكيان الصهيوني الذي أصبح عبئا ثقيلا على أية إدارة أمريكية تستلم مقاليد السلطة، وصار معرقلا لأي تسوية عادلة مع العالم الإسلامي، ويتسبب يوميا في تدهور شعبية أمريكا في المنطقة حتى أوصلها إلى الحضيض.

كان انطلاق أسطول الحرية من الأراضي التركية اختبارا حقيقيا للإدارة الأمريكية وللمنتظم الدولي، فقد كان يضم نخبة من المتطوعين المدنيين من جنسيات وديانات وانتماءات مختلفة، ولكن يجمعهم هدف واحد هو حمل مساعدات إنسانية لأهل غزة والمساهمة في فك الحصار المضروب عليهم بدون أي أساس منطقي أو قانوني.

كانوا عزلا من أي سلاح وكان مقصدهم نبيل وسلكوا لذلك مسلكا معهودا في العمل الإنساني والإغاثي، ولكنهم اصطدموا بوحشية صهيونية لم ترقب فيهم إلا ولا ذمة، همجية أفرطت في استعمال قوتها العسكرية دون خوف من تبعات غضبة شعبية عالمية أو إدانة رسمية دولية لأنها تستظل بدعم أمريكي لا مشروط لحماقاتها، وهو الدعم الذي سيتوج بفيتو ضد كل قرار يدينها. وهنا وضعت، مرة أخرى، وعود أوباما على محك الاختبار.

كان يمكن، وهذا أسوأ ما توقعه الخبراء، وقف الأسطول واعتراض طريقه وتحويل وجهته دون عنف. وسيكون العمل الإسرائيلي حينها قرصنة، لأنه يتم في المياه الدولية، بأخف الأضرار. وكان بإمكان الإدارة الأمريكية الضغط على الإسرائيليين حتى لا يستهدفوا متطوعين مدنيين بالرصاص الحي وبعشوائية قاتلة.

هذا أبسط ما كان منتظرا من إدارة أوباما لو كانت حريصة على مشاعر المسلمين. وحتى بعد وقوع مجزرة الاثنين، كان الأولى بهذه الإدارة أن لا تعترض على إدانة هذه المجزرة الوحشية ولا تقف في وجه التحقيق الدولي المعروفة نتائجه مسبقا، وهي نتائج غير ملزمة ولن تردع الهمجية الإسرائيلية التي تزداد تطرفا سنة بعد أخرى، وهذا ما تؤكده كل الدراسات السوسيولوجية حول تحولات المجتمع الإسرائيلي. هذا أقل ما كان منتظرا من إدارة أوباما التي مدت، قبل سنة، يدها إلى العالم الإسلامي. ولكن المفاجأة كانت تصريح أوباما عن وجوب معالجة مخاوف إسرائيل الأمنية !! أما أهل غزة فلا بواكي لهم.

لا نتصور لحظة أن الإدارة الأمريكية تجهل بأن حصار غزة ظالم وغير قانوني، أو أنها تنتظر حتى يصرح بان كي مون بضرورة الرفع الفوري للحصار عن غزة حتى تعلن بأنها بصدد اعتماد إجراءات جديدة لنقل المعونات إلى غزة، ولاحظوا جيدا أنها لا تتحدث عن فك الحصار، وأنها تتواصل مع السلطة الفلسطينية وليس مع أهل غزة ولا مع حكومتهم المنتخبة.

وندرك أن أهل غزة يدفعون ضريبة اختيارهم الحر منذ 2006، وهو الاختيار الذي نتج عن انتخابات شهد العالم بأنها حرة ونزيهة، وحملت إلى الواجهة حكومة فلسطينية تبنت برنامجا سياسيا مخالفا لبرامج الحكومات التي سبقتها. والأهم أن هذا البرنامج، الذي يدعم خيار المقاومة وينبذ المبادرات الاستسلامية، كان معروفا لدى الناخبين، وكان الجميع يدرك كلفته ويعرف تبعاته.

تخطئ الإدارة الأمريكية حين تسلك هذه المسالك الملتوية، وحين تتحيز بالمطلق للصف الإسرائيلي وتخضع لضغوط اللوبي الصهيوني وتتجاهل مصالح المسلمين.

والخطأ نفسه تسقط فيه المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، التي تقف عاجزة أمام الغطرسة الصهيونية دون أدنى جهد لتفعيل مقتضيات القانون الدولي.

وأكبر الخاطئين هم حكام العرب العاجزون عن تفعيل ما يملكون من قوة وعوامل ضغط لإجبار الأمريكان على رفع الوصاية عنهم والتعامل باتزان مع قضاياهم.

للأسف، فإن حكامنا لم يستوعبوا أن بيدهم سلاح النفط والمعابر والأموال ومقاطعة الكيان الصهيوني، وما عليهم إلا الاتعاظ بهذا النموذج التركي الذي يتعاظم دوره ويتسع تأثيره وتتزايد شعبيته في العالم كله، وخاصة وسط المسلمين.

لا أظن أن هناك إكراهات أكثر من تلك التي عند تركيا تحول بين حكامنا وبين التصدي لهذا الطغيان الصهيوني، ولكنهم مجرد كراكيز تسير بجهاز للتحكم عن بعد.. لا يهمهم رأي شعوبهم لأنهم غير خاضعين لاختيارها ولا يخشون محاسبتها، وهذا هو الفرق بين حكامنا وبين حكام تركيا الذين أفرزتهم صناديق اقتراع حر ونزيه وتحكمهم لعبة ديمقراطية مفتوحة ومعروفة ومرسومة خطوطها سلفا.

وصلنا إلى بيت القصيد، ووضعنا الأصبع على أصل الداء. ومن هنا البداية الحقيقية لفك الحصار عن غزة وتحرير كل الأراضي المحتلة.

آمل أن نتمعن كثيرا في هذا الدور التركي وفي التغيير الاستراتيجي الذي تحدثه تركيا في المنطقة والمبادرات النوعية التي تتقدم بها لتعديل ميزان القوى لصالح قضايا المسلمين والصدى الإعلامي والسياسي الذي تتركه بعد كل تحرك. هي دروس تبرز أن هامش المناورة كبير أمام حكامنا ولا يلزمهم إلا الثقة في قدراتهم والاستقواء بشعوبهم، وهذا هو رأسمال تركيا. وهذا هو ما يفتقده حكامنا الذين ضيعوا رأس المال هذا.