حينما أصدر الأستاذ عبد السلام ياسين “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، جوبه من طرف هؤلاء الصحافيين السياسيين الذين ينهمر عليهم السخاء المخزني بتلفيق التهم بلا خجل، والحكم بالحبس بلا وجل، وتسديد طوفان من الغرامات المتغولة الخيالية المجبرة لأصحابها على الإفلاس والإغلاق والإطباق، جوبه حينها بوابل من النقد اللاذع الذي تمحور عموماً حول ثلاث نقط رئيسية:

أولها: ضرورة إعطاء فرصة للملك الشاب، وعدم الاستعجال في إصدار أحكام على من بالكاد يخطو أولى خطوات التغيير والإصلاح.

ثانيها: اتهام جماعة العدل والإحسان ومرشدها بعدم فهم طبيعة التغيرات السياسية العميقة والمرحلة التاريخية الجديدة التي يلج عتبتها المغرب بقيادة الملك الشاب.

ثالثها: عدم إدراك الجماعة كنه الإشارات القوية التي سارعت جميع الأحزاب السياسية والحركات الإسلامية والصحافة الحزبية والمستقلة ورموز المجتمع المدني إلى التقاطها من أبسط حركات الملك وسكناته؛ مثل سياقة سيارته الخاصة بنفسه، واحترامه لعلامات المرور والتوقف عند الإشارة الحمراء، وعدم تمكين المواطنين المستقبلين له بحفاوة من تقبيل يده، وتواضعه للمعاقين وغيرهم…

ألم يسارع اليازغي مثلا إلى اعتبار إبعاد بعض مسؤولي وزارة الداخلية إشارة قوية على موت المخزن؟

ألم يعنون أحد الكتاب مقاله في صحيفة الشرق الأوسط صيف 2004 بـ: “محمد السادس: ملك الإشارات”؟

وبمرور الشهور والسنوات، طفق هذا التصديق المجاني الاعتباطي يبدو وكأن أصحابه كانوا على فرش السذاجة والطيبوبة والوداعة الحالمة يتهدهدون، وبدت رويداً بوارق الاستفاقة تلوح من وراء ألف حجاب، وشرعت غيوم الغيبوبة في الانقشاع البطيء، حتى بلغت القلوب الحناجر في مقال أبي بكر الجامعي الذي بكى فيه بمرارة وأسى انطلاءَ الحيلة المخزنية على من صدق بها ذلك التصديق الطفولي البريء المخدوع.

ألم يكن مرشد العدل والإحسان قارئاً بارعاً لماهية المخزن وتاريخه وحاضره حين كتب في المذكرة بالحرف الواحد: لكن ما أبشع الخيبة حين تستفيق الشبيبة بعد حين من الأماني المعسولة على مرارة الواقع التعس! فبعد الاستعراضات والاحتفالات، سيرحل الشعر المحلق في الأجواء لِيَحل محله النثر المثقل بالبطالة والبؤس. لن تلبث الصورة المزركشة والنية الحسنة للسلطة الرمزية الجديدة أن تخونهما الإكراهات الاجتماعية الاقتصادية، والجوارح المستنسرة المتحفزة للاستماتة في الدفاع عن امتيازاتها والمحافظة على الظروف السياسية المُمَكِّنة لعهد الجمود. سيبذل محركو الدواليب خلف الستارة، الفاسدون المفسدون المتمرسون بأساليب التعمية والتزييف كل ما في وسعهم لمناهضة الإرادات الشابة المبتدئة… لن تكون الخيبة إلاَّ مضاعَفة، ولن تكون النتائج إلا أشد وخامة حين تتبدد الأحلام الخلابة، وتكشف الحقائق المرة عن ضخامة البهتان)؟

هل تنفع سلسلة توزيع سنوات السجن على الصحفيين ليلمس أصحاب نظرية تمكين العهد الجديد من الوقت الكافي لتحويل نياته إلى أعمال وإنجازات ويدركوا فداحة تفويت الفرص التاريخية؟ وهل تأكدوا من ثقل التحول غير المسبوق الذي أمعنوا في التبشير المحلي المهووس به والتسويق الدولي المحموم له؟ وهل لطمتهم قوة الإشارات بما يكفي لاستعادة الوعي الذي سلبه منهم سحر الإخراج المخزني الذي حنكته قرون الاستفراد بالحكم؟

نأسف أشد الأسف، ويدمي قلوبنا ويكاد يزهق أرواحنا قمع طاقات البلاد الخلاقة من أمثال المهدي المنجرة وخالد الجامعي ومصطفى حيران وتوفيق بوعشرين وغيرهم كثير.

لكننا، وبنفس الدرجة من الأسف واللوعة والحسرة، نبكي استمرار كثير من كفاءاتنا الوطنية في الاغترار بالسراب الممتد على قيعة الصحراء المخزنية القاحلة، ليكتشفوا بعد فوات الأوان أن تلفيق التهم والأحكام والإهانات هو الجزاء الوحيد على تصديقهم لهذا السراب.