1- الحب الإلهي:

إن غاية ما يسعى إليه العبد من عبادته وتقربه إلى الله أن يخلع عليه المعبود الكريم خِلعة المحبة، ويكتبه في ديوان الأحباب، ومن تم فليس بينه وبين الملك حجاب والله على كل شيء قدير، إنه هو الملك الوهاب.

قال الله تعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

فذرني ممن يُنكر أو يُغرب في عطاء الله وقدرته، ولا يستسيغ قول الكريم عز وجل في الحديث القدسي الجليل:

“من عادى لى وَلِيًّا فقد آذَنْتُهُ بالحرب وما تقرب إلىَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يُبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها وإن سألنى لأعطينه وإن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته” 1 .

ضاقت حويصلتهم فعدوا الحديث في المناكير، مع أنه في الصحيح الذي يستسقى به الغمام إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83).

فهذا الحديث يبيّن أن الكرامة الكبرى، والنعمة العظمى نيل رضى الله، والفوز بالحب الإلهي، ومن حاز هذا الفضل العظيم، والخير العميم، فإنه ولي الله الذي يحب الله من أحبه ويعادي من عاداه.

ولا يمكن الوصول إلى هذه المنزلة العظيمة “منزلة الحب الإلهي” إلا إذا توفرت ثلاث مراحل في السلوك:

المرحلة الأولى: محبة ولي الله.

المرحلةالثانية: التقرب إلى الله بأحبِّ القُرَب و هي الفرائض.

المرحلة الثالثة: التقرب بالنَّافلة.

ووقوفا مع المرحلة الأولى نقول أنها باب السلوك إلى الله، لايمكن أن نشرع في العمل الجوارحي التقربي بالفرض ثم النافلة إلا إذا دخلنا من الباب، والباب محبة أولياء الله عز وجل وتجنب معاداتهم، وإلا فالمحصود من الإنكار عليهم وإساءة الأدب معهم كره من الله وحرب.

2- باب السلوك:

باب السلوك إلى الحب الإلهي هو باب الحديث القدسي: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب”، ولأهمية هذا الباب سمى العلماء الحديث كله “حديث الولي”.

ذلك أن محبة الولي أمر إلهي لا تدفعه القلوب السليمة، ولا تقاومه الفطر النقية، هو من المعروف الذي حث الله عليه، معروف من طريق روحاني هو معبر القلوب إلى الله، والرابط بينها وبين عالم “ألست بربكم”.

روى البخاري في صحيحه تحت عنوان [باب المِقة من الله].

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض”.

فهي محبة موصولة من عند الله عز وجل، جعل الله محبة جبريل والملائكة بابها السمائي، فلا ينال عبد المحبة من الناس في الأرض إلاّ إذا كان هذا الإجماع عليه في السماء.

وجبريل عليه الصلاة والسلام هو رسول الوحي من الله إلى أنبيائه ورسله، وهو رسول كل أمر روحي إلى عباده الصالحين. وكما أنه سبب ممتد في الرسالات، فهو كذلك سبب ممتد في الولاية، وفي هذه باق إلى يوم القيامة رغم توقف وحي الرسالة.

إن التعبير بـ”من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب” عوض التعبير بـ”من والى لي وليا فقد أحببته” تنبيه حكيم إلى أن الأصل هو محبة الولي لا معاداته، وأن المعروف الفطري -كما سلف ذكره- هو موالاة أولياء الله الذين شهدت السماء بمحبتهم، وبموجب ذلك المنشور السمائي وُضع لهم القبول في الأرض.

فالمحبة للولي معروفة ومن تم كان التنبيه على المنكر الدخيل: “من عادى لي وليا”.

وكأن في الأمر إنذار هو إذا لم تُوفق لمحبة ذلك الولي فلا تعاديه ولا تزدريه ففي ذلك الحجاب وصدُّ الباب.

3- تأصيل قرآني:

إن ما جاء في الحديث مؤكد لأصل قرآني بينه الله عز وجل في سورة البقرة، أخبر الله عن عداوته لليهود بسبب معاداتهم لباب السلوك السمائي سيدنا جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

أخرج أحمد والترمذي والنسائي عن بن عباس رضي الله عنهما قال: “أقبلت يهود إلى رسول الله فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي، فذكر الحديث..، وفيه: أنهم سألوه عما حرم إسرائيل على نفسه، و عن علامة النبي، وعن الرعد وصوته، وكيف تذكر المرأة وتؤنث، حتى سألوه عمن يأتيه بخبر السماء فقالوا: فأخبرنا عن صاحبك، قال صلى الله عليه وسلم: “جبريل” قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدوّنا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان خيرا.”.

فأنزل الله تعالى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99)

هؤلاء الأشقياء المحرومون بمعاداتهم لجبريل عادوا الموكب النوراني كله، واستحقوا اللعنة والغضب الإلهي فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ.

قال الحافظ بن كثير: “وقد روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب”. ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه، فقال: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ أي: مِنَ الكتب المتقدمة وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ أي: هدى لقلوبهم وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين 2 .

وجب التنبه إلى هذه الآيات فهي أصل عظيم في التأكيد على احترام الصحبة وتقدير هذه السلسلة النورانية، وتعظيم أولياء الله، وكفى اليهود لعنة و ضلالا أنهم عادوا الباب السمائي، وكل من عادى باب السلوك الأرضي كان له في سلوك اليهود شعبة.

كيف يعادون جبريل وهو الروح الأمين، تنزّل به الله على قلب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؟ وذلك ليتفرّع من ذلك القلب شريعة القرآن مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وحقيقة الإحسان هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ.

شريعة القرآن:

في تنزل جبريل على القلب المحمدي بالشريعة القرآنية قصة رصعها البيان القرآني في سورة القيامة، ليتضح لنا أن النبي لا يحفظ القرآن حفظا في الرأس كما نحفظه نحن، وإنما هو حفظ في القلب ومن القلب خرج.

قال سبحانه: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19).

روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: في قوله تعالى {لا تحرك به لسانك}. قال “كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان يحرك شفتيه – فقال لي ابن عباس – أحركهما لك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما فقال سعيد أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما فحرك شفتيه – فأنزل الله عز و جل {لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه}. قال: جمعه في صدرك ثم تقرؤه {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} قال: فاستمع له وأنصت ثم إن علينا أن تقرأه قال فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أتاه جبريل عليه السلام استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه”.

ولذلك فالذين يحفظون القرآن من طريق الشيوخ أوثق حفظا، وأبرك تلاوة، وأعظم نورا ممن لا يحفظونه من تلك الطريق لأنهم حرموا بركة الصحبة، وذلك أن هذا النور الرباني الذي علا سنده إلى سيدنا محمد عن سيدنا جبريل عن مولانا رب العالمين خير متوارث عبر القلوب الطيبة.

حقيقة الإحسان:

أما حقيقة الإحسان تبلورت في قوله تعالى: هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ

قال أبو جعفر الطبري: يعني بقوله جل ثناؤه: (وهدى) ودليل وبرهان. وإنما سماه الله جل ثناؤه”هدى”، لاهتداء المؤمن به. و”اهتداؤه به” اتخاذه إياه هاديا يتبعه، وقائدا ينقاد لأمره ونهيه وحلاله وحرامه. و”الهادي” من كل شيء: ما تقدم أمامه. ومن ذلك قيل لأوائل الخيل: “هواديها”، وهو ما تقدم أمامها، وكذلك قيل للعنق: “الهادي”، لتقدمها أمام سائر الجسد.

وأما “البشرى” فإنها البشارة. أخبر الله عباده المؤمنين جل ثناؤه، أن القرآن لهم بشرى منه، لأنه أعلمهم بما أعد لهم من الكرامة عنده في جناته، وما هم إليه صائرون في معادهم من ثوابه، وذلك هو”البشرى” التي بشر الله بها المؤمنين في كتابه. لأن البشارة في كلام العرب، هي: إعلام الرجل بما لم يكن به عالما مما يسره من الخبر، قبل أن يسمعه من غيره، أو يعلمه من قبل غيره.) 3

إِنَّ الولاية العامة تكون لجميع المؤمنين المتقين، والولاية الخاصة لمن بلغوا الإحسان في التقوى والإيمان، عليهم تنجمع قلوب عامة الأولياء، فيستحق الأولياء عامتهم وخاصتهم في تحابهم البشرى في الدنيا والآخرة لقوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64).

عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “”إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء”. قيل: من هم يا رسول الله؟ لعلنا نحبهم. قال: “هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس”. ثم قرأ: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} “.

وفي حديث الإمام أحمد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يأتي من أفناء الناس ونوازع القبائل قوم لم تتصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله، وتصافوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسهم عليها، يفزع الناس ولا يفزعون، وهم أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون”.

وروى الإمام أحمد عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: “لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ” قال: “الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو تُرى له”.

وروى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}؟ فقال: “لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي -أو: أحد قبلك” قال: “تلك الرؤيا الصالحة، يراها الرجل الصالح أو تُرَى له”.”

4- تجربة:

وممن أدركتهم هذه المحبة السمائية الحِبُّ بن الحِب أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وكان أمر محبته ذا خطر وشأن يعنيه “حديثُ الولي” . فقد وفق الله الصديقة عائشة رضي الله عنها إلى محبته متجاوزة عقبة الانخداع بالمظهر، وبيانه ما رواه الكاندهلوي في “حياة الصحابة” قال: أخرج ابن سعد عن عائشة رضي الله عنها قالت: “عَثَر أسامة رضي الله عنه على عتبة الباب أو أُسْكُفَّة الباب ، فشجَّ جبهته، فقال: “يا عائشة أميطي عنه الدم” فتقذرتُه. قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يَمَصُّ شَجته ويمجه ويقول: “لو كان أسامة جارية لكسوته وحَلَّيته حتى أُنفِقَه””. وأخرج ابن أبي شيبة نحوه كما في المنتخب.

وعند الواقدي وابن عساكر عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: “كان أسامة بن زيد رضي الله عنهما قد أصابه الجُدَي أول ما قدم المدينة، وهو غلام مُخاطه يسيل على فيه فتقَذَّرتْه عائشة رضي الله عنها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق يغسل وجهه ويقبله. فقالت عائشة: أما والله بعد هذا فلا أُقصيه أبداً. كذا في المنتخب””.

لكن من لم يراع إشارة النبوة كما راعتها الصديقة عائشة سقط في سوء الأدب مع ولي الله فكان جزاؤه الحرمان والخذلان، وهو ما رواه الكاندهلوي بعد قصة أم المؤمنين فقال: وأخرج ابن سعد أيضاً عن عروة رضي الله عنه “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخَّر الإِفاضة من عَرفَة من أجل أسامة بن زيد رضي الله عنهما ينتظره، فجاء غلام أفطس أسود، فقال أهل اليمن: إنما حبسنا من أجل هذا؟ قال: فلذلك كفر أهل اليمن من أجل ذا”، قال ابن سعد: قلت ليزيد بن هارون: ما يعني بقوله كفر أهل اليمن من أجل هذا؟ فقال: ردَّتُهم حين ارتدوا في زمن أبي بكر رضي الله عنه إنما كانت لاستخفافهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه ابن عساكر عن عروة نحوه وفيه قال عروة: إنما كفرت اليمن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من أجل أسامة. كذا في المنتخب.

وختاما نسأل الله أن ينظمنا في سلك أوليائه ويتعطف علينا بالمحبة والقبول، وصلى الله وسلم على المصطفى الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] البخاري عن أبى هريرة.\
[2] تفسير بن كثير، ص342، ج1.\
[3] تفسيرالطبري، ص393، ج2.\