في يوم الثلاثاء فاتح يونيو من سنة ألفين وعشرة بساحة البريد في العاصمة المغربية الرباط، أقدم مجموعة من الطلبة المعطلين حملة الشهادات العليا على إحراق أنفسهم أو “إحراق الذات” كما يسمى في عرفهم النضالي، وإن كنت لا أتفق مع الشكل النضالي لما فيه من مخالفة للحكم الشرعي الواضح بحرمة قتل النفس والرمي بها إلى التهلكة، فإن هذا لا يعني أن لا نقف وقفة عند أبعاد الحدث وأسبابه وأن لانقتصر في تحميل المسؤولية على الضحية وترك الجلاد، وإلا كنا بذلك نقر الظلم الاجتماعي المسلط على هذه الفئة التي اكتوت منذ عقود بنار الحرمان واليأس والبأس والشقاء، وخيبات الأمل في الوعود الكاذبة المزيفة والتي دأبت على إعطائها لهم الحكومات المتعاقبة على المغرب الواحدة تلو الأخرى دون أن يروا من ذلك غير الحبر الذي كتبت به في الجرائد، وما إن تمضي الحكومة إلى حال سبيلها حتى يتبخر الحلم ويصبح سرابا وسط صحراء الشعارات الزائفة التي أصدرتها الحكومة عند تأسيسها أو إبان حملتها الانتخابية ولتأتي عقبها حكومة أخرى تمشي على نفس النهج، ولا شيء تغير سوى الوجوه والأقنعة.

إن البطالة مشكلة معقدة تأرق كل اللأنظمة التي تحترم نفسها وتبحث لشعبها عن لقمة عيش كريم، بعيدا عن الإذلال والتعسف الذي يلقاه طالبوا العمل، ومجتمعاتنا العربية تضرب فيها البطالة أرقاما قياسية خارجة من رحم الإحصائيات المحتشمة للحكومات العربية، مع ملاحظة جوهرية أن أغلب هذه الإحصائيات إنما تقتصر فقط على حملة الشهادات، وفي بعض الدول العربية هناك شهادات محددة هي التي يعتبر أصحابها معطلين، أما المعطلون الخارجين عن السلم المحدد فإنهم لا يدخلون في إطار الإحصاء، ولو شملهم الإحصاء لكانت الطامة الكبرى، وهؤلاء غير مشمولين بشرف الاهتمام الذي يأرق “ضمير” الحكومة في البحث عن حل لهذه المعضلة –المعضلة هي الورطة التي تعيشها الحكومة أمام الرأي العام الوطني والدولي وليس الألم المادي والمعنوي الذي يعانيه هؤلاء المساكين المجرمين في عرف بعض المسؤولين–.

مع ذلك نقف عند هذه الشريحة التي شملتها الإحصائيات لنستشرف بعضا من معاناتهم وما الذي أوصلهم إلى محاولة الانتحار العلني على مرأى ومسمع من العامة الذين لم يكن لهم سوى أن يقفوا مدهوشين أمام بشاعة ما يجري، ولا يدرون أين هي البشاعة بالضبط، هل في المشهد المريع الذي يرونه أمامهم، أم في المعاناة التي تكبدها ويتكبدها هؤلاء منذ أمد بعيد دون أن تحرك الحكومات المغربية المتعاقبة ساكنا، المثير في الأمر أن حدثا بمثل هذه الضخامة لم تكلف القناتين المغربيتين نفسها الحديث عنه ولست أدري أسباب ذلك ألأن الأمر أصبح اعتياديا عند هاتين القناتين كما هو الحال عند أغلب المسؤولين، أم أن سياسة القناتين القاضية بالترويح عن الجمهور لاتسمح بنقل هذه المشاهد المرعبة التي تتناقض مع الذوق السليم الذي يجب أن يربى عليه الناشئة!!! أم أن القناتين المحترمتين تتهيئان لعملية استقبال الجالية المغربية 2010 فلا داعي للتنغيص على الزوار الكرام بهكذا مشاهد أو لا حاجة للاهتمام ببعض القضايا الوطنية الثانوية!!!، مهما يكن فلا شيء يبرر اللا مبالاة التي تواجه بها هذه الشريحة على امتداد التراب الوطني والتي لاتكاد تجد مدينة مغربية إلا وعمها شكل احتجاجي من احتجاجاتها ولا من يحرك ساكنا…..

على العموم فالمحظور قد وقع، وأصبح المعطل لا يرى سوى السواد أمامه في حياته، فأحلى سنينه قضاها في المدرسة وبعدها رمي به إلى الشارع، فلا هو تعلم في صغره حرفة كباقي أقرانه تعود عليه بالنفع، ولا هو أسس لنفسه تجارة رابحة كما فعل من تركوا المدرسة في الصغر من أصدقائه، والمشكلة حتى النظام التعليمي في المغرب لايأهل التلميذ لتحمل المسؤولية عند إتمام مشواره الدراسي، إذ أن هذه المنظومة التعليمية تزيد من تواكلية التلميذ وتجعله دائما مستهلكا لامنتجا في جميع مراحل التعليم، كما أنها لا تنمي لديه قدرات الإبداع والبحث عن التميز، إضافة إلى أنها لا تجعل منه رجلا في المستوى الذي يواجه المجتمع خاصة في شقه الاقتصادي، والحالات التي أبدعت من ذاتها كانت طفرات في زمن التواكلية التعليمية التي أنتجتها مجموعة من السياسات التعليمية المتعاقبة والتي يعيد تكرارها الإصلاح الجديد الذي زاد الطين بلة واراد أن يقضي عن العطالة ذات الشهادات العليا ويحولها إلى بطالة ذات شهادات دنيا أو بلا شهادات أصلا. حتى لايحصل مثل ما حصل يوم الثلاثاء الأسود في ساحة البريد التي لن تنسى أنه فوقها أحرق تلة من شباب هذا الشعب المكافح المجاهد الذي شأنه شأن باقي الشعوب المسلمة التي طردت المحتل بعزيمة شبابها، أصبح هؤلاء الشباب يطردون الحياة عنهم بألسنة اللهب المادي بعد أن احرقتهم ألسنة لهب الفقر والظلم واليأس، فلماذا حدث ما حدث؟ لماذا وصلنا إلى هذه الحالة؟ من الذي أوصل هذه الفئة من الشعب المغربي إلى حد اليأس القاتل؟ هل أصبح معطلونا يفضلون الموت علانية عوض الموت في صمت يقتلهم فيه اليأس والحسرة؟ أم أنهم بعد أن أعياهم القتل بالماء غرقا في البحر الأبيض المتوسط وأكل الحيتان لجثتهم أصبحوا يرون أن القتل بالنار وأن تأكل جثثهم ألسنة اللهب أفضل عندهم؟ ولماذا بالمقابل لم تتحرك حكومتنا “الموقرة” إزاء هذه النكبة الجديدة بكل المقاييس في ملف حقوق الإنسان بالمغرب ولم تكلف نفسها سوى أن تنفق عليهم بضع لترات من ماء لتخمد السنة اللهب المشتعلة في أجسادهم؟ لماذا إلى حد الآن لم تعطينا الحكومات المتعاقبة أي حل بناء لهذه المعضلة؟ أم أن المشكلة مشكل النظام المغربي بأكمله وليس مشكل حكومة فقط؟ إلى أي حد سنصل إذا مابقينا لاقدر الله على هذه الحالة؟ ألا توجد حلول ناجعة بناءة وفاعلة لتفادي حصول ما حصل؟ أم أن اللحم والعظم المغربي لاقيمة له ولا وزن في سوق النخاسة السياسية؟ متى سيتحرك المسؤولون عن هذا البلد؟ أم ينتظرون حتى يفنى المعطلون بأكملهم وتنتهي المشكلة من تلقاء نفسها؟؟؟

برجوعنا إلى الأسباب الحقيقية لماحصل ومايحصل نجدها أسبابا عديدة ومتداخلة تتشابك وتتقاطع أحيانا، وتنفصل وتتباعد أحيانا أخرى، وسنحاول إلقاء نظرة مبسطة عن حقيقة ما جرى وماحصل من خلال طرح أسبابه الحقيقية والجوهرية، وكذا تعامل السلطات معه وماهي الحلول المقترحة لتفادي حصول ما حصل، هذا إن كانت هناك إرادة حقيقية ورغبة صادقة في الخروج بالبلاد من هذه الأزمة الطاحنة التي تطحن في رحاها ألاف الشباب المغاربة سواء حاملي الشهادات العليا أو غيرهم فالكل في الهم سواء والكل في البؤس والشقاء سواء.

الأسباب

نظرة مبسطة على كرونولوجيا الأحداث تجعلنا نستشف حقيقة ما حصل وأسبابه، فالطلبة المعطلون بجميع هيئاتهم وجمعياتهم وعلى امتداد ربوع تراب المغرب ومنذ سنوات يخوضون مجموعة من الأشكال والاحتجاجات (وقفات، إضرابات، إضرابات عن الطعام، احتلال مقار حزبية مشاركة في الحكومة، معركة السلاسل، مسيرة الأكفان، تشييع جنازة الحكومة…. وغيرها من الأشكال الاحتجاجية التي لاتدخل تحت عد أو حصر)، ومع ذلك كانت استجابات الحكومات محتشمة متعللة بأسباب تكون احيانا مضحكة من قبيل عدم كفاية الميزانية لفتح مناصب جديدة للشغل في حين أن خزينة الدولة بها ميزانية كافية لإقامة المهراجانات في جميع مناطق المملكة والتي تكلف خزينة الدولة ميليارات الدراهم سنويا واحيانا حتى الأرواح – النموذج البارز في هذه الحالة مهرجان موازين الذي فقد فيه عدد من المواطنين حياتهم– ومع كل هذه المليارات التي تنفق على هكذا مهراجانات وغيرها من الفعاليات والقطاعات الغير منتجة فإن الدولة لاتستطيع أن تفتح مناصب جديدة للمعطلين لعجز الميزانية!!! والمشكل أن الدولة هي أصل بحاجة لهذه الأطر المعطلة في مجموعة من مناصب الشغل الشاغرة منذ عقود وقد بدأ يظهر هذا الخلل واضحا من خلال المخططات الاستعجالية التي نزلت بها بعض الوزارات وبعض الوزارات الأخرى التي أعلنت عن عدد معين في بعض الامتحانات المهنية ليرتفع هذا العدد حين الإعلان عن النتائج لما وجدوا أن العدد المطلوب أقل بكثير من الخصاص الذي تعاني منه هذه الوزارات.

إضافة إلى ذلك الوعود المتكررة للحكومات المتعاقبة كان آخرها وعد الحكومة الحالية إبان حملتها الانتخابية بفتح آلاف مناصب الشغل، لكن ما حصل أنه فتحت المحاكم لمتابعة المعطلين عوض فتح مناصب الشغل، ولنكون مرة أخرى على موعد مع الإخفاق المحتم للحكومة التي لم تكن ولن تكون أفضل حالا من سابقاتها.

كل هذه الوعود والإخفاقات المتكررة بصفة متعمدة أو غير متعمدة جعلت الأمور تصل إلى الطريق المسدود الذي أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه، خاصة وأن الدولة عودتنا على مواجهة الاحتجاجات التي يخوضها المعطلون في كثير من الأحيان بقمع مبالغ فيه جدا –كان آخر فصوله وأنا أكتب هذا المقال ماحصل لمعطلي مدينة آسفي من تدخل عنيف والمضحك في هذا الأمر أن بعض من شاركوا في قمع الشكل النضالي كان يتبجح بما فعل أمام العامة في حانوت للبقالة!!!– كل هذا جعل الأوضاع تزيد احتقانا على اعتبار أنها محتقنة أصلا منذ أمد بعيد، وليكون آخر وعد أخلف قبل وقوع المأساة هو الإدماج المباشر للمجموعة التي أقدم عدد من أعضائها على حرق أنفسهم في سلك الوظيفة العمومية، لكن تبين فيما بعد أن الإدماج تم التعامل معه بطريقتين : الأولى قسمت أعضاء المجموعة فأدمجت البعض وأغفلت البعض، والثانية إدماج مجموعة من الأشباح حسب الاتحاد الوطني للطلبة المعطلين بالمغرب، وهو ما جعل الأمور تنحدر إلى هذا المستوى غير المتوقع.

التعامل الرسمي مع الواقعة

لم يكن التعامل الرسمي مع الواقعة ليرقى إلى مستوى الفاجعة التي صدمت ابناء وبنات الشعب المغربي حين أقدم ثلة من أطر هذا الشعب المعطلون على حرق أنفسهم، وعوض أن يكون هناك تدخل جذري وحقيقي وفعل بناء كان مجرد كلام محتشم على عادته لم يتطرق أصلا للفاجعة، حيث أكد بعد الحادثة الناطق الرسمي باسم الحكومة “خالد الناصري” أن الحكومة لاتملك وصفة سحرية لمشكلة البطالة!!!، الآن فقط أدركت الحكومة ذلك ولم تدركه حينما كانت تطلق الوعود في كل حدب وصوب بأمل في غد بعد انتخابها تقضي فيه على هذا الشبح الرهيب، حينها كانت أعينها على الكراسي لا على أمال الشعب وآلامه، مع أن البطالة التي لاتوجد لها الوصفة السحرية هي مقتصرة فقط على أبناء الشعب أما ابناء السادة فإنهم لديهم مليون وصفة سحرية للقضاء على بطالتهم وحتى على غير البطالة وبالإشارة يفهم اللبيب…

ولم تكتف الحكومة بالتبرير بل أحيانا تناطح وتنافح أنها استطاعت أن تخفض من مستوى البطالة من 9,8% إلى 9,1% وهي حصيلة يكذبها غيرها من الإحصائيات الرسمية أيضا التي أكدت أن البطالة بلغت حد 10% مع أن الإحصاءات الرسمية أصبح مشكوك فيها نتيجة هذا التضارب في لي أعناق الأرقام، مع العلم أن المقصود بالبطالة في عرفهم هو البطالة ذات الشواهد العليا أما غير الشواهد العليا فلا حق لها في الحديث لأنها أصلا غير معترف بوجودها.

ماذا عن الحلول؟

إن أول شيء يجب الحديث عنه قبل الحديث عن الحلول هو إرادة صادقة في انتشال ابناء هذا الشعب من براثن اليأس والحرمان الذي يرمي بهم إلى الموت والهلاك أو الإجرام، وهمة وعزيمة قوية فعلا، أما ما عدا ذلك فهو مجرد كلام لايساوي قيمة البخار الذي صاحبه حين خروجه من بين شفاه ناطقيه والواعدين به.

فإذا ماتحققت هاتين الصفتين امكننا حينها الحديث عن حلول جذرية حقيقية ونافعة، وغير ذلك يبقى مجرد سراب يتغنى به أصحابه ويتألم به الموعودون به لأنهم فطنوا أنه مجرد سراب لا يسمن ولا يغني من جوع.

بعد ذلك يجب ان نقف وقفة صادقة نراجع فيها كل الاخفاقات وكذا الحالة الراهنة إضافة إلى التحديات والوضعية الحالية –الحقيقية– لمستوى البطالة ونسبتها وإمكانيات الدولة الحقيقية وكذا مايمكن التخلي عنه من كماليات لصالح هذه الضرورة الملحة، وإعطاء الأسبقية حسب السن مع إعادة تكوين بعد الإدماج في المجال الذي تم الإدماج فيه، لكن كل هذا يبقى رهن الإرادة التي تحكم مسيري دواليب هذه البلاد.

كما لايجب أن نغفل أن هؤلاء حاصلون على شادات تأهلهم لولوج السلم الحادي عشر (11) وبعضهم السلم العاشر (10) وسيكون من الإجحاف إدماجهم في اقل من المستوى الأصلي لهم.

ماذا بعد؟

كنا من قبل نسمع عن تهديد مجموعات من المعطلين بحرق أنفسهم، وكان حينها يعتبره الكثير مجرد كلام، وإن عمد هؤلاء إلى شرب البنزين كبداية في السير نحو المحظور، كان على الدولة أن تستشعر بأن المأساة بعدها آتية، لكن لا حياة لمن تنادي، فكان أن حصلت الواقعة المأساوية ووقع المحظور، وكأن المعطلون يقولون لكل هؤلاء المسؤولين هي موتة واحدة فلتكن وصمة عار على جبينكم، نحن لن نموت صمتا كما أريد لنا لكن نموت في واضحة النهار وأمام الملأ ليكون الكل شاهدا على بشاعة ما نعيشه، ولتبقى في سجل التاريخ أن الأطر العليا في المغرب أحرقوا أنفسهم في حين أنه في دول أخرى يتمنون أن يكون عندهم أمثالهم لتقبل أرجلهم كما قال أحد الأجانب حينما رأى قمع السلطات للدكاترة المعطلين أمام البرلمان.

كلمة أخيرة للمعطلين

الموت حرقا أو الانتحار بصفة عامة لن يغير من الوضع شيئا، وهو موجب لسخط المولى عز وجل، إن من حقكم أن تطالبوا بحقكم المشروع لكن بما يرضي الباري عز وجل، وتذكروا قوله عز وجل حكاية على لسان نبيه يوسف عليه السلام: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.