إن من يدقق النظر جليا في فعال قادة تركوا أثرا واضحا ومتميزا في الواقع الإنساني، واستقرأ سبل ارتقائهم منازل العلياء والشرف علوا، ألفى أسبابا واقعية وظلالا خفية وراء نبوغهم وخلود فعالهم.

ولنسق مثالين معاصرين دخلا غمار سياسة بلدان لزجة التحرك، وصعبة التوفيق والتوافق مع المخالفين فيها لتعدد المشارب واختلاف التوجهات وتناقض التصورات، حيث إنك لا ترى في هذه البلدان سوى تضارب للآراء والفهوم التي تمتح من أنساق فكرية متعارضة.

ومن ثم فالتحلي بالاتزان الفكري والتوفيق بين الآراء المتضاربة واعتبار الحقيقة الفكرية نسبية خصال أساسية لكل قائد حكيم، والحق أن التحرك الفكري في مثل هذه البلدان أيسر سبيل وسهل الامتطاء مقارنة مع التحرك السياسي المرتبط بالتوازن الدقيق بين المصالح والمفاسد ومعرفة مكامن القوة والخطط الاستراتيجية البعيدة التي يجب على الدولة اتباعها، وهذا التوازن عقبة عند السياسي الذي يجب أن يضع في حسبانه عدم الكشف الفاضح عن ميولاته العقدية وتصوراته الفكرية إذا كان ذلك سببا لاجتلاب مفاسد على الدولة رأسا سياسة أو اقتصادا.

وقد لا نغالي إذا ادعينا أن المقيد الأول بمقتضيات الواقع ومآلاته ومعرفة سبل المصالح الكبرى للبلد إنما هو رئيس الدولة حقيقة، لأنه محاط بسيل عارم من النقد والملاحظة الدقيقة لكل فعل ظاهري له قولا أو سلوكا، وإن كان على سبيل التعريض والإيماء دون إفصاح بيّن وإيضاح جلي، في حين أن باقي أساطين الدولة التي يقوم فيها مسؤول بعمله دون إدراك للمآلات وعواقب الأمور على الدولة، فهو في حل من أمره وانفساح في تصرفه، وإن حوسب على فعل ما، فذاك رهين بمسؤوليته العملية الجزئية دون اعتبار لباقي التخصصات أو الغايات الكبرى التي وجب تحصيلها للدولة ككل، وكذا المفاسد المهددة لصرحها.

وإنني أقصد هاهنا: رئيس الوزراء التركي السيد رجب طيب أردوغان، ورئيس الجمهورية الإيرانية السيد أحمدي نجاد، فكلا الرجلان قد استأثرا بلب الضمير العالمي والشعور العربي، وهما يتحركان كما أسلفت في بلدان قوية الصعاب وشديدة العراقيل والتحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ومع ذلك حققا أمورا لم تستطع دول في يسر من أمرها وانفراج في اقتصادها أن تحققه، فضلا عما كشفاه للأحرار من تناقضات الدول الغربية وزيف ادعاءاتها، وما أظهراه من تواطؤ غربي مكشوف مع كيان غاصب للأرض وقاهر للمستضعفين لاسيما ما يعيشه الأحرار في غزة من حصار وتجويع وإذلال غربي عربي. وفي ذلك مجابهة مباشرة للمستبدين والمستكبرين في الأرض، مما يستدعي طرح أسئلة خاصة بهذين الزعيمين لاقتناص العبر والدلالات والوصول إلى خميرة نهوض هذه الأمة من حالة الهوان والذلة والخضوع للاستكبار العالمي.

1- لا يشك عاقل أن كلا الرجلين حامل لتصور فكري ومشروع تغييري ابتداء، ولم يستندا أبدا على المال الانتخابي لاستمالة الناخبين كما دأب على ذلك تجار الديمقراطيات الزائفة، بل إن حصاد الصناديق كان بسبب التزامهما بتصور عقدي والتزام أخلاقي مرئي على أرضية الواقع، مما دعا الشعب لمحبتهما والتصويت عليهما رأسا.

2- إن هذين الرجلين لم يظهرا على المشهد السياسي هكذا دون تربية أو صياغة أو تكوين عقدي وأخلاقي، بل إن ظلال بديع الزمان النورسي حاضرة في شخصية الأتراك المسلمين، لاسيما الحاملين للمشروع السياسي الإسلامي، ومن ثم فأردوغان مرتهن بالتاريخ العثماني وأمجاد الملوك العثمانيين الفاتحين، وتوجيهات إمام مغمور لم يعط له حقه من التعريف والإظهار بعد، وهو الإمام بديع الزمان النورسي.

والأمر ذاته عند السيد أحمدي نجاد، فهو المستحضر دوما منهاج الإمام الخميني، وسيرته العرفانية وقوته الفكرية وصرامته تجاه رعونات الاستكبار العالمي وفضائع الإجرام الصهيوني.

لذلك نجد وقوفهما القوي مع هموم الأمة، وقوف أناس رساليين لا ينبطحون أمام التهديدات أو الضغوط الدولية المتناسقة مع أهواء الصهاينة وميولات أسيادهم. بل وجدناهما كاشفين لعوار الاستكبار العالمي دون مواربة أو استحياء، وإن بدا للواقعية الانهزامية العربية لعبا بمصالح الدولة الكبرى وتهديدا حقيقيا لها.

3- إن تميز هذين الرجلين في ديدن التصورات والالتزام الأخلاقي كان سببا حقيقيا لانتهاج سبل تحصيل القوة واجتلاب عناصر النفوذ، خاصة الحضور الاقتصادي القوي في وقت تهاوت الاقتصاديات الغربية وأصبح بعضها عبئا على الاقتصاد العالمي، ومن ثم فالنموذج الاقتصادي التركي المبني على الخبرة القوية والمعرفة الدقيقة بسبل الرفاه وما يضادها من الوقوع في شرك الأزمة الاقتصادية العالمية نموذج يحتذى، لأنه ارتقى حقيقة عن بعض الاقتصاديات المندرجة أصلا في الاتحاد الأوروبي كالاقتصاد اليوناني مثلا.

والتميز الإيراني مع نجاد ظهر خاصة في تكسير طوق التبعية العسكرية للتقنية الغربية وما يستتبعه من استحداث نموذج عسكري مستقل عن هيمنة الأقوياء، وما التهديد الوجودي العسكري الإيراني لعصابات الإرغون الصهيونية عنا ببعيد، خاصة مع هزيمة هؤلاء بذرع واحد إيراني لهم في المنطقة وهو حزب الله اللبناني.

لذلك حق لمثل هذين الزعيمين أن يغردا خارج سرب الضعفاء والمتسولين لفتات الغرب والمنبطحين أمام تعليمات الأسياد.

وإن مضادة المشروع التركي والإيراني بدعاوى طائفية أو عرقية إمعان في سير الضعف، وسلوك لسبيل الهزيمة والتخلف والانحطاط والتبعية المذلة.

لذلك لا نشك أبدا في تشكيل سريع لخريطة المنطقة بفضل القوة النامية التركية والإيرانية وتحريكها للأحداث الكبرى المتناغمة مع الضمير الإنساني والنبض العربي الإسلامي، وذلك نهوض بإذن الله للمجد الغابر والعزة المنشودة، وبداية السقوط للمشاريع الاستكبارية القائمة على الاستغلال البشع لثروات الشعوب وفرض المصلحة الأحادية على الضعيف.

هذه هي الواقعية التي تؤمن بها القوى الكبرى وتعيرها الاهتمام الكامل، في حين أن واقعية ذهنية التبعية والخضوع والإذلال… فإنها سائرة نحو الأفول والانقشاع من سماء تاريخ لن يذكر العملاء والأذلاء والمتواطئين، وهي سنة الله تعالى في سحق المتكالبين على مصالح الأمة وقضاياها الكبرى.