“طوماس هيلين” شخصية كبيرة أخرى يطيح بها اللوبي الصهيوني في واشنطن، لتكون دليلا آخر-لمن يحتاج إلى دليل- يجلي سيطرة اليهود على مراكز القرار في البيت الأبيض.

لم تشفع لها مسيرتها التي ناهزت خمسة عقود في خدمة الصحافة الأميركية، ولا رمزية مكانتها كعميدة لمراسلي البيت الأبيض، ولا اعتذارها الذي جاء على صفحة موقعها الإلكتروني في أن تغفر لها زلة قولها في شريط فيديو صوره المدون ديفد نيسنوف حاخام لونغ آيلند الذي كان يزور البيت الأبيض” إن على اليهود أن يذهبوا إلى الجحيم ويخرجوا من فلسطين، وعليهم أن يذهبوا إلى بولندا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة أو أي مكان آخر). ولو على سبيل المزحة.

ففي أمريكا والغرب تستطيع أن تنتقد كل شيء وأن تقول كل شيء، تنتقد الكنيسة، تشكك في المسيح، تسب الحكومة ورموزها، تنتقد الكونغرس والرئيس. كل ذلك مغفور مسموح به إلا الحديث عن “إسرائيل” واليهود، فهذا خط أحمر لا يمكن القبول بتجاوزه على الإطلاق وكل اقتراب منه هو أشبه بالانتحار أو توقيع شهادة الوفاة.

فطوماس هيلين عبر مسيرتها الإعلامية الطويلة انتقدت رؤساء أمريكا غير ما مرة واصطدمت معهم، فهي من وصف بوش بـأسوأ رئيس في التاريخ الأمريكي) وقالت عن باراك أوباما أنه ضمير حي لكن لا شجاعة له)، وهي من انتقدت غزو العراق وأفغانستان وطالبت بالانسحاب: يجب علينا أن نخرج من أفغانستان… ما كان علينا الذهاب إلى العراق، علينا أن نخرج من هناك أيضا، ليس لدينا حق أن نكون في بلدهم).

لكنها مع ذلك لم تتعرض على الإطلاق لمثل هذا الاضطهاد والنبذ الذي تتعرض له الآن، فالجميع يتنكرون لها اليوم ويتبرؤون منها، فالمتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبس قال إن: تصريحات توماس كريهة وتستحق التوبيخ). و”هيرست نيوز سيرفيس” (وهي مالكة شبكة الصحف المتعاقدة مع توماس ككاتبة دائمة) أعلنت أن الصحافية ستتقاعد بشكل فوري، وحتى إدارة مدرسة ثانوية في إحدى ضواحي واشنطن، ألغت كلمة كان من المقرر أن تلقيها توماس بمناسبة بداية الموسم الدراسي. ورابطة مراسلي البيت الأبيض قالت إن تصريحات توماس لا يمكن الدفاع عنها)!!. نعم لا يمكن الدفاع عنها ومن يملك الشجاعة أو يغامر بالدفاع عنها!!

فمن أكبر المفارقات في الفكر الغربي أنه يطالب بإلغاء العقلانية والموضوعية والنسبية في القضايا ذات الصلة بالتاريخ والفكر اليهودي والسياسة الإسرائيلية، في حين يدعو بالمقابل إلى حرية المعتقد والفكر والنقد والتشكيك فيما عدا ذلك من القضايا والمقدسات، إلى درجة دفعت المفكر الفرنسي “باسكال بونيفاس” إلى إصدار كتاب بعنوان مثير يلخص المرارة والحنق الذي يشعر بها الأحرار هو: هل من المسموح أو المباح نقد إسرائيل؟) أم أنها معصومة تقف فوق النقد؟ جاء فيه حتى “المسيح” يُنقد، حتى المقدسات تُنقد، ما عدا حكومة إسرائيل التي يمنع نقدها منعا باتا!!!. وهو أمر شاطره فيه مجموعة من المثقفين الفرنسيين اليهود حين أصدروا كتابا بعنوان “معاداة السامية الابتزاز الذي لا يطاق!” (Antisémitisme : l”intolérable chantage).

ومازال المثقفون يذكرون كيف نعت إدغار موران بـ”اليهودي الخائن” واتهم بمعاداة السامية -بعد نشره لكتابه “العالم الحديث والمسألة اليهودية” (Le monde moderne et la question juive)

وجيمي كارتر الذي تعرض إلى حملة ضخمة من الانتقادات والاتهامات بعد نشر كتاب “فلسطين: سلام لا ميز عنصري” وصلت إلى التهديد بالقتل، حتى من المقربين الذين اشتغلوا معه في معهد كارتر حيث استقال أربعة عشر يهوديا وشاركوا في الحملة عليه، فبعضهم رماه بالكفر وخيانة إرادة الرب التي تبشر ببناء الهيكل وإعادة مملكة صهيون!!!! وبعضهم نعته بالباحث عن الشهرة والأضواء!!!! وآخرون شهروا ضده سيف معاداة السامية وكراهية اليهود ووصفوه بمزور التاريخ المنحاز للعرب!!! وهو ما لم يسلم منه المفكر الفرنسي روجي غارودي حيث حوكم وحبس أربعة سنوات بحجة معاداته للسامية بسبب آرائه حول الهولكوست في كتاب (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية).

بدون شك أن مصادرة الحق في انتقاد اليهود و”إسرائيل” وسياساتها هو نوع من الإرهاب الفكري والابتزاز السياسي الذي تتعرض له النخب في الغرب لإسكات صوتها، وإيقافها عن فضح العنصرية الصهيونية وجرائمها البشعة في حق الشعب الفلسطيني الأعزل تمارسه الآلة الدعائية الإعلامية والسياسية والمالية الصهيونية في الغرب وهو أمر لم يعد خافيا على أحد. ولم يعد مقبولا أيضا وهو أمر تدركه هيلين جيدا فقد عرفت عن قرب قوة وتجذر اللوبي الصهيوني في واشنطن، ولكنها ضريبة الحقيقة التي قالت عنها في رسالة إلى زملائها في الصحافة اللبنانية والعربية عبر صحيفة السفير “ابحثوا عن الحقيقة، أحيانا قد يكون ثمنها باهظاً لكنها تستحق العناء”.

اليوم تغادر هيلين البيت الأبيض كأن لم تكن من قبل، وهي التي قال عنها كلينتون: الرؤساء يأتون ويرحلون، لكن هيلين هنا منذ 40 عاماً). فتحية لك هيلين.