انشغالات كبرى ثلاث تؤجج الوضع في الشرق الأوسط وتزيد من حدة الأزمة الإسرائيلية وتذكي الخناق على الكيان الصهيوني، رغم ما يبدو في الواجهة من تحرك إسرائيلي يوحي بأن الكيان مازال يمسك بزمام منطقة الشرق الأوسط ويبقيها تحت رحمته.

1. الانشغال الأول: التوتر الأمريكي الناجم عن تفاقم الأزمات في السنوات الأخيرة، على اعتبار أن الجانب الأمريكي هو المساند الكبير والأول للكيان الصهيوني، وهذا التفاقم الكبير للأزمات الأمريكية يتمثل في مجموعة من الحقائق الواضحة على الأرض، والتي أربكت الحراك الأمريكي على المستوى العالمي، لأن هذا التفاقم مس العصب الاقتصادي وبالتالي تداعت معه الهيبة السياسية للدولة الأمريكية، كما مس الجانب العسكري، وتتمثل هذه الحقائق في:

– الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعرفها البنوك الأمريكية والتي بدأت بوادرها سنة 2007 والتي ما زالت تداعياتها مستمرة، مما أثر سلبا على الاستثمار الحكومي وبالتالي زعزعة الوضع الاقتصادي العام للدولة، وهكذا سيدفع التدخل الحكومي المتمثل في 700 مليار التي سيضخها البنك المركزي إلى تفاقم البطالة وقلة الاستثمار الداخلي والخارجي، الشيء الذي سينتج عنه انشغال بالوضع المحلي على حساب المتغيرات الدولية خصوصا مع وجود محللين يؤكدون استمرار الأزمة إلى ما بعد 2015.

– التشتت العسكري للقوة الأمريكية على المستوى العالمي حيث تستحوذ منطقة الشرق الأوسط وآسيا على نسبة مهمة من القوات الأمريكية مما سيزيد معه الإنفاق العسكري، إضافة إلى تفاقم النزاعات وتشتتها، مع ما تخلفه مشاركة القوات الأمريكية من استياء لذا عائلات الجنود ومطالبتهم بعودة أبنائهم إلى وطنهم.

– ظهور قوى اقتصادية جديدة من بينها بعض القوى العربية، وقد نتجت هذه القوى بعد الأزمة المالية الجديدة خصوصا في الملتقى الدولي G20 ونذكر منها المملكة العربية السعودية، مما ستضطر معه الدولة الأمريكية إلى التنازل لبعض هذه الدول مقابل الدعم المالي العالمي للتخفيف من مستحقاتها لبعض الهيئات السياسية العالمية، إضافة إلى الصين والهند والبرازيل وماليزيا.

– ظهور قوى ممانعة لا تكترث للهيمنة الأمريكية ولا لضغوطها الاقتصادية وعلى رأسها إيران وفنزويلا وكوريا، مما سيسمح لبعض الدول الأخرى بحذو خطى دول الممانعة، والظاهر أن جل دول الممانعة لا ترى في “إسرائيل” إلا دولة محتلة ومخالفة للقوانين الدولية خصوصا بعض مجزرة غزة.

2. الانشغال الثاني: التوتر الأوروبي بفعل الوضع الاقتصادي، هذا التوتر دفع إلى خلق الهوة بين دول أوروبا والدولة الأمريكية والتي ترى فيها الدول الأوروبية مصدرا للأزمة، هذه الهوة ازدادت بعد التدخل الأمريكي لسد عجز الأبناك التي عرفت كسادا وعجزا، خصوصا وأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد رفضت التدخل الأوروبي لفك أزمة شركة أيرباص للطيران بدعوى مخالفة القوانين الدولية. ثم المخاوف من أن تطال الأزمة مختلف الدول الأوروبية، مما جعل الانشغال بالوضع في الشرق الأوسط يقل إن لم نقل ستسعى الدول الأوروبية خطب ود الدول العربية لكي تجعل من اليورو عملة التعامل قصد فك العجز والانهيار عنه.

3. الانشغال الثالث: الحراك الروسي لاستعادة الحلفاء في المنطقة، وقد ظهر هذا الحراك بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي لكل من سوريا وتركيا واستدعائه من قبلُ للرئيس الليبي، هذا الحراك يفسر على أنه محاولة للبحث عن الحلفاء القدامى للنظام الروسي الذي لا يزال يرى في ترسانته العسكرية قدرة على الردع ونقطة لاستقطاب حلفاء يسعون للتسلح.

إن الوضع الحالي الذي يعيشه العالم والتحولات الجديدة ستفرض على الكيان الصهيوني عدم الدخول في حرب مع أي طرف عربي نظاميا كان أو غير نظامي، خوفا من مأزق لا يرى في الأفق حلا له خصوصا مع وجود قوى ردع أصبحت تحيط به من الجوانب القريبة.