تساؤل

لا نحتاج إلى استطلاع رأي ولا إلى مراكز دراسة لتأكيد الحقيقة الواضحة والفاضحة التي لا يرُدها إلا فاقد عقل وتمييز، أو بائع دين وضمير، لكونها أضحت بديهية لدى جميع الناس في هذا الزمن، سواء في الأوساط العلمية أو العامية، ألا وهي كراهية الشعب العربي لسلطة الدولة التي تحكمه، كراهيةً منقطعة النظير في العالم، فلا تجد طفلا ولا شابا ولا عجوزا ولا شيخا، موظفا ولا عاملا ولا معطلا، إلا ويحمل في قلبه وعلى لسانه مقتا وكراهية شديدين لنمط السلطة السائدة، فما سبب هذه الكراهية المتجذرة في كيان الإنسان العربي اليوم؟ أهي مجرد طبيعة بشرية تتضايق من السلطة كسلطة باعتبارها الجهاز العنيف الذي ينظم الحريات ويقيدها وفق القانون وتكره الناس على الامتثال للتشريعات المتعاقد عليها؟ أم أنها طبيعة النظام العربي المغلق والفاقد للشرعية، والذي يتضايق من وجود الحرية والرأي المخالف؟ أو بعبارة أوضح: هل العيب في جميع المواطنين لأنهم لا يرضون ببنية الاستكبار والاستضعاف، ولا يقبلون الدونية والإهانة بين الأمم؟ أم أن العيب في الانفراد بالحُكم الذي لا تقوم له قائمة إلا على الإكراه والعنف والدعاية واحتكار السلطة والثروة؟

جوابا على الأسئلة السالفة نركز على نموذج المغرب، كبلد عربي يكره أهلُه السلطة التي تحكمهم كراهيةً متوارثة ومبررة. إلى درجة أن أبدعوا للسلطة المستبدة اسما فريدا هو: المخزن.

وصية الأجداد الخالدة

إذا توارث الناس حاجتهم للدولة كجهاز قوي يتكلف بتنظيم وتسيير وتدبير شؤونهم العامة بمقتضى العدل والحكمة والرحمة فقد توارث المغاربة كراهيتهم لسلطة الدولة أبا عن جد، ولا تجد في خطابهم وأمثلتهم وتاريخهم المكتوب والشفهي سوى التحذير من سلطة “المخزن” 1 نظرا لما ذاقوه على يد وجهائه وزبانيته وخَدمه وحَشمه من صُنوف القهر والقمع والاستغلال والإفساد والاضطهاد المنظم، فكم تنمَّر الحكام والقُياد والباشاوات والعمال والعملاء والوُجهاء ومارسوا الترهيب والتخويف بل والتقتيل والإخفاء القسري فضلا عن الاعتقال التعسفي والتعذيب المتنوع والتشويه والتمثيل. بناء على ما تراكم في أذهان المغاربة من صورة سوداء قاتمة عن “المخزن”، تشبتت الأجيال المتلاحقة بوصية الأجداد الخالدة: إياكم والمخزن.

يذكر الدكتور المهدي المنجرة في كتابه “قيمة القيم” مذكرا بالموقف التاريخي السياسي الجماعي للشعب المغربي أن والده أوصاه قبل وفاته بقوله: “ياويلْكُم آ وَلدي من المخزن”. محذرا من خُبتِ كائن مفترس ٍ ومُفسدٍ يجن جنونه على الكرسي والطغيان والفردانية. فالمخزن باعتباره نموذج للتسلط القائم على العنف والرهبة وادعاء حماية الدين والوطن، صاحب التاريخ الدموي الأسود والأفسد رغم تظاهره بصفات التدين والصلاة في التلفزة والسطو على الألقاب الجميلة والجليلة. فقد ذكر المؤرخون أن الملوك كانوا ولا يزالون يمارسون الإذلال الجماعي على المغاربة، فينعثونهم بأقبح النعوث مثل: “خشاش الأرض”!!!، “حيوانات متوحشة”، أي كائنات بلا كرامة ولا رأي ولا صوت ولا حق 2 ، و”جَوَّعْ كَلْبَكْ يِتَبْعَكْ”!!!… الخ، وكلنا نسمع الناس يتداولون الوصية الجماعية القائلة: ثلاثة أشياء لا ثقة فيها: المخزن، النار والبحر !!!

يوم 13 فبراير 2008، مات رجل مسن -اسمه أحمد ناصر- يبلغ من العمر 95 سنة ! في السجن بتهمة “المس بالمقدسات”! حيث حكم عليه القاضي الممخزن في نفس اليوم الذي اعتقل فيه! دون انتظار توكيل هيئة دفاع ودون مراعاة تقدم السن، ومن غير التفاتٍ إلى تفاهة التهمة. لكن ماذا يتقن الجلاد غير البطش والظلم والاستهتار بحقوق الناس؟ فقُتل الشيخ وهو يحمل شهادة طبية تثبت مرضه العقلي! {وكذلك يفعلون}…

يحرص المخزن على تطوير وسائل الإخضاع وتنويعها من الإقناع السوفسطائي الذي يراهن على مقولة: “ليس في الإمكان أبدع مما كان” إلى المساومة المادية المغرية إلى التهديد العنيف إلى الإقصاء الانتقامي والإفناء والإخفاء والحصار والقتل!!! وقد نقلت لنا “مذكرة إلى من يُهِمه الأمر” كيف كان الملوك يدفنون المواطنين أحياء تحث الأرض ويعتبرونهم مجرد نباتات فاسدة!!! ولنا أيضا أن نتذكر مذبحة 20 يونيو 1981!

تقوم سلطة المخزن كسلطة قهرية مستبدة على “مشروعية” مزيفة: فهي تقدم نفسها سلطة أبوية تقليدية تاريخية، بل تدعي أيضا أنها سلطة ديمقراطية عقلانية حداثية عصرية فقط لأن عندنا تعددية حزبية ودستور ممنوح طُبخ في غياب الإرادة الشعبية. والحقيقة أنها سيطرة جبرية كليانية شمولية وارثة للحُكم من العائلة وتفرض طاعتها بالعنف وتنتزع الطاعة بالسيف واغتصاب الرأي. دون أي اعتبار لموقف الناس بعلمائهم ونخبهم ومفكريهم وهيئاتهم المختلفة التخصصات والمرجعيات فضلا عن عامة الناس، ودون أية شروط شرعية أو قانونية. إذ يقف المغربي عاريا مسكينا أمام سلطة متجبرة تحميها التعليمات والأجهزة الضالعة في القمع والمنع وتلفيق التهم،…

هذا هو الواقع وإن ابتليت أمتنا ببعض الناس الذين مِن عِشقهم للعبودية والهوان تكيفوا مع الوضع المذل وأصبحوا جزءا لا يتجزأ منه، لما استفادوا من عطاياه السخية 3 وتربوا في حِجره، وأدوا الخدمة القدرة على ظهر شعب مُفَقر مُبعَد مغلوب على أمره. اختُطفت إرادته وأُلغي رأيه مبكرا. قال أحدهم: “أنا مخزني حتى النخاع” وقال الآخر: “أنا مخزني ولا يزعجني هذا الوصف” 4 ، وترتبت المهام الأمنية والدبلوماسية والإعلامية والدينية على الدفاع عن المخزن ولا شيء غير المخزن. هو الحق والعدل، والوطن والتاريخ، والكرامة والقِبلة….

الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا.

التقارير الوطنية والدولية

رغم الحرص الحاد للمخزن على فبركة تصورٍ وصناعة أرقامٍ يُلمع به صورته القاتمة وسمعته الفاحشة لدى الهيآت العالمية ويستغفل بذلك عقول الملايين من الأميين والفقراء والمعطلين والمخدرين والضاحين… فإن التقارير الدولية، بل وحتى المحلية منها فضحت سوأته وكشفت عيبه، فلا نكاد نعثر على تقرير في أي مجال من المجالات يشرفنا بين الشعوب والأمم. نذكر من ذلك:

– تتفق التقارير الدولية والوطنية على أن المغرب بلد الانتهاكات الجسيمة والمستمرة لحقوق الإنسان، فمن معتقلات تازمامرت وقلعة مكونة ودار المقري إلى معتقل تمارة إلى عشرات السجون السرية التي تغتال فيها الحرية ويُذبح القانون وتُدفن القيم وتُغتصب الإنسانية… مئات الرجال والنساء طواهم إجرام المخزن وبطشه الفرعوني.

فكم من مواطنين خرجوا في مظاهرات سلمية أو شاركوا في إضراب عمالي أو وفقوا وقفة احتجاجية عادوا لبيوتهم جثتا هامدة برصاص جلاوزة الظلام… وأخرون لا يزالون مُغيَّبين !!!

اليوم لا يزال الذئاب يرعون الغنم، القمع والمنع والتجاهل والمكر… اعتقال العلماء وطلبة العلم والصحفيين والمناضلين وتشميع البيوت والمقرات وتلفيق التهم الجاهزة بإيعاز من اللوبي الصهيوني العالمي الذي ترعاه الويلات المتحدة الأمريكية. وبموافقة عصابات قدرة في الداخل تتلاعب بحاضر الشعب ومستقبله، وتُفسد في ماله ومصالحه….

– باسم التعليمات المخزنية التي عفى عنها الزمن يمنع العمل الجمعوي إلا إذا كا متمخزنا، أي متملقا للسلطة خانعا راكعا، هكذا وإن كان الفصل الخامس من الدستور ينص على أن: جميع المغاربة سواء أمام القانون)، وفي الفصل التاسع نجد أن لجميع المواطنين حرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة نقابية وسياسية وحسب اختيارهم ولا يمكن أن يوضع حد لممارسة هذه الحريات إلا بمقتضى القانون). إلا أن الواقع يُكذب هذا الكلام كُليا ويعتبره مجرد حُلمٍ جميل.

– أعدت وحدة “الإيكونوميست” البريطانية للمعلومات تقريرا وضع المغرب في الرتبة ال 120 حسب مؤشر الديمقراطية. وجاء تصنيف المغرب ضمن خانة البلدان ذات النظام السلطوي الاستبدادي، وحصل على تنقيط ضعيف جدا في خانة المشاركة السياسية، حيث لم يسجل سوى 2.22 من 10 ونفس الضعف والخجل سجله في مادة الانتخابات والتعددية السياسية 3.50 من 10. أما في ما يخص الأداء الحكومي، فحاز المغرب على تنقيط دون المستوى 3.93 من 10 ونفس الضعف أبان عنه كذلك في مسألة الحريات المدنية.

– أكدت المنظمة العربية للإصلاح الجنائي أن السجون المغربية تعرف اكتظاظا كبيرا ويتجاوز عدد السجناء الطاقة الاستيعابية للزنازين. ووضعت المنظمة المذكورة السجون المغربية على رأس القائمة، على مستوى عدد السجناء التي قالت إنها تتجاوز أربعة أضعاف الطاقة الاستيعابية المقررة لها، ووضع نفس المصدر المغرب تليها الجزائر في المرتبة الثانية في تكدس السجناء.

– ذكرت إحصاءات منظمة العمل العربية حول التشغيل والشباب والهجرة والتنمية البشرية في البلدان العربية لعام 2010، أن المغرب في الرتبة الأخيرة في مؤشر متوسط إنتاجية العامل من الناتج الصناعي للدول العربية من بين 21 دولة، وأكدت أن الإنفاق على الأبحاث والتنمية من الناتج المحلي الإجمالي لا يتجاوز 0.6 في المائة، كما ذكرت تراجع المغرب ب 4 دركات أخرى في التقرير الدولي حول التنمية البشرية.

– صنف تقرير “المعرفة العربي” الذي أصدرته بدبي مؤسسة محمد بن راشد المكتوم بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية، المغرب في المراتب المتأخرة من حيث نسب الأمية والهدر المدرسي. ويتوسط المغرب ترتيب الدول بالمنطقة العربية من حيث الولوج إلى المعلوميات الجديدة للاتصال، مقارنة مع عدد من الدول العربية الأخرى.

ويأتي المغرب في المراتب المتأخرة من حيث نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة بين الدول العربية بحوالي 41 في المائة من نسبة الأمية. بينما لا يتجاوز معدل الالتحاق بالتعليم الثانوي في البلاد عتبة 56 في المائة، حسب تقرير المعرفة العربي لعام 2009. واحتل المغرب المخزني الرتبة 44 من 45 على مستوى القراءة والفهم!… بالإضافة إلى أن تصنيف شنغاي أبرز أن الجامعة المغربية لا ترقى إلى ترتيب دولي مناسب !

– أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش” HRW” أن: هناك تراجع بشكل عام في المغرب… السلطات بمساعدة القضاء تستخدم تشريعات قمعية لمعاقبة وسجن معارضين سلميين وخاصة منتقدي النظام الملكي).

– أما فيما يخص فضيحة التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب فقد كشف مركز الإحصاء الإسرائيلي أن عدد السياح المغاربة الذين زاروا إسرائيل خلال السنة الماضية بلغ حوالي 2794 فردا. كما أكد تقرير جمعية “إعمار” للتنمية والتطوير الاقتصادي استنادا إلى معطيات مركز الإحصاء الإسرائيلي ومعهد التصدير الإسرائيلي بأن الرباط تعد خامس زبون من الدول الإسلامية لتل أبيب من حيث ترويج البضائع الإسرائيلية.

– بالرغم من توقيع المغرب بتاريخ 09 دجنبر 2003 على اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمحاربة الرشوة، فإن الرشوة هي الوسيلة الأكثر نجاعة لاستقطاب كوادر الدولة واستمالتهم لترويج أكاذيب المخزن. لذلك اندحر المغرب دركات إضافية في سلم مؤشر ملامسة الرشوة حسب منظمة ترانسبرانسي الدولية. فبلدنا هوى من المرتبة 70 سنة 2003 إلى المرتبة 77 العام قبل الماضي، لا بل إن الدراسة الميدانية التي قامت بها مكاتب دراسات مغربية لفائدة الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة أكدت أن 64% من الأسر المغربية تنظر إلى الرشوة كمعطى اعتيادي لم يعرف أي تغيير. ففي قطاع الصحة مثلا 77% من الممرضين يتعاطون الرشوة).

– أكثر من مليون أسرة مغربية تقطن بمدن الصفيح ومعرضة مساكنها القصديرية لخطر الانهيار، والتي يبلغ عددها أكثر من 90 ألف منزل. ويبلغ عدد الأحياء العشوائية 1250 حيًا، والغريب في الأمر أن العاواصم المغربية (الإدارية والاقتصادية) عامرة بالكاريانات والأحياء العشوائية غير اللائقة للسكن، فنذكر في مدينة الدار البيضاء مثلا كريان “سيدي مومن القديم”، و”دوار السكويلة”، و”كريان سيدي عثمان” و”كريان طوما”…

– أما على مستوى الدعارة والحشيش فالمغرب في الصدارة دائما، ويؤكد ذلك التقرير الأخير للأمم المتحدة الصادر نهاية أبريل 2010 أن المغرب ينتج حوالي 40 كيلغراما في الهكتار الواحد من مادة الحشيش، ليأتي بذلك في الرتبة الثانية عالميا من حيث الإنتاج!!! وهو يحمي زراعة 134 ألف هكتار! لعل هذا الوضع المتقدم هو ما يجعل المغرب المورد الأساسي لأوروبا من الحشيش بنسبة 80 بالمائة وأن 27 بالمائة من الأراضي الزراعية النافعة في المناطق الشمالية مخصصة لإنتاج الحشيش. 5

– أما الخمور فنذكر فقط أن المغرب استورد سنة 2009 حوالي 20 ألفا و575 طنا من الخمور، وهو رقم خطير مقارنة فقط مع السنة التي سبقتها 2008 حيث لم تتجاوز الواردات من الخمور 9080 طنا. يقول “جاك بولان” أحد منتجي العنب الفرنسيين الذي يشرف على مزارع الضيعة الحمراء بالضاحية الجنوبية للرباط: لابد من القطع مع تلك الصورة البالية والتحقيرية (للخمور / الكسكس)، فالتربة المغربية رائعة، وتم تحقيق تقدم كبير في جميع مراحل إنتاج الخمور، والجودة تتحسن سنة بعد سنة). والدليل على ذلك، يضيف هذا العاشق، أن منتوجا مغربيا (يسمى تانديم ميللسينرم 2006) حصل لأول مرة على تنقيط من روبير باركر، الخبير الذي يتوجس كل المهنيين أحكامه. 6 كما كشفت وكالة الأنباء الفرنسية أن المغرب يتوفر على 12 ألف هكتار من الكروم التي تعتمد في إنتاج الخمور، وينتج ما قرابة 40 مليون لتر من المشروبات الكحولية، ويبلغ الاستهلاك الوطني حوالي 85 في المائة من إجمالي الإنتاج. وهو ما يعني أن المغاربة يستهلكون سنويا ما بين مليونين و550 ألف لتر و3 ملايين و400 ألف لتر !!! واليوم ما بين 300 ألف و400 ألف هيكتولتر من الخمر يتم انتاجها في المغرب، منها حوالي %75 من الخمور الحمراء.

– حتى على مستوى الرياضة فإن داء الاستبداد والانفراد بالقرار ونزول التعليمات الفوقية أفسد الرياضة، حيث تراجع المنتخب المغربي إلى المركز ال70 بمجموع 469 نقطة، وهو أسوء مركز يحتله المنتخب المغربي منذ بدء العمل بالتصنيف العالمي سنة 1993. في حين ارتقى منتخب مصر إلى الرتبة ال13، ومنتخب الجزائر الرتبة 31.

– في المغرب 53.2 بالمائة يعانون من اضطراب عقلي، 26.5 منهم يعانون من الاكتئاب، حسب ما ذكرته المجلة الطبية “إكتا بسسيكياتريكا سكاندينا فيكا” 7 ، وأكد وزير الصحة يوم 22/02/2007 بتصريح صحافي بيّن فيه بالأرقام حالة الصحة العقلية بالمغرب؛ فذكر أن أزيد من 48% من المواطنين مصابون بأمراض نفسية تتراوح بين القلق والتعصب والدهان والحمق الصريح 8 .

– ورد في “60 عاماً من الإخفاق على صعيد حقوق الإنسان” وهو تقرير أصدرته أمنيستي الدولية المعنون: ينبغي على الحكومات أن تقدم اعتذاراً وتفعل شيئاً الآن) فإن المغرب ما يزال يركز في إضراره بحقوق الإنسان على اتهام المعارضين السياسيين والصحفيين المستقلين والمحتجين سلميا والمدافعين عن حقوق الإنسان بالمس بالمقدسات أو بالمؤسسات وبالتشهير والقذف في حق شخصيات وبالمس بـ”النظام العام” و”الأمن العمومي” و”الاستقرار السياسي” و”الاطمئنان العام”.

– أكدت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في تقريرها الثالث (ديسمبر 2009) بأن المغرب يعرف تراجعا خلال السنتين الأخيرتين، وكان أهم ملامحها حل أحزاب، وتأسيس أخرى (حزب صديق الملك) استطاعت الهيمنة على الحقل السياسي المغربي خلال مدة قياسية، وتنامي الاحتجاجات الاجتماعية، وكذلك التدهور الدراماتيكي في حرية الصحافة والمتابعات القضائية في حق المدونين.. حجب بعض المواقع خصوصا تلك التابعة لجماعة العدل والإحسان الإسلامية)..

سلطة كهذه أضحكت علينا الأمم وجعلتنا في مؤخرة الدول وصيرتنا أقنانا نتزلف الأسياد وتافهين في ميزان التنمية والكرامة الآدمية.

الواقع أسوأ من التقارير

إذا كان المشكل الكبير هو وضع المخزن لقوانين تضمن سيطرته واستفراده بالسلطة والثروة، وهي قوانين لم يشارك في وضعها الشعب ولا تضمن حقوقه كما ينبغي فإن المشكل الأكبر هو تعطيل القانون باسم التعليمات، أي أن القاون على علاته وثغراته القاتلة لا يطبق إلا ناذرا، أما في الغالب فتتصدر التعليمات المخزنية جميع السياسات. وهكذا إذا اعتبر المشرعون القدامى أن القوانين وحدها لا تكفي إذ تحتاج إلى نزاهة من توكل إليه مهمة تنفيذها واستقلاله… فإن الوضع المغربي يزيد المصيبة كارثة لما يعلنها جبرية كسروية استبدادية؛ المخزن هو القانون وهو الدين والعلم والفن والرياضة وكل شيء.

إن التقارير الدولية والمحلية مهما حاولت رصد الإفساد المخزني لبلدنا المبارك بفضل الله، ورغم اتفاقها على أن “المغرب يحتل الرتب المتأخرة، مع تقهقر سنوي نحو رتب أدنى، في شتى الميادين” فإنها لا تستطيع نقل الصورة الحقيقية التي يعيشها شعبنا يوميا في مدنه وبواديه ومداشره وأريافه، في غذائه وصحته وتعليمه وأمنه وإدارته التي ينخر الفساد فيها وتشخر البيروقراطية في تسييرها… عقود طويلة من سياسة العسف والإذلال وتقييد الحريات والحَجْر على التفكير وتخريب العقول وحكم الشعوب بالتخويف والإرهاب، وإكراهها على الانكفاء على ما يشبه الأوكار التي حلت محل الأوطان. مشركة في ذلك قوى متعددة، عربية وأجنبية، كان لها ولا يزال مصلحة في تهميش الشعب، بدءا بكبار المستكبرين الذين يستحودون على خيرات البلاد ويستضعفون العباد وينشرون الفساد 9 ، إلى فوضى مافيات التجارة السوداء، والمنعشين العقاريين الذين يخوضونها حربا استنزافية على قدرات المواطنين، والمتملصين من الضرائب، ومهربي الأموال والنساء والمخدرات… إنه كان رجال من الأغنياء المفسدين يعودون برجال من السلطة فزادوهم ظلما وفسادا.

بلادنا منهكة في جميع المجالات، ولك أن تذكر نموذج ما تتعرض له المرأة المغربية المفقرة من إذلالٍ في باب سبة ومليلية المحتلتين على أيدي “الأمن الوطني” وحراس الحدود الإسبانيين… ولك أن تتصفح الجرائد يوميا لترى كم عدد الأئمة الموقوفين من غير مبرر قانوني وعدد الصحفيين المعتقلين والمدونين والجرائد الممنوعة بقرار مخزني 10 ، وقمع الوقفات والمظاهرات التضامنية مع الشعب الفلسطيني، مثال القمع الوحشي لوقفة يوم الجمعة 5 مارس 2010، حيث انهالت القوى القمعية على أعضاء الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة بالضرب المبرح والرفس والسب والشتم. الأمر الذي يعيد للأذهان القمع الوحشي للوفقة الاحتجاجية يوم 10 دجنبر 2000 في ثماني مدن مغربية… وتقديم آلاف الناس للمحاكمة الصورية دون أية تهمة حقيقية، وضربا بعُرض الحائط المواثيق والعهود الدولية التي صادق عليها المغرب بوجهٍ أبلق.

أما الاختطاف والإخفاء القسري، وإن كان المغرب من بين الموقعين الأوائل على الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري فلازال عقل السلطة يفكر بنفس الطريقة ويتجه نفس الوِجهة ويمارس نفس الخروقات. وبرغم كل ما تضمنه التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة، من التأكيد على عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وضمان سيادة القانون، فإن جريمة الاختطاف مازالت ترتكب في المغرب بشكل مستمر وبطرائق أكثر ترهيبا واستفزازا 11 ، وخاصة باستغلال الدولة للظرفية الدولية المتعلقة باستراتيجية الولايات المتحدة في ما تسميه بمحاربة الإرهاب منذ أحداث شتنبر 2001. واستصدارها لقنانون رقم 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب.

ويشهد المعتقل الخطير “مركز تمارة السري” المشهور بناحية مدينة الرباط، والتابع لإدارة المحافظة على التراب الوطني (DST) المكان التي تؤكد الشهادات المنشورة والمتوصل بها على أن العديد من المختطفين مغاربة وأجانب تعرضوا فيه لأبشع أنواع التعذيب في عزلة تامة عن العالم الخارجي، ومن ضمنهم معتقلون تم تسليمهم إلى المغرب وتعرضوا للتعذيب بالمعتقل السري المذكور…

حتى الذين كانوا يدافعون تعنثا عن المخزن يصرحون الآن يائسين بأن المغرب يعاني من استمرار حالة اللانظام ومتجه نحو الهاوية وما أدراك ما هي؟ يقول أحدهم: الآمال العريضة التي فتحها العهد الجديد أمام شباب البلاد وطاقاته الواعدة تراجعت بشكل مخيف في الحقل السياسي) 12 .

الرشوة منتشرة انتشار النار في الهشيم، الزبونية والمحسوبية حدث ولا حرج، البطالة تقتل الشباب وتسوقهم إلى قوارب الموت، المرضى الذين يحتاجون للعناية يُتعامل معهم كأنهم مجرمين. الفساد الإداري والمالي والأخلاقي، الدعارة الراقية والمحمية، السياحة الجنسية السرية والعلنية… كلها صفات مقترنة باسم بلد المغرب. كل سائح يخبر صديقه أنه زار المغرب لا يبادر إلى سؤاله عن طبيعته أو المدن التي قام بزيارتها بقدر ما يسأله عن مضاعفة أوكار الدعارة والقمار والخمور والمراقص الليلية والشواطئ المتحللة من كل خلق…

السبب الكافي

لا بد لكل نتيجة من سبب، ولكل معلول من علة. فما سبب وعلة هذا الوضع المتدني والمتخلف للمغرب؟ من أوصلنا إلى هذه المصائب؟ من أضحك علينا الدنيا؟ من أشعل نار الفساد في بلدنا؟ فساد في القطاعات السامية، فساد في القطاعات الحكومية، فساد في القطاعات المنتخبة، فساد في الأحزاب فساد في النقابات فساد في المدارس فساد في الإعلام فساد في المستشفيات !!!

السبب يوجد في الأصل، العلة في المصدر، الفساد من الاستبداد. الظلم مؤذن بالخراب كما قال حكيم المسلمين عبد الرحمن بن خلدون في المقدمة. الفساد في الحكم هدم أخلاق الأمة، ونخر في اقتصادها، وبدد ثرواتها، وشرد المستضعفين، ودفع الفتيات البائسات إلى سوق البغاء، وخطف لقمة العيش من أفواه الأطفال، وتسبب في تفشي البطالة والمخدرات والمرض والخمور والعهارة ومدن القصدير والرشوة والمحسوبية وطابور المشاكل).

لكن الله تعالى يمهل ولا يُهمل، يمد الظالمين استدراجا حتى إذا فرحوا بما أوتوا وظنوا أن لهم القدرة والجبروت والسلطة التي لا تُغلب، جاء أمر الله فأخذهم أخذ عزيز مقتدر. فهو لا يترك الظلم على عباده حتى ينتصر لهم ويرفع عنه الأغلال ويفتح الأقفال، وهو سبحانه الكبير المتعال.

عَن أَنَسِ بن مَالك رضي الله عَنْهُ، قال: قال رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “الظُّلمُ ثَلاثَةٌ، فَظُلمٌ لا يَغْفرُهُ الله، وَظُلمٌ يَغفِرُهُ، وَظُلمٌ لا يَتْرُكُهُ، فَأَمَّا الظُّلْمُ الذِي لا يَغفِرُه الله فَالشِّركُ، قَال الله: {إن الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ} وَأَمَّا الظُّلمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ فَظُلْمُ العِباَدِ أَنْفُسَهُمْ فِيما بَيْنَهُمْ وَبَينَ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الظُّلمُ الذِي لا يَتْركُهُ الله فَظُلْمُ الْعِبادِ بَعضِهِمْ بَعضًا حَتَّى يُدبِّرُ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعضٍ

13 .

يدبر لبعضهم من بعض.

بسنة التدافع والمواجهة والتحمل والاقتحام وليس انتظارا بليدا متلفعا بعافية الجبن والسكوت والتبرير. قال الله تعالى: فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ، وقال سبحانه: اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. والحمد لله رب العالمين.


[1] المخزن مصطلح يفيد في الاستعمال المغربي: السلطة الاستبدادية للدولة، وانفراد الحكام بالسلطة والثروة… \
[2] من هؤلاء الملوك نذكر؛ عبد العزيز بن الحسن الأول، انظر: كتاب” الدرر اللفظية في المملكة الحفيظية”.

– حيث يتراوح المعدل الشهري الخام للمديرين العامين بين 93 ألف و140 ألف درهم\

[3] حيث يتراوح المعدل الشهري الخام للمديرين العامين بين 93 ألف و140 ألف درهم، ويتراوح أجر المديرين المساعدين بين 67 ألف و108 ألف درهم”. و تؤكد بعض الدراسات التي نشرت مؤخرا إلى أن أجور الرؤساء المدراء العامون قد ارتفعت بنسبة 20 في المائة بالمقارنة مع سنة 2007.\
[4] مصطفى العلوي، المساء 19 فبراير 2008.\
[5] انظر مقال: متقيش حشيشي.\
[6] الضيعة الحمراء توجد في تراب جماعة حد البراشوة على بعد 70 كلم عن الرباط، تبلغ مساحتها 220 هكتارا.\
[7] جريدة الصباح، عدد 3091.\
[8] انظر تصريح وزير الصحة باللغة الفرنسية عن الصحة العقلية بالمغرب بتاريخ 22/02/2007 بالموقع الالكتروني للوزارة.\
[9] تتراوح أجور كبار الموظفين ما بين 100 ألف و400 ألف درهم باحتساب الإمتيازات، ويتراوح المعدل الشهري الخام للمديرين العامين بين 93 ألف و140 ألف درهم، ويتراوح أجر المديرين المساعدين بين 67 ألف و108 ألف درهم”.\
[10] انظر تقرير التصنيف العالمي لحرية الصحافة الصادر عن منظمة ” مراسلون بلا حدود”.\
[11] صاحب هذا المقال تعرض للاختطاف والإخفاء القسري والتهديد بالتصفية الجسدية والمنع من العمل الجمعوي. ولا يزال ممنوعا حتى من تجديد جواز سفره دون أي مبرر قانوني!!!\
[12] محمد أوجار، الوزير الأسبق لحقوق الإنسان، في حوار مع جريدة الأحداث المغربية، عدد 2719.\
[13] أخرجه الطيالسي. وأخرجه أيضًا: أبو نعيم فى الحلية ، وحسنه الألباني في “السلسلة الصحيحة” (4/560).\